مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

من ينقذ الصفّار وبائع السوس.. من التجمّد؟

عبد الهادي العبيدي
انفتاح السوق العراقية أمام التجارة الدولية منذ تغيير النظام السياسي عام 2003 وضع ما بقي من حرف تقليدية اشتهرت بها مدينة الموصل على المحك. فبعد أن اندثر عدد كبير منها بفعل الزمن مثل "التوتنجي "بائع التبغ و"المبضعجي"…
10.05.2012  |  الموصل
Almost extinct: inside one of the last coppersmith shops in Mosul.
Almost extinct: inside one of the last coppersmith shops in Mosul.

مطرقة أنتجت طيلة قرنين آلاف الأواني والتحف المعدنية ربما في طريقها إلى التقاعد، بعد أن بانت عليها ملامح الشيخوخة وخفت صوتها الرنان الذي كان سيد سوق الصفارين بلا منازع.

أحمد سيد علي (36عاما) أحد آخر الصفارين الباقين في الموصل. قلة المردود المالي الذي يجنيه من تصفير أواني النحاس لم يثنه عن التمسك بمهنة أجداده معزيا نفسه بكلمات والده قبل مماته: "أحفظ مهنتك وعض عليها بالنواجذ".

هذا الشاب، وهو خريج كلية الزراعة والغابات يفتح محله لوقت قصير في اليوم يتابع بعده إنجاز أعمال أخرى تحقق له دخلا أفضل. ويقول "لم أنحُ منحى كثر من أبناء جيلي، الأطباء والمهندسين والمحامين وحملة الشهادات الأخرى ممن طلقوا مهن آبائهم بالثلاث. أحافظ على وجودي بالسوق وأفخر به".

سوق الصفارين الذي يعمل فيه سيد علي أشهر من نار على علم، تأسس منتصف القرن الثامن عشر وما زال مضرب مثل الأهالي في الجلبة، حتى بعد ان استورد إليه أصحابه الجدد الهدوء والراحة.

وبينما ينهمك سيد علي في إصلاح آنية نحاسية معمِّرة، يضيف "لم يعد السوق كما كان، اذ انقلب من الأصفر (لون آواني النحاس) إلى الأبيض (لون الألمنيوم) بسبب الاستيراد الذي ضرب مهنتنا".

وحسب التقارير الاقتصادية الرسمية فإن سوريا والصين وايران إضافة إلى تركيا، ابرز الشركاء التجاريين للعراق. وتعتمد مدينة الموصل في معظم بضائعها على الاستيراد من هذه الدول.

وفي سوق المدينة الذي يعج بالعصرونيات التي تبيع الأواني المستوردة رخيصة الثمن، لا يوجد سوى شخصين فقط يزاولان مهنة الصفار حاليا، أحدهما سيد علي.

ويقتصر عملهما على تصليح أهلّة الجوامع القديمة، والمتاجرة بالأواني النحاسية التراثية وإصلاحها. ويبيعان المقتنيات النحاسية لجامعي "الانتيكات" على نطاق محلي لا يتجاوز حدود المحافظة.

في المقابل، لا يضمن سيد علي إن كان طفلاه الصغيران سيحذوان حذوه في الحفاظ على المهنة، "إلا من باب الوفاء"، يتابع حديثه وهو يشير إلى آنية صنعها والده قبل نصف قرن وطبع عليها اسمه وتاريخ الصنع.

وغير بعيد عن محلّ سيد علي الصغير، يقبع سوق تقليدي مختص ببيع المسامير والمطارق وأدوات الزراعة اليدوية والسلاسل الحديدية. هنا يصارع حدادون من أجل البقاء أمام مدّ تجارة البضائع الكمالية والمنزلية الحديثة الرائجة بكثرة في الموصل.

عمار حسن ذو الأربعين عاما، لم يأخذ عن والده سوى دكان صغير وعدة حدادة بدائية لم يستخدمها قط. أول قرار اتخذه عند وفاة الوالد كان استبدال العطور الفرنسية وأدوات حلق الشعر وتزيين البشرة وغيرها، بدخان الكير وجمره.

يعزو عمار ركوبه الموجة التي تكاد تغير هوية مقر الحدادين القديم بالكامل، إلى عجز المنتجات المحلية عن منافسة المستوردة أو تلك القادمة من إقليم كردستان. "فمن جهة ترتفع أسعار المواد الأولية وأجرة اليد العاملة، ومن جهة أخرى يقل الإقبال على شراء بضاعتنا".

