مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

بعضهم حول مركبته الى سيارة اسعاف للمصابين والقتلى:
سائقو التوك توك نقلوا المتظاهرين الى ساحات الاحتجاج وبائعة المناديل وزعت بضاعتها لمسح دموع المتظاهرين

إبراهيم صالح
ظهرت في احتجاجات اكتوبر التي عمت بغداد ومدن الجنوب شخصيات تحولت الى إيقونات مميزة ومنهم سائقي التكتك وغجر البتاوين وبائعة المناديل الورقية.
17.10.2019  |  بغداد

 

بين ليلة وضحاها باتت الشابة دنيا بائعة المناديل الورقية واحدة من أبرز آيقونات الحركة الاحتجاجية التي شهدتها العاصمة بغداد وعدد من المحافظات العراقية والتي تمثلت بتظاهرات واسعة بدأت في الأول من شهر تشرين الأول (أكتوبر) الجاري.

 

بائعة المناديل التي كان يعتقد الجميع ممن يمر في منطقة الباب الشرقي ببغداد أنها خرساء، ظهرت في مقطع فيديو تداوله ناشطون ومدونون على مواقع التواصل الاجتماعي وهي توزع المناديل الورقية على المتظاهرين لمساعدتهم في مسح دموعهم بعدما أطلق عليهم عناصر من قوات مكافحة الشغب الحكومية الغاز المسيل للدموع.

 

لم تمض سوى ساعات قليلة حتى رسم الفنان التشكيلي سعد الطيب وعلى عجالة صورة "دنيا" وهي مجسدة على شكل تمثال يعلو منصة وحولها المتظاهرون بينما تُخرج المناديل من كيس بحوزتها وتخرج معه حمامات بيضاء في إشارة إلى الرغبة بالسلام.

 

دنيا باتت أيقونة للحركة الاحتجاجية حيث وضع هذه الصورة المئات من العراقيين كصورة شخصية لصفحاتهم على الفيسبوك رغم انقطاع خدمة الإنترنت في العاصمة بغداد وبقية المحافظات التي شهدت تظاهرات عارمة لكن العراقيون تمكنوا من فتح تلك المواقع باستخدام برامج التشفير.

 

الانتباه للشابة المذكورة جاء بسبب تأثرها بآلام المصابين من المتظاهرين ورغبتها بمساعدتهم ما دفعها إلى التبرع بأكياس المناديل التي تعمل على بيعها لكسب قوتها اليومي، وتفريقها بين المتظاهرين غير مبالية بما ستخسره في حال لم يتبق لديها ما تبيعه لتؤمن قوتها في ذلك اليوم.

 

الأمر الآخر أن أكثر المتابعين شعروا بالأسف لكون تلك السيدة كانت مجرد بائعة يعتبرها الكثير "متسولة مزعجة" بينما أثبتت أنها أكثر إنسانية من غيرها واعتبروا موقفها مشرفاً قد لا يتخذه غيرها في ظروف مماثلة.

قصة دنيا تشبه الى حد كبير قصة "فاتن" أو أم محمد االمرأة التي ظهرت وهي توزع احد نذورها وهو "خبز العباس" بين المتظاهرين ما جعلها محط ثناء وتقدير هي الأخرى من قبل الكثيرين.

 

سائقو التكتك

الأشخاص الذين يمرون في أحد شوارع مدينة الصدر شرقي العاصمة بغداد يعرفون جيداً أن معظم سائقي السيارات ينزعجون كثيراً من وجود أعداد كبيرة من "التوك توك" أو كما يسميه العراقيون "الستوتة" في الشوارع.

 

 غالبية سائقي هذا النوع من الدراجات وجدوا فيها وسيلة لكسب الرزق من خلال نقل الركّاب والبضائع أيضاً لمسافات قصيرة.

