مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

«أريد أن أرى جثة أخي»
قصة مفقودي الحرب الاهلية في كردستان

فرمان عبد الرحمن
كل ما يعرفه فريدون عن أبيه حاتم هو ما يراه في الصورة التي يحملها معه باستمرار، والتي يظهر الوالد فيها شابا وسيما بملابس سوداء.فريدون البالغ من العمر 15 عاما، فقد والده وهو في الشهر الرابع من عمره، تحديدا في شهر…
23.02.2012  |  أربيل

منذ ذلك الحين لحد الآن. لا احد يعلم مصيره، هل مازال حيا او قتل في مكان ما.

والد فريدون هو أحد مفقودي الحرب الدموية التي اندلعت في كردستان العراق بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني، والتي بدأت أولى شراراتها في أيار (مايو) 1994 لتستمر أربع سنوات. وان كانت اتفاقية "واشنطن" كفيلة بإنهاءها عام 1998، إلا أن آثارها مازالت مستمرة لحد اليوم.

وبحسب مراقبين وشخصيات عايشت تلك الحرب، فإن الطرفين قاما بإدارتها دون اعتبار للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. فاعتقلا المئات من بعضهما البعض، ليختفي أثرهم تماما.

ويأتي ملف المفقودين والبحث عن مصيرهم اليوم، كأحد أعقد المشكلات التي خلفتها الحرب الاهلية التي راح ضحيتها آلاف من سكان الاقليم. إذ لم يحظ أولئك بمحاكمات علنية يوم اعتقالهم ولم يعثر على جثثهم أو مقابرهم، بالرغم من مرور اكثر من 14 عاما على انتهاء الحرب.

وبحسب تقارير لدى منظمة "كوردوسايد"، المحلية المختصة بمراقبة الانتهاكات بحق المواطنين الأكراد، فإن عمليات الاعتقال من قبل الطرفين المتنازعين استمرت لحد عام 2000، أي حتى بعد عامين من انتهاء الاقتتال فيما بينهما.

وجاء الاعلان عن وقف اطلاق النار بين الحزبين خلال اتفاقية برعاية أمريكية في واشنطن لتسمى حينها "اتفاقية واشنطن".

ويطالب عوائل المفقودين بمعرفة مصير ابنائهم. وتظاهروا للمرة الثالثة في شهر تموز (يوليو) 2010 أمام البرلمان الكردستاني في اربيل مطالبين رئاستها بالضغط على الحزبين للكشف عن خفايا هذا الملف.

السيدة كولالة اسماعيل، لم تخلع ملابس الحداد السوداء طوال الـ17 عاما الماضية، أي منذ أن اعتقل شقيقها على يد قوات الاتحاد الوطني الكردستاني ليبقى مفقودا لحد الآن.

وخلال رحلة البحث الطويلة، تقول كولالة لـ "نقاش" بصوت يخنقه البكاء "نذهب الى الاتحاد الوطني يقولون لنا اذهبوا الى الحزب الديمقراطي.. نذهب الى الديمقراطي فيقولون اذهبوا الى الاتحاد.. اين نذهب؟".

ولا توجد إحصاءات رسمية عن أعداد المفقودين، فالتقديرات المتوفرة جمعت من خلال جهود فردية.

وبحسب تقرير لجنة حقوق الانسان في البرلمان الكردي، يناهز عددهم 120 شخصا، ويبلغ العدد لدى منظمة كوردوسايد 200 شخص، بينما يرتفع لدى بعض المصادر الغير رسمية الى 850.

فرمان طه يعمل الان كناشط مدني للدفاع والبحث عن حقوق ومصير المفقودين بعد ان فقد عمه إبان الحرب الداخلية. يقول فرمان "العدد غير مهم، المهم ان هناك اباءً فارقوا الحياة وهم بانتظار معرفة مصير ابنائهم.. هناك اطفال كبروا دون ان يعلموا من هو ابوهم او كيف كان.. هناك اناس يتالمون منذ 14 عاما او حتى اكثر".

وكان الحزبان الكرديان وقعا "الاتفاقية الاستراتيجية" عام 2007 دون ان يتم الكشف عن تفاصيلها، وتم من خلالها تقاسم السلطة والموارد فيما بينهما. تلك الاتفاقية، حسب مراقبين، كفيلة بغلق ملف المفقودين بعدما اتفق القادة على ادارة الاقليم وتوزيع المناصب بالتساوي فيما بينهما.

