مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

لم يكن فقط أول معرض دولي للكتاب في نينوى..

لافتة تتسلق عمودي إنارة عند تقاطع مروري رئيس دلّت فيصل الجربا إلى مقصده، وفور وصوله تراخت خطاه، جحظت عيناه، سكب فوه دهشة وزعها في المكان مقادير متساوية، قبل أن يعلن بابتسامة عريضة كادت تلد قهقهة رضاه الكبير عن حلم…
12.04.2012  |  الموصل

المساحة، تقارب 600 متر مربع موزعة بين قاعة وسرادق. العنوان: نقابة المهندسين في الموصل، وتبعد 1500 متر فقط عن موقع مكتبة الملك آشور بانيبال، واحدة من أوائل المكتبات التي عرفتها الإنسانية منذ القرن السابع قبل الميلاد، وهو ما عده بعضهم فأل خير.

عضو اللجنة التحضيرية للمعرض نبيل نور الدين بين أن المشروع من بنات أفكار لجنة الثقافة والعلوم في ديوان المحافظة، وقد أقر سريعا، فبدا التخطيط والإعداد لتنفيذه خلال فترة قياسية لم تتعد 75 يوما، "وقتها لم نكن متأكدين تماما من النجاح"، أردف.

ويضيف نور الدين لـ "نقاش"، "اثر اتصالات مكثفة بالناشرين، خمنا ان عدد المشاركين لن يتعدى الأربعين بسبب تخوفهم من المجيء الى الموصل، حتى ان احد الناشرين اللبنانيين قال لي وهو بالكاد وصل المدينة، هل من خطر يهدد حياتي؟ قلت له، كن مطمئنا سترى بنفسك.."

ويتابع، "ما حصل فعلا فاق المتوقع كثيرا، اذ حضرت نحو مئة دار نشر لبنانية وسورية وأردنية ومصرية وخليجية وعراقية".

عرض آلاف الكتب في مساحة صغيرة لا تستوفي الشروط كانت في الأصل مخصصة للأعراس والمناسبات، فضلا عن ضعف الدعاية المرافقة للمعرض، جعلت منه خطوة محفوفا بالمخاطرة.

"جئنا إلى عالم مجهول"، يصف خالد العاني بلكنة لبنانية طاغية، مشاركة مؤسسته "الدار العربية للموسوعات".

"بالرغم من أن أصدقائنا حذرونا من خطورة الوضع الأمني في الموصل، لكننا عقدنا العزم على الحضور، لنحقق مهرجانا ثقافيا كبيرا لنينوى" يتابع قبل انطلاق المعرض بدقائق.

العاني لم يكن المجازف الأكبر، فعلى سبيل المثال، "مركز دراسات الوحدة العربية" (بيروت) و"دار الزمان" (دمشق) و"دار دجلة" (الأردن)، شاركوا بـنحو 1500 عنوان لكل منهم، فضلا عن ان عشرات الناشرين الآخرين لامسوا الرقم 500.

يوم 20 آذار (مارس) 2012 كان موعد الافتتاح، "الاهتمام الرسمي الكبير بهذا الحدث الثقافي لم يطمئن الناشرين، بقدر ما فعل زحام الزائرين الذي بدأ فعليا عقب انتصاف ذلك النهار، واستمر بوتيرة متصاعدة حتى اختتام المعرض"، يذكر مدير إعلام المحافظة واثق الغضنفري وعضو اللجنة التحضيرية أيضا.

الزائر فيصل الجربا (30 عاما) عبر عن رأيه بما يشاهد: "كنا متعطشين لهذا الحدث، مدينتا تفتقر إلى مكتبات ودور نشر كهذه، وجدت كتبا قيمة، لولا المعرض لاضطررت شرائها من بغداد او اربيل"، أوجز كلامه بعجالة، وأعاد دفن نظره في كومة عناوين، كنعامة جائعة.

طيلة أحد عشر يوما ونصف اليوم، استقبلت الأجنحة مرتادين من مختلف الفئات، مثقفون وأكاديميون وطلبة مدارس وجامعات ورجال أمن وعوائل حتى، منهم من يخرج مثقلا بالكتب، وآخرون يكتفون بإشباع فضولهم بمشاهدة حدث فريد في مدينتهم.

الفعاليات التي أقيمت على هامش المعرض، هيأت بحسب كثيرين قابلتهم "نقاش" بيئة مناسبة لإنهاء القطيعة بين المثقفين والفنانين الموصليين وجمهورهم.

الخطاط طالب العزاوي، وجد الفرصة ذهبية للتعريف بأعماله وتوسيع جمهوره طالما انه يقدم فنا حديثا هو الحفر على جلود الحيوانات، "الكثير من الناس تعرفوا عليّ هنا"، يعلق، "كما ان المعارض التشكيلية والفوتوغرافية التي توسطت السرادق ما انفكت تزدحم بحلقات أدباء وفنانين، فيما يشبه منتدى ثقافيا نشطا".

