مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

زواج الاقارب المسبب الرئيس، والسكان يشككون:
القرية المنكوبة في ذي قار... اطفالها يولدون بتشوهات خلقية وامراض مستعصية

علاء كولي
على الرغم من المنظر الخلاب الذي يحيط بقرية آلـ"ملال" الإ إنها تخفي تحت ظلالها آلاماً كبيرة بسبب التشوهات الخلقية التي يعاني منها ثلث أطفال القرية والذين يبتسمون للغرباء بسهولة.
29.11.2019  |  ذي قار

 

لا يخلو بيت من بيوت قرية "آل ملال" من طفل مشوه خلقيا او مصاب بخلل في الدماغ فهناك (35 ) طفلا مصاب بعاهة خلقية شخصت الجهات الصحية في المدينة أسبابها بزواج الأقارب.

 

القرية تقع في محافظة ذي قار وهي تابعة الى قضاء الشطرة شمالا وتبعد عن مركز المحافظة (65 كلم) وتشهد منذ عام 2002 وحتى اليوم ظهور حالات إصابة بأمراض وتشوهات مختلفة لدى الأطفال حيَرت الأهالي هناك.

 

النهر الصغير والوحيد الذي يقسم المكان الى نصفين تحتله نباتات زهرة النيل والشمبلان والطحالب، وما يظهر من مساحة ضيقة للمياه يميل لونها إلى الرمادي، هي فسحة بسيطة يشترك بها أهالي القرية وحيواناتهم للشرب منها طوال أكثر من 16 عاما.

 

وتبدو طريقة البناء في القرية بشكل غير منتظم، تكشف حالة عيش الناس الفقيرة، حيث تتوزع بعض البيوت بمساحات مختلفة تحيطها بعض المزروعات، إضافة الى الأغنام والابقار وبعض الكلاب وهي تمدد جسدها عن باحاتها أو  تجوب شوارع القرية بهدوء.

 

وما بين هذه البيوتات المتناثرة التي لا يتجاوز أعدادها الـ 60 بيتاً يوجد في كل بيت تقريبا مريض ، ويقول صادق عاشور (43 عاما) وهو أحد سكان القرية لـ "نقاش" بأنه "يوجد 33 طفلا مصابا بالتشوه أو التخلف أو ضمور في الدماغ من بين ما يقارب 85 طفلا تحت سن الثامنة عشر".

 

ويضيف عاشور وهو أب لطفلين مريضين، أحدهما مصاب بضمور في الدماغ والآخر يعاني من التخلف العقلي، بأن "كل المسؤولين الذين وصلوا القرية ألتقطوا صورا تذكارية وتركونا مع الوعود منذ أكثر سنوات، حيث لم تهتم لنا حتى المؤسسات الصحية".

 

على أحد جوانب القرية وبمقدمتها ثمة مدرسة وحيدة، تم بنائها قبل عدة سنوات بمنحة أموال تنمية الأقاليم، ثم في الجانب الأخر من طريق القرية، يوجد بالمدخل محلا صغيرا للحلاقة يتجمع حوله الشباب، بينما تعبر من الزقاق الضيق لمدخل القرية بعض النسوة تسبقهن قطيع من الأغنام.

 

يؤكد عاشور على أنه "حتى الان لا نعرف حقيقة ما يجري لنا، كما أن الصحة تقول بأن سبب الأمراض المنتشرة في القرية يعود لزواج الأقارب، أن كان هذا الكلام صحيحا، فالقرية منذ وجودها قبل أكثر من قرن ونصف وأبنائها يتزوجون فيما بينهم ولم يحصل لهم ما يحصل الآن، ما الجديد الذي طرأ على القرية حتى تظهر هذه الأمراض فجأة ؟".

 

وفي قلب القرية التي يناهز عدد سكانها على (500) شخص، مسجداً كبيراً يجلس قربه أفراد القرية كل مساء، بينما يلعب الصبية والأطفال في ساحة وعرة تطل على القرية بالكامل تقريبا، وفي أحدى الزوايا تخرج سيدة متوسطة بالعمر ترتدي العباءة، وهي تحمل طفلا ليس صغيرا كما يبدو من حجمه وهو يبكي، يتضح من وضعه بأنه مصاب بالشلل.

 

وعند دكة المسجد يجلس حيدر (24 عاما)، وهو يضع طفله ذات السنتين بحظنه والمصاب بشلل رباعي، يقول وهو يضع يده على خده الأيمن "لدي طفل يبلغ من العمر بضعة اشهر، لا أعرف هل سيكون سليماً ومعافى أم سيلتحق بأخيه ويظهر به مرضا يضاف لقائمة مرضى أطفال القرية".