ومع ظهور المعارضة في البرلمان الكردستاني لاول مرة عام 2009، عاد الملف الى السطح مجددا. فأعدت مجموعة من أعضاء البرلمان مسودة قانون لمحاسبة المسؤولين والمتورطين في الحرب الاهلية وكان جزءا منها متعلق بمصير المفقودين. لكن من الواضح ان قانونا كهذا لن يرى النور في برلمان يسيطر عليه الحزبين الرئيسيين وهما المتورطان الرئيسيان في الحرب الداخلية.

ولحد الان لم يعلن بشكل رسمي عن مصير المفقودين، حتى ان وزارة الشهداء والمؤنفلين في حكومة الاقليم لا تعطي معلومات واضحة عن الموضوع بالرغم من أنها صاحبة الاختصاص. ولكي يعتبر المفقود "شهيدا" لدى الوزارة يحتاج الى وثيقة وفاة، الأهالي لا يملكونها.

ويقول مصدر من الوزارة رفض الكشف عن اسمه لـ"نقاش": "بالرغم من عدم اعلان موت المفقودين، الا ان الحزبين يصرفون رواتب شهداء لذوي المفقودين دون ان الاعلان عن استشهادهم في الحرب الداخلية".

وحاولت "نقاش" الاتصال بعدد من المسؤولين من الحزبين الرئيسيين لمعرفة مصير المفقودين، جوبهت جميعا الرفض. بل ورفض أي منهم ذكر حتى أسمائهم، لكن بعضهم أشار إلى أن المفقودين ليسوا على قيد الحياة.

ومن الواضح ان اجابات خجولة من هذا النوع لا تفي بالغرض بالنسبة لعوائل المفقودين، فحتى لو اعلن بشكل رسمي انهم "شهداء الحرب الداخلية"، سيكون هناك العديد من الاسئلة الاخرى.

وتقول كولالة، "لو كان شقيقي شهيدا فأين وكيف قتل؟ من امر بقتله؟ هل تمت محاكمته؟ اين جثته؟ هل له قبر؟"، وفوق كل هذا "من هو الذي سيعلمني بشكل رسمي ان شقيقي ليس حيا؟".

ومع ان جميع التكهنات والاحتمالات تقول ان المفقودين فارقوا الحياة من زمن، بل يمكن ان يكونوا قد قتلوا بعد اعتقالهم مباشرة، الا ان ظهور احد المفقودين بعد ثمانية اعوام ونصف يعيد الامل الى الاهالي ولو كان املا ضعيفا بان يكون ابناءهم مازالوا على قيد الحياة.

فبعد البقاء في سجن انفرادي لمدة ثمانية سنوات ونصف، عاد اميد رسول يوم 5 تشرين الاول (أوكتوبر) 2008 الى أهله في قضاء قلعة دزة بمحافظة السليمانية بجسد مترهل ونفسية محطمة، بعد ان قام اهله باجراء مراسم وفاة له مرتين خلال الاعوام الماضية.

اميد أحد مقاتلي بيشمركة الاتحاد الوطني كان قد اعتقل عام 2000، وسيق الى اربيل ليبقى في زنزانة انفرادية طوال مدة احتجازه لدى اجهزة المخابرات التابعة لحزب البارزاني.

ويقول اميد الذي لم يستطع التعرف على اهله عند عودته "عشت ثماني سنوات من عمري دون ان ارى نور الشمس.. خلعوا اسناني، صعقوني بالكهرباء، اعتدوا علي جسديا...".

مهما كان وضع اميد، الا ان حالته تعيد الامل ولو لبعض الاهالي، كما تكشف الستار عن ملف آخر لطالما حاول المسؤولون الأكراد تجنب الحديث عنه، وهو ملف السجون السرية في اقليم كردستان.

تؤكد التقارير الدولية المتعلقة بحقوق الانسان، خصوصا ذاك الذي صدر عن منطمة العفو الدولية عام 2008 تحت اسم "الامل والخوف.. حقوق الانسان في كردستان العراق" بان هناك سجون سرية في الاقليم، بينما تنكر وتكذب السلطات تلك المعلومات.

في هذا الصدد تقول فيان عبدالرحيم، عضوة البرلمان الكردستاني عن قائمة "التغيير" المعارضة لـ"نقاش": "ان لم تكن هناك سجون سرية، فاين ياترى هم المفقودون؟ قمنا بزيارة جميع السجون المسجلة ولم نجد اي اثر لهم".

مهما كانت الحقائق، وان كانت هناك سجون سرية أم لا، تبقى مطالب اهالي المفقودين "بسيطة" كما تقول كوردة عمر التي فقدت شقيقها قبل 16 عاما.
"ان كانوا احياء اعيدوهم لنا وان كانوا أمواتا احترموا مشاعرنا وجثث أحبتنا، وليكن لأخي قبر استطيع زيارته في يوم اعتقاله من كل عام".

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.