 

هؤلاء الشباب كانوا يتلقون يومياً سيلاً هائلاً من الشتائم والانتقادات لكونهم يقودون عجلاتهم بين السيارات وبصورة فوضوية أحياناً، ما يشكل مصدر إزعاج لأصحاب السيارات والمارة أيضاً رغم تقديمهم خدمات لا غنى عنها بالنسبة للكثير من الأهالي وأصحاب المحال التجارية.

 

غير أن الأمر اختلف كثيراً بعد الأول من أكتوبر ليصبح هؤلاء الشباب آيقونات مميزة للحركة الاحتجاجية أيضاً إذ لعبوا دوراً مهماً في نقل المتظاهرين من مدينة الصدر إلى ساحة التحرير وبقية مناطق الاحتجاج، كما كان لهم دور أكبر تمثل بحمل الضحايا من قتلى ومصابين تعرضوا للقنص أو إطلاق النار الحي وغيرها على يد عناصر الأمن ونقلهم إلى المستشفيات القريبة لإسعافهم رغم ملاحقة عناصر الأمن لهم.

 

سوّاق "الستوتات" يشعرون بالفخر اليوم أكثر من أي وقت مضى ويبدو أن سكان مدينة الصدر والعاصمة بغداد ككل يشعرون بالفخر أيضاً إزاء هؤلاء الشباب نظراً لما قدموه في أيام الاحتجاج.

 

غجر البتاويين يأوون المتظاهرين في بيوتهم

منطقة البتاويين هي إحدى الأحياء البغدادية التي لا تفصلها سوى بضعة أمتار عن ساحة التحرير بقلب العاصمة والتي تمثل مسرح الاحتجاج الأول في كل مناسبة.

 

يسكن منطقة البتاويين خليط غير متجانس من الفقراء والمهجرين والمغتربين وغيرهم مع شريحة من الغجر من العاملين في مهن مختلفة تواجههم بسببها شتى أنواع الاتهامات بتسهيل عمليات الدعارة والإتجار بالبشر وتجارة المخدرات وغيرها.

 

سكان بغداد يعدون منطقة البتاويين واحدة من أخطر مناطق العاصمة بسبب عمل الكثير من سكانها في عصابات إجرامية تمارس أنواعاً مختلفة من الأعمال غير القانونية التي ألقت بظلاها على سمعة هذه المنطقة ضيقة الشوارع.

 

في أيام التظاهر وبعد تصعيد عناصر الأمن من القوات الحكومية والفصائل المسلحة من أساليب قمعهم للتظاهرات باتت البتاويين أبرز الوجهات الآمنة التي يقصدها المحتجون الذين باتوا مطاردين بالحديد والنار من قبل عناصر الأمن.

 

في هذه الأثناء كان لسكان منطقة البتاويين موقف اعتبره البغداديون مشرّفاً وإنسانياً من خلال إيوائهم للمطاردين من المتظاهرين في منازلهم رغم ملاحقة عناصر الأمن الذين كانوا لا يرأفون بمن يعثرون في منزله على أحد المشاركين في التظاهرات.

 

الخلاصة أن شرائح واسعة من البغداديين كانت ضمن دائرة الاستياء والانتقاد والشبهات والاتهام لكنها أصبحت في دائرة الاهتمام والتقدير عندما أظهرت الظروف الاستثنائية حقيقة ما هم عليه ليصبحوا آيقونات للحركة الاحتجاجية في العراق.

 

يمكن تشبيه هؤلاء جميعاً سواء "دنيا" أو "فاتن" أو سائقو "الستوتات" أو "غجر البتاويين" بنماذج شهدتها حضارات وأمم مختلفة كـ"أحدب نوتردام" و "عابس" في موقعة الطف وغيرهما ممن كان المجتمع يرفضهم لأسباب خارجة عن إرادتهم قبل أن تنقلب الآية فيصبحوا رموزاً لحقب وحوادث معينة لما قدموه في ظروف استثنائية أحاطت بهم.

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.