مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

احتضنت قصصا كثيرة:
سراديب الموصل لا تنجح دائماً في أن تكون قبوراً

نوزت شمدين
قصص كثيرة ومثيرة احتفظت بها سراديب الموصل التي احتضنت السكان اثناء حرب التحرير من تنظيم داعش المتشدد وذكريات خطتها انامل باتت اليوم تحت التراب ولا احد يعرف اين دفنت او كيف ماتت.
31.01.2018  |  النرويج
Central bank
Central bank

 كانت تمسك بيد شقيقتها لحظة أن فتحت عينيها في قلب الظلام، وجع أطبق على أنفاسها واصوات مثل مطرقة احتاجت إلى بعض الوقت لكي تدرك انه ليس الكابوس اليومي الذي طاردها خلال ساعات نومها القليلة منذ أن بدأت الحرب.

 

المساحة القبرية الضيقة التي استفاقت فيها هي فجوة شكلتها الأنقاض الحجرية للسرداب المنهار، واليد الصغيرة الباردة التي تقبض عليها هي الشيء الوحيد الظاهر من جسد تبار كالمدفونة إلى جوارها تحت عمود من رخام.

 

  أريج شابة موصلية اتمت عامها الثامن عشر في شهر شباط (فبراير) 2017 وهو الشهر ذاته الذي بدأت فيه القوات العراقية مدعومة بطيران التحالف الدولي وصواريخه حرب تحرير الجانب الايمن لمدينة الموصل (400 كم شمال بغداد) من قبضة مسلحي داعش.

 

لا تعرف أريج حساب الوقت الذي مضى عليها وهي تصرخ في العتمة مرعوبة من فكرة أنها عالقة بين حياة وموت. كانت تغيب عن الوعي وتعود لذعرها مواصلةً نداءها اليائس علها تلتقط اشارة صوتية من امها. بينما واصلت يدها اليسرى حراسة برودة أصابع تبارك خوفاً من ان تفلتها، لأمل داخلي لم تستطع التخلص منه أبدا في أن أختها قد نجت بباقي أجزاء جسدها وفرت به الى خارج السرداب.

 

هي لا تفهم لغاية الآن كيف أخطأتها كل تلك الأطنان من الحجارة وحديد التسليح وقطفت أرواح باقي أفراد أسرتها. تشعر بوخزة ضمير حارقة كلما تذكرت أنها كانت تفترش أرض السرداب بين والدتها وخالتها وابنتيها وفي حجرها شقيقتها تبارك أو (توتة) كما كانت تسمى تحبباً. وهنالك في الزاوية المقابلة كان والدها المقعد بسبب حادث قديم وشقيقها الأكبر منها وزوج خالتها.

 

عاصفة من دخان ضربت السرداب وشطبت ما حولها. ثم ارتجت مع ذلك الصوت الذي بدا وكأنه اخترق أحشاءها. انفجر بداخلها واختفى معه كل شيء هذا كل ما تتذكره، تستعيد أريج صوتها بعد نوبة بكاء: "لماذا ماتوا هم وبقيت أنا؟".

 

السؤال ذاته طرحته بترديد ببغاوي على أطباء وممرضي مستشفى ميداني نقلها إليه عناصر من الشرطة الاتحادية استدلوا على مكانها من صوتها، أخرجوها من هناك يوم الخميس 22 حزيران 2017 برضوض وجراح طفيفة بعد ثلاثة أيام كاملة قضتها محتجزة تحت الركام. 

 

ظل الأطباء وعلى مدى أسبوعين كاملين يواجهون نوباتها الهستيرية بالمهدئات، ويحاولون منعها من الخروج للتأكد بنفسها إن كان أهلها قد ماتوا جميعهم حقاً بذلك الهجوم الصاروخي.

 

وعندما أخذها أقرباء لوالدها إلى حيث أنقاض منزلها في منطقة (إقليعات) وسط البلدة القديمة على الضفة اليمنى من نهر دجلة، تركوها تقلب الحجارة والكتل الجصية بحثاُ عن ذكريات منزلية مدفونة. وفي مكان ما في جوفها ذلك الأمل العنيد في ان احداً من ذويها ربما يكون على قيد الحياة.  

