مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

أمن سورَكَ
قصة سقوط آخر قلعة بعثية في إقليم كردستان

هانا رؤوف
لحد الآن لا يستطيع تحسين قادر نسيان ما لاقاه من تعذيب شديد أيام النظام البعثي السابق، متذكرا تلك الأوقات المريرة كلما مر من أمام البناية القديمة التي كانت تعرف بدائرة الأمن في السليمانية.
20.06.2012  |  السليمانية
The former headquarters of Saddam Hussein in Sulaymaniyah and scene of many past horrors. Picture: Bestoon Mohammed
The former headquarters of Saddam Hussein in Sulaymaniyah and scene of many past horrors. Picture: Bestoon Mohammed

تحسين واحد من بين آلاف آخرين قضوا سنوات من عمرهم داخل جدران هذه البناية إبان حكم نظام صدام حسين والمعروفة حاليا لدى أهالي المدينة بـ"أمن سورَكَ"، أي "الأمن الاحمر" باللغة العربية نظرا للون جدرانه الخارجية.

ولكون أن "أمن سورَكَ" مرتبط بنظام قمعي في ذاكرة مواطني كردستان، حولت السلطات الكردية البناية الى متحف وطني يزوره العشرات يوميا، دون أن تعمّر الأجزاء المهدّمة أو التي تعرضت للتخريب في الانتفاضة الكردية 1991.

"أمنَ سورَكَ" الذي افتتح لأول مرة ليصبح دائرة أمن السليمانية في مثل هذا الوقت قبل 27 عاما، جرى تصميمه على يد مجموعة من مهندسي المانيا الشرقية عام 1979، وشيّدته السلطات فيما بعد على ثلاثة مراحل ليجهز منتصف 1985.

وبني المقر الأمني على مساحة 16 الف متر مربع ليشمل ستة أبنية بعضها من ثلاثة طوابق والآخر من طابقين، محاطة بجدار ارتفاعه مترين يحتضن محطة وقود وورشة لتصليح السيارات إضافة الى مستشفى ومطعم. كل ذلك بهدف توفير احتياجات رجال أمن النظام السابق واكتفائهم ذاتيا.

كانت تهم أغلبية الذين يسجنون ويعذبون ويعدمون في هذه الدائرة سياسية. تحسين قادر سجن لأول مرة عام 1988 بتهمة انتمائه لتنظيمات الاتحاد الوطني الكردستاني ليمكث في "أمن سورك" تسعة أشهر، ليفرج عنه لاحقا بعفو عام. لكنه اعتقل من جديد بداية 1990 بنفس التهمة وبقي في سجون الدائرة الانفرادية لغاية آذار (مارس) 1991 عندما كسرت قوات البشمركة باب سجنه وأطلقت سراحه.

سقطت مدينة السليمانية بيد البشمركة والناس المنتفضة ضد النظام البعثي يوم 7 اذار (مارس) 1991 ماعدا بناية الامن التي استمر القتال لساعات طوبلة. وفي اليوم التالي (8 اذار). نجح المقاتلون الاكراد في اقتحام القلعة البعثية الحصينة والأخيرة في المحافظة وتحرير السجناء.

يستعيد تحسين ذاكرته عن ذلك اليوم بالتحديد ليقول "لم نكن نعلم ماذا يجري في الخارج، لم نكن على علم بالحرب ولا بالانتفاضة الى ان سمعنا اصوات الاطلاقات النارية على البناية".

كان السجين السابق متخوفا في البداية من ان تفشل الانتفاضة ويستعيد النظام البعثي سيطرته على المنطقة من جديد، لكن تلك المخاوف انتهت حين وصل البشمركة الى امام سجنه الانفرادي ليكسروا الابواب ويطلقوا سراحه مع العشرات من السجناء الاخرين.

وحسب شهادات الذين قضوا فترات زمينة مختلفة داخل هذه البناية، كان الجميع يتعرضون الى شتى انواع التعذيب كالتعليق والكهرباء والضرب المبرح ونزع الاظافر وحتى الاعتداء جنسيا. اضافة الى هذا، كانت هناك غرفة تدعى بالغرفة الحمراء والتي كانت تستعمل لاغتصاب النساء من قبل رجال الامن.