التفاعل بين الناشرين والمؤلفين كان في أعلى مستوياته، وترجم بعشرات العقود التي أبرمت لنشر مؤلفات وأطروحات جامعية جديدة.

خالد العاني الذي أعلن توقيع ثلاثين عقدا، أشار إلى انه سيقرأ المزيد من المخطوطات في سبيل طباعتها، واستدرك دون أن يداري تفاجئه، "وقعنا على خزين كبير من النتاجات الفكرية والأدبية والعلمية".

أما الغريب في الأمر، أن مؤلفات كتاب نينوى كانت للعرض فقط، مع ملاحظة أن جناحهم لم يحظ باهتمام يوازي ما نالته الأجنحة الأخرى. مثلا اللافتات المطبوعة بحرفية لم تجد طريقها اليه، حيث كتب اسم الجناح بخط اليد على وريقات صغيرة تكاد لا ترى.

بوادر نجاح المعرض لاحت مبكرا، عندما انتفخت جيوب الناشرين نهاية اليوم الأول، وتأكدت بقرار اللجنة التحضيرية في التاسع والأخير، تمديده 36 ساعة اخرى، دون ان تعلن دور النشر تخفيضات في الأسعار.

وهنا لابد من الإشارة إلى شكوى معظم الزوار من "غلاء الأسعار"، وهو ما لم يوافق عليه صاحب الزبيدي مدير "دار دجلة" الأردني، فالمواطن الموصلي، وفق اعتقاده، غير معتاد على العناوين والطبعات الجيدة، واغلب المعروض في المدينة إما كتب دينية او مستنسخة.

ثم يورد دليلا يراه مصداقا لكلامه، "إن نسبة الشراء كانت مشجعة جدا خاصة للكتب الأجنبية".

ربما من المناسب هنا فضح السر الذي كشفه احد الناشرين للغضنفري هامسا: "بلغت مبيعاتي 200 ألف دولار".

وبينما ينهمك سراج عثمان صاحب دار "الزمان"، برزم الكتب المتبقية استعدادا للمغادرة، كان رضاه لا يقبل الشك، رغم اعتقاده أن "أغلب أعضاء اللجنة التحضيرية يجهلون كيف ينظمون معرضا دوليا"، يواصل.

وعبر عن انطباع اجمع عليه الناشرون، هو ان "مساهمة المؤسسات العلمية والثقافية كجامعة الموصل كانت خجولة، عكس الأفراد الذين اقبلوا بكثافة".

مراسل "نقاش" طاف على المكتبات المتواضعة في شارع النجفي وسط الموصل، فاعلمه احد أصحابها ويدعى ميسر النجماوي، انه اشترى بمفرده كتبا بخمسة آلاف دولار، أي ضعف الرقم الذي رصدته كلية الآثار لنفس الغرض، علما أنها المنفق الأكبر من بين مؤسسات جامعة الموصل في هذا المعرض.

"لكن الحكومة المحلية على ما يبدو شغلت الفراغ هذا، بقرار تحملها تكاليف إيجار المكان بالكامل، مما جعلنا نشعر بالراحة التامة"، الكلام مجددا لسراج.

40 ألف دولار فقط الميزانية المالية للمعرض، وهي زهيدة قياسا بحجم الحدث ونتائجه الايجابية على الحركة الثقافية في نينوى، كما يذكر واثق الغضنفري مدير إعلام المحافظة.

حتى أن خالد دعيبس مدير جناح "مركز دراسات الوحدة العربية" بدا متيقنا "أن معرض نينوى إذا ما تجاوز المشاكل المتعلقة بالمكان والتنظيم، فانه سوف يصبح منافسا قويا للمعارض المجاورة"، يقول ذلك تعقيبا على ما سمعه من ان موصليين كثر أنفقوا المال الذي يرصدونه سنويا لمعرض اربيل الدولي، هنا في معرض محافظتهم.

مجلس محافظة نينوى وضع في حسبانه بناء مدينة للمعارض الدولية بعد النجاح الذي حققه في معرض الكتاب الأول. أفصح عن ذلك عضو المجلس عصام عايد مشيرا إلى انه سيتبنى طرح المشروع على التصويت قريبا.

ما أن حزم المشاركون أمتعتهم، وتشابكت الأكف تودع بعضها بحميمية، حتى انتهز نبيل نور الدين الفرصة لإكمال الحوار مع صديقه اللبناني، بعدما تُرك معلقا..
- كيف وجدت الموصل؟
- سنقول لمن حذرونا المجيء إلى الموصل "كنتم مخطئين".

وضع اللبناني حقائبه في السيارة قافلا إلى دياره، بعدما اكد انه سوف يعود العام المقبل للمشاركة في المعرض. مثله فعل الناشرون الآخرون.


نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.