 

تمسح خيط دموع بظاهر يدها، وتتابع: "كنا نهتز مع كل تفجير في الخارج، نمكث في الزوايا متشبثين ببعضنا كنت أسمع أمي تتلو الأدعية والآيات وكلمات التوسل بالله ان ينجينا".

 

اليد ذاتها مدتها أريج. كأنها تفتش عن يد مفترضة لشقيقتها. أمسكت بها، شدت عليها قبضتها ثم تأملت لثوان مغمضة عينيها كأنها تتأكد إن كانت اليد مازالت باردة. قالت: "كانت ملتصقةً بي في تلك الأيام. وكنت أشعر بارتجافات خوفها. نبضات قلبها المتسارعة. وأصمت عاجزة عن الإجابة عن تساؤلاتها الملحة بعد كل تفجير: "هل انتهى الأمر؟ هل أستطيع ان افتح عيني؟  ألن نموت؟".

 

هنالك في (سوق الشعارين) حيث قلب الموصل القديمة او ما تبقى منها. على بعد خمسة ازقة فقط من أنقاض منزل أريج، وبينما كان أفراد من الدفاع المدني ومتطوعون شبان منشغلين بانتشال بقايا رفات آخر فرد من عائلة مؤلفة من عشرة أشخاص قضوا تحت أنقاض منزلهم، عثر الملازم أول (سعد) على دفتر مذكرات صغير بحجم كف، وعلى شكل قلب زهري اللون او في الأقل كان كذلك قبل أن يشوهه الركام.

 

تردد في إلقائه فوق كومة من الاشياء المنزلية الأخرى وأداره متفحصاَ غلافيه المنتفخين والمنخورين بحفر صغيرة وراح يخمن شكل الصورة التي كانت عليهما والتي لم يبق من معالمها سوى شيء من ضفيرة في جانب. وفراشة بنصف جناح بألوان باهتة في الجانب الآخر.

 

دس الدفتر في جيبه ومضى مع زملائه لتسليم الرفات الى دائرة الطب العدلي لحفظها. مختتماً بذلك نهاراً آخر طويلاً من تشرين الأول (أكتوبر) 2017 كانت حصيلته استخراج (168) جثة متفسخة بعد ثلاثة أشهر كاملة من انتهاء المعارك في ذلك الجزء المدمر.

 

"البقاء طويلا بين الموتى يفقد الموت رهبته". هذه هي الفلسفة التي خرج بها سعد بعد أربع سنوات من وضعه نجمة رتبته الأولى على كتفه، ومشاهدته لزملاء له يسقطون في شوارع المدينة برصاص اغتيالات الإرهاب أو خلال المعارك او بعدها بالعبوات الناسفة المخبأة تحت أنقاض المنازل وغيرها من العقارات.

 

 يروي سعد عن كيفية وصوله في لحظات ما قبل وفاة الكثيرين، مدنيين او عسكريين. سمع كلماتهم الأخيرة، وصاياهم، صمتهم المفاجئ او رعشاتهم واختلاجات أنفاسهم. لكن ما أحدثه ذلك الدفتر الصغير في نفسه أمر يختلف تماماً.

 

احتوى الدفتر على ست عشرة صفحة قلبية سميكة وسليمة، كل واحدة بلون يختلف عن الأخرى. كتبت في صفحتها الأولى وبثلاثة ألوان مختلفة سما مع تأريخ الثلاثاء 4/3/2014 ورسم لوجه دائري سعيد وعلى مقربة منه عبارة خطت بكلمات كبيرة (عيد ميلادي).