احدى القصص الاليمة تلك التي حدثت مع فتاة كردية قضت سنوات طويلة داخل السجن لتخرج بعدها مع ثلاثة اطفال مجهولي الاب ليتم قتلهم جميعا مع الام على يد اخيها الذي انتحر هو الاخر في نفس اليوم من خلال اطلاق رصاصة على نفسه.

والغرفة الحمراء هي المكان الوحيد الذي تم تعميره لاحقا، ليندثر ويختفي هذا الجزء من تاريخ "أمن سورَكَ".

بعد الانتفاضة الكردية، اصبح الـ"امن سورَكَ" مكانا تعيش فيه العوائل الكردية المهجرة من كركوك على يد النظام السابق الذي كان مسطيرا على المدينة انذاك.

وفي العام 2008 جرى تحويل البناية الى متحف وطني. ويمكن اليوم مشاهدة تماثيل عديدة داخل اروقته وزنزاناته تصور طرق التعذيب التي وقعت فيه من قبل، إضافة إلى العديد من وثائق حزب البعث والأسلحة والدروع والمدافع والدبابات العسكرية التابعة للجيش العراقي السابق.

الآن وعند المرور داخل هذا المكان وصولا الى زنزاناته الجماعية والفردية على حد سواء، وعند النظر الى تلك التماثيل التي تظهر طرق تعرضها للتعذيب، يمكن الزائر أن يشم رائحة ذلك الزمان الغابر ويسمع صيحات السجناء، خصوصا النساء والاطفال منهم ويتخيل طيبعة الحياة هناك سابقا.

اكو غريب مسؤول متحف "امن سورَكَ" الوطني يوضح لـ"نقاش" ان فكرة تحويل المكان الى ما هو عليه اليوم "هي بهدف تذكير الاجيال القادمة بمعاناة الآباء واطلاعهم على آلام ومعاناة الشعب الكردي على يد النظام البعثي الصدامي".

ويوجد في هذا المتحف أيضا قسم خاص بذكريات حملة الانفال 1988 والتي راح ضحيتها اكثر من 100 ألف مواطن مدني كردي.

وفي قسم آخر منه، تعرض أدوات التعذيب التي كان يستعملها رجال الأمن، إضافة إلى الحبل الذي كان يستعمل في الإعدامات في سجن "أبو غريب" غرب بغداد.

ولا تتوفر إحصائيات عن عدد المعتقلين والمقتولين في هذه الدائرة مابين 1985 و1991، لكن هناك اجماع على أنه المكان الاكثر ترهيبا لأبناء الإقليم في تلك الفترة.

أميرة محمد، إحدى الباحثات اللواتي اختصّن في جمع قصص ضحايا الـ"أمن سورَكَ" منذ سنوات، تشير الى ان انتهاكات غير مسبوقة من نوعها لحقوق الانسان جرت فيه.

وتؤكد محمد لـ"نقاش" انها جمعت 170 قصة لضحايا نساء ورجال كان معتقلين تعرضوا إلى أشد انواع التعذيب على يد رجال أمن البعث. كما أن هناك العديد من الرسائل المكتوبة باليد من قبل المعتقلين، بعضهم فارق الحياة إثر التعذيب الشديد، تعمل الباحثة محمد على طبعها قريبا في كتاب.

الذكريات الأليمة لتلك الايام مازالت محفورة في ذهن تحسين قادر كآثار الطلقات على جدران الـ"امنَ سورَكَ". ويقول "الشيء الوحيد الذي يصبرني، هو ان الاجيال القادمة ستعلم بما جرى هنا من خلال هذا المتحف الذي اتمنى ان لا يتكرر احداثه مرة اخرى".

أخيرا يطالب تحسين بتحويل جميع دوائر الدولة العراقية السابقة الى متاحف كي تكون الاجيال القادمة على معرفة بما قام به النظام البعثي ضد الشعب العراقي.