مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

ما زال يصنع الأواني القديمة::
آخر الصفارين في البصرة يتمسك بمهنته

محمد سمار
يدوّر مصطفى آناء نحاس قديم بين المطرقة والسندان بحذق واضح، بينما ينتظر الزبون الذي جلبه لتصليحه متريثا، وتلمع دلال القهوة وأدوات وتحف اخرى عاكسة ضوء الشمس الذي تخلل ثنايا أحد أزقة سوق العشار.
6.12.2019  |  البصرة

 

الصفارة حرفة يدوية قديمة امتهنها مصطفى صباح بعدما ورثها عن اسلافه، وفي مدينة البصرة لم يبق من يزاول هذه المهنة التي اوشكت على الاندثار سواه، فالسوق تزخر بالبضاعة المستوردة الرخيصة التي ازاحت الصناعات المحلية التراثية. "نقاش" التقت بمصطفى صباح وحاورته حول عمله.

 

 نقاش: ما الذي تتذكره عن مهنة اسلافك وكيف بدأت العمل؟

الصفار:  كنت طفلا وأتذكر ان جدي كان يفتح المحل عند الصباح وعلى الفور يتحلق الزبائن حوله، منهم الاجنبي السائح ومنهم اصحاب الادوات المنزلية الذين يرغبون بإصلاح اداوتهم او شراء اخرى جديدة، وكان جدي يمازحهم ويهب الهدايا لجميع زبائنه.

نقاش: وهل تعلمت الصفارة علي يديه؟

الصفار: نعم. الشيء القليل في البداية. لكن بعد وفاته اخذ ابي على عاتقه مواصلة العمل بالصفارة وعلمني الكثير ثم جاء دوري أثر مرض أبي، وبعدما اعرض اخوتي عن مسك العمل، إذ شغل كل واحد منهم وظيفة حكومية،وبقيت انا امتهن الصفارة تزامنا مع أكمال دراستي الجامعية.

 

 نقاش: حدثنا عن عمل الصفارة اليوم وهل اختلف عنه في السابق؟

الصفار: كنا في السابق نصنع هذه الاواني بأيدينا وأدواتنا البسيطة التي توارثناها، أما اليوم  فأغلب عملنا يقتصر على صيانة الاواني القديمة وبيع الاواني التي نشتريها من الصين والهند والتي اصبحت محل اقبال الزبائن لرخص اثمانها، مع ذلك فبضاعة السوق لا تعجب جميع الزبائن وهؤلاء يفضلون الشيء محلي الصنع والذي يمتاز بالجودة مثل دلال القهوة وسواها لما تحمله من دلالات جمالية ويكلفوننا بعملها.

 

نقاش: وما هي المواد المستخدمة في عملكم؟

الصفار: نستخدم النحاس وأحيانا الرصاص في صنع جميع منتجاتنا فهما عنصران مطاوعان ويسهل العمل بهما، إضافة إلى ميزة اللمعان الذي يمتلكه النحاس لذلك نركز العمل عليه أكثر وهذا الوعاء أو "المصخنة" كما كان تسمى قديما، والتي تراها إذ كانت النساء تستخدمها في نقل المياه من النهر الى المنازل اصبحت الان "انتيكا" لا نفع منها إلا كتحفة. وهكذا يحب الزبائن الذين يقتنونها ان تكون مغلفة بالصدأ لتبقى محتفظة بطابعها القديم.

 

نقاش: ما هي الأشياء التي مازلتم تصنعونها وتجد اقبالا ؟

الصفار: اشياء قديمة مثل الكن والطاسة الكبيرة وهي المغسلة القديمة التي كان يستخدمها البصريون القدماء و الاثرياء يفضلون تلك المزخرفة بالنقوش النباتية الإسلامية، وكذلك يقوم البعض منهم بطلب اضافة جلود الحيوانات عليها، وكلها تستخدم للعرض الجمالي.

 

نقاش: نلاحظ وجود بعض المجسّمات لمعالم تقليدية وأخرى لأشياء قيد الاستخدام، هل تصنع التحف ايضا؟

الصفار: نعم. هذه تحف نحاسية يطلبها الزبائن كهذا المجسّم المصغر لأحد الجوامع الشهيرة في المدينة، وهذه الابواق القديمة والتي كان يستخدمها افراد الجيش العراقي في العزف ضمن الاحتفالات العسكرية وباتت تستخدم الان في الاستعراضات الدينية، وهذا مرش ماء الورد الذي يستخدمه المحتفلون بالأعراس وبعض المناسبات الدينية.

 

نقاش: برأيك ما هو اهم ما تقوم بصناعته وسوقه ما زال رائجا؟

الصفار: الدلة أو ركوة القهوة وهي من اهم البضائع عندي وأكثرها رواجا لأنها تستعمل في اغلب بيوت الناس غنيهم وفقيرهم، مع أن محدودي الدخل يتجهون لشراء الدلال الصينية اما الاثرياء وشيوخ العشائر والوجهاء فيفضلون الصناعة المحلية والدلال ذات النقوش والرسوم الفاخرة وبأحجام كبيرة توضع في الدواوين والمضايف منها للزينة ومنها للاستخدام اليومي.

 

نقاش: ما نوعية زبائنك؟

الصفار: في الغالب زبائني محليون وأحيانا يقصدني آخرون من المحافظات المجاورة لشراء الدلال من النوعيات ألفاخرة التي لا تتوفر في اسواقهم، كما يزورني بعض الاجانب الذين يعملون في الشركات وهؤلاء يشترون اقراصا تحمل صورا لمعالم البصرة كهذا القرص النحاسي الذي يحمل صورة الشاعر بدر شاكر السياب، وكذلك القرص الآخر الذي يحمل صورة النخيل وجزء من شط العرب وهناك امثلة كثيرة يقتنيها الأجانب كتذكارات.

 

نقاش: هل تختلف أسعار بضائعك النحاسية عن بعضها؟

الصفار: نعم الأسعار مختلفة. فهذا القرص على سبيل المثال يصل سعره الى اكثر من الف دولار، كما أني احتفظ في مخزني في البيت بقطع ثمينة منقوشة باحتراف عالٍ تصل اسعارها الى آلاف الدولارات، وفي المقابل  توجد اواني وتحف مستوردة لا يتجاوز سعرها خمسة دولارات.

 

نقاش: يبدو انك متمسك بمهنتك، لكن هل تعتقد أن بإمكانك الاستمرار في ظل منافسة المستورد؟

الصفار: امتلأ السوق بالأشياء الرخيصة ولم تعد لمطرقتي وسنداني حاجة ماسة ويجب السيطرة على المستورد بفرض ضرائب كبيرة كما يجري في البلدان الاخرى.

 

  نقاش: في هذه الحال هل ستعلم الصغار في عائلتكم مهنة الصفارة؟

الصفار: بالتأكيد.  لدي ورشة في المنزل ويجلس اولاد اخي يتعلمون مني تفاصيل الصفارة وان شاء الله سوف اعلم اولادي عندما أتزوج، لان جدي قد اوصى بان تستمر المطرقة تدق النحاس ويملأ صداها المكان وقلوب الناس الذين يحبونها. من الصعب تخيّل سوق العشار بلا صفّار.