 

أنزل القلب لينقسم الى جزأين استراحا على ركبتيه وكانت الصفحات الخمس التالية بلا تواريخ، ضمت جملاً قصيرة بلهجة اهل الموصل. كلمات منها مشطوبة بألوان غامقة وكلها مطرزة الجوانب برسومات صغيرة لأزهار او أغصان أو قلوب وأخذ يعد بأصابعه بدءاً من الخنصر ويقرأ من ذاكرته ما جاء في كل صفحة.

 

"تلقيت أجمل هدية من امي الحبيبة، أصبحت اليوم في الثانية عشر" تلتها جملة أخرى "انا وامي صنعنا الكبة اليوم" وفي صفحة أخرى "جدتي تكره القطة التي تعيش معنا وابي يقول انها ستلد في الصيف وسيكون لديها صغارها" ثم وصفت الطفلة رعبها في الدفتر بجملة "انا خائفة واسمع أصوات التفجيرات والطائرات ولا نستطيع الخروج من السرداب".

 

على ضفة نهر دجلة المقابلة لخراب المدينة القديمة، أقتحم عصر العاشر من كانون الثاني (يناير) 2017 أربعة قناصين من تنظيم داعش منزل البروفسور محمد طيب الليلة، وكمنوا في السطح العالي للقوات العراقية التي كانت تتقدم لبسط سيطرتها على الجزء الأخير من جانب الموصل الأيسر وفوقها طائرات التحالف الدولي تمشط الأرض بصواريخها.

 

وقبل أن يضغط أي منهم على زناد الإطلاق هبط صاروخان من السماء، أحالا المنزل المؤلف من طابقين على مساحة (600 م2) بما فيه من حجر وبشر إلى فتات، وادخلا الموصل برمتها على الرغم من جراح الحرب الغائرة في حزن عميق على مقتل واحد من كبار علماء ميكانيك التربة والعميد السابق لكلية الهندسة في جامعة الموصل، وزوجته الطبيبة فاطمة الحبال وابنتهم إيمان.

 

الابن البكر للعائلة أحمد يقيم مع عائلته في مدينة أربيل بإقليم كردستان مازال يشعر بفرح طفولي لرنات هاتفه الخلوي الأولى مستجيباً بنحو غريزي لوهم أنه قد يسمع صوت أحد والديه في الطرف الآخر.

 

 قال بأنه توسل مراراً بوالده ان يترك المدينة الى مكان آمن لكنه كان يرفض بشدة ويقول بحزم: "أنا لست مجبراً على تسليم بيتي ومكتبتي التي فيها مؤلفاتي وكتبي العلمية التي جمعتها بتعب منذ الصغر لأشخاص همجيين رعاع أتوا ليحرقوا الحرث والنسل".

 

"كان إسفين عمره قد دق عميقاً في أرض الموصل ولم يستطع داعش ولا حرب التحرير منه نزعه" هكذا يصف أحمد ارتباط والده بمدينته.

 

وأشار الى أنه ولأكثر من عامين ونصف، كان يتواصل وبحذر شديد عبر الهاتف الجوال مع أهله المحاصرين على الرغم من انها كانت مخاطرة كبيرة بسبب ان التنظيم كان قد وضع قوانين بعقوبات مميتة ضد من يتم العثور على هاتف بحوزته.

 

 ويستدرك: "كان أبي يترك هاتفه الجوال في الطابق الثاني كون الاشارة الضعيفة أصلا لم تكن تلتقط إلا هناك، وكنت خائفاً على الدوام من انكشاف امر تمرد والدي على قوانينهم فيؤذونه".

 

يقول احمد بأسى: "المحاكم في الموصل ترفض تزويدي بشهادات وفاة لوالدي لأن القانون العراقي يستلزم إجراء كشف على الجثث للتأكد من سبب الوفاة كشرط لإصدارها وأنا لا اعرف من اين آتي لهم بجثتيهما، فالسرداب الذي بناه أبي مستعينا بخبرة سنوات عمله الهندسية الطويلة لم يعجز فقط عن حماية أرواحهم، بل عجز حتى عن الاحتفاظ بجثثهم أو في الأقل أن يكون لهم قبر".

 

 

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.