 

ويؤكد وسام عبد الحسين معاون مدير القطاع الصحي في قضاء الشطرة في ذي قار، بأنهم لم يعطوا أهمية كبيرة للقرية، كون الأمراض التي تظهر لديهم ليست وباءاً أو أمراضاَ معدية والتي تستدعي تدخلاً طارئاً من قبلهم، وبحسب التحليلات وفحوصات الأطباء الذين زاروا القرية قبل ما يقارب العامين أكدوا بأن سبب الأمراض وراثية، وليس للماء أي دور في هذه الإصابات.

 

وعادة ما تكون الأمراض الوراثية، كما يقول عبد الحسين في حديث مع "نقاش"، لا تحتاج إلى علاج، كون السبب قائم وهو زواج الأقارب، لأن القرية التي يعيشون فيها تكاد أن تكون منعزلة وأفرادها يتزوجون فيما بينهم منذ سنوات طويلة، وهو ماتسبب في مشكلة الولادات المشوهة".

 

ولكن صادق يشكك برواية المؤسسات الصحية بشأن زواج الأقارب ويقول بأن "القرية شهدت زواج لأكثر من حالة من خارج القرية وسجلت إصابات بالأمراض نفسها، وتسائل، "لو كان زواج الأقارب يفعل هكذا، لماذا بدأت هذه الظاهرة في العام 2002؟

 

لجان صحية كثيرة زارت القرية لأكثر من مرة لمعرفة وتشخيص الحالات وإعتبرتها أمراضاً طبيعية، كما أن دائرة البيئة أجرت مسحا ميدانيا بشأن وجود أشعاعات لمخلفات حربية ووجدت المعدلات من ضمن حدودها الطبيعية، كون الإشعاعات بحسب مختص بيئي تسبب أمراضا سرطانية وليس تشوهات خلقية كما يحصل عند قرية آل ملال.

 

وأبرز الأمراض التي سجلتها القرية، هي التخلف العقلي، الشلل الرباعي، ضمور في الدماغ، شلل رباعي وتخلف عقلي، شلل في الأطراف، وتم تسجيل إصابة (16) من الذكور، و(14) من الإناث فقط لحد الآن، فيما توفي خمسة آخرين قبل سنوات، ولا تزال القرية تشهد ولادات جديدة مصابة بهذه الأمراض، ولا يزال أطفال القرية يمثلون جيلا معاقا.

 

ورغم زيارات ولجان حكومية الى القرية الإ إنها جميعها ألقت السبب في زواج الأقارب والذي يولد أمراضا وراثية، لكن الباحث البايلوجي بكلية العلوم بجامعة ذي قار، خالد الفرطوسي يرجح بأن "يكون مكان وموقع القرية قد تعرض إلى قصف بالغازات أو تأثير مخلفات حربية قريبة".

 

ويقول الفرطوسي لـ "نقاش" بأن "الأمراض الوراثية ليست سببا وحيدا في ظهور هذا الكم من الأمراض عند هذه القرية، هناك تراكمات كبيرة على مدى أجيال، أضافة إلى أسباب أخرى تتعلق بطبيعة الحياة وتلوث مياه النهر، قد حفز تأثرها على الجينات وعلى المدى البعيد يغير بتركيبتها وبالتالي يؤدي لظهور مثل هذه الحالات".

 

ويشعر سكان القرية اليوم بالقلق بشأن مستقبل قريتهم، بعد ظهور حالات إصابة جديدة خلال العامين الماضيين، بعد إكتشاف أطفالهم بعدما تجاوزت اعمارهم العام لا يستطيعون المشي، وأن حياتهم الصحية في خطر حال أقرانهم من أطفال القرية الذين أصبحوا ضحية هذه الأمراض.

 

سنوات مرت على ظهور الامراض الوراثية الإ أن سكان القرية لا زالوا يشعرون بالخيبة، ولا يزال اليأس والإحباط يخيم على وجوه الناس هناك، وبينما يجلس المصابين بالشلل عند دكات البيوت وهم لا يعرفون مصيرهم، تنتظر الأمهات بخوف مواعيد موت بقية الأطفال المصابين بضمور الدماغ أو شلل الدماغ في أقسى اللحظات مأساوية تسجلها القرية المنكوبة في تاريخها.

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.