الباحث والنحات طلال صفاوي أحصى في مؤلفه (قيد الطباعة) أكثر من 80 مهنة يدوية اشتهرت بها الموصل معظمها انقرض أو على وشك، ويقول إن "ما بقي منها، لا يتجاوز عدد أصابع اليدين وهي ايضا في طريقها إلى الزوال.. مثلا حرفة الصفارين والحدادين التقليديين وخياطي البسط وبائعي شراب السّوس وأصحاب الحمّامات".

ويضيف الباحث أن وجود بدائل تصدرها الدول المجاورة بأعداد هائلة وتتماشى مع متطلبات الحياة العصرية وبأسعار منافسة، قضى على آمال الحرفيين التقليديين، في حين أن "الدولة لم تبذل جهدا كبيرا في الحفاظ على بعض الحرف ولو من باب سياحي أو ثقافي".

وتلعب السياحة في كثير من الدول دورا داعما في استمرار الاعمال اليدوية ذات الطابع الشعبي والتراثي، لكن "هذا العامل غائب تماما في مدينة الموصل"، يقول الصفاوي، بل إن العديد من الأسواق التراثية أقفلت أبوابها تماما أو في طريقها نحو الإغلاق.

سوق "السرجخانة" مثلا، هو أحد الأسواق التقليدية وسط الموصل، كانت تضم محلات خياطة وحياكة عديدة توظف المئات، لكن اغلبها أغلق بعد عام 2003 وارتحل الكثير من عمالها المهرة إلى مدن عراقية أخرى أو دول مجاورة.

قاسم إبراهيم، خياط بسط وأغطية معروف أمضى سنينا في المهنة، لكنه هاجر إلى اقليم كردستان العراق كأغلب أقرانه بحثا عن ظروف عمل أفضل.

يقول إبراهيم الذي أتى لزيارة أصدقاء له في السوق إن جزءا كبيرا من البسط والأغطية المنزلية المعروضة في اسواق الموصل مستوردة من سوريا، حيث يشتغل في معامها خياطون موصليون كثر.

من جهتها أقرت لجنة الاستثمار والصناعة في مجلس محافظة نينوى وجود قصور حكومي كبير تجاه الحفاظ على الحرف التقليدية أو تلك ذات الطابع الفولوكلوري.

رئيسة اللجنة ثناء المسعودي كشفت لـ"نقاش" تلقيها شكاوى من حرفيين أبلغوها عدم جدوى عملهم، مما جعلها تعدّ مشروعا تعتزم طرحه للتصويت في المجلس، يتضمن منح هؤلاء قروضا ميسرة بلا فوائد مالية، لضمان الاستمرار في عملهم.

الصفّار سيد علي يرى بأن القروض وحدها لن تساعده في الحفاظ على مهنته، بل أن تنشئ الحكومة أيضا أسواق تراثية على غرار الموجودة في اسطنبول أو دمشق، تجمع أبناء المهن التقليدية المهددة بالزوال في مكان واحد.

النشاط الوحيد كما يذكر سيد علي، والذي أقيم دعما للحرف التقليدية، كان قبل ثلاث سنوات، حين أعيد افتتاح متحف التراث الشعبي (تأسس 1967)، بإشراف مؤرخين وباحثين ونحاتين موصليين ضمنوه نماذج لحرف وصناعات تطبيقية وأزياء شعبية كانت موجودة في الموصل وما جاورها منذ مطلع القرن التاسع عشر.

هناك في المتحف لا حراك، أصنام يتقمصون شخصيات حرفية محاطون بأدوات وآلات عمل بدائية.

مراسل "نقاش" وقف برفقة سيد علي، أمام أحد الأجنحة التي تضم المهن المندثرة في المتحف المترامي الأطراف، وتساءل في نفسه:

للوصول الى هنا، كم من الوقت سوف يستغرق الصفار والحداد وبائع السوس.. ليتجمدوا كسابقيهم؟


تم انجاز هذه القصة من خلال برنامج Mentorship وهو مشروع تدريبي للصحفيين الشباب في "أكاديمية الإعلام- العراق"، بالتعاون مع مراسلي موقع "نقاش" في مختلف محافظات العراق.

المدرب الصحفي: صالح الياس
تحرير: ميرفت عدوان

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.