مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

من القبر إلى الفقر
قصة الرجل الذي عاش في حفرة تحت الأرض لاثنين وعشرين عاماً

محمد الزيدي
قد يتفاجأ المرؤ للوهلة الأولى وهو يجلس أمام رجل في الخمسين من عمره، قضى أكثر من عشرين منها في قبوٍ لا يزيد عرضه عن نصف متر وطوله عن مترين. هذا الرجل يتحدث عن نفسه بصلابة وكأن شيئا لم يحدث. ذاكرته تحتفظ بمئات…
16.02.2012  |  واسط


حين بدأ جواد الشمري نشاطه السياسي المعارض ضد النظام العراقي السابق، كان شارباه بالكاد قد بزغا، وكانت البلاد بالكامل تحت قبضة صدّام، على مشارف حرب سيطول أمدها مع إيران.

في العام 1979، الحافل بالتوترات، ونتيجة عمله المعارض وانتمائه لخط السيد محمد باقر الصدر مؤسس حزب الدعوة الإسلامية، صدر بحقه من المحاكم العراقية حكم غيابي بالإعدام.

ترك الشاب دراسته التي كان قد بدأها للتو في كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة بغداد، وقرر التواري عن الأنظار والعودة إلى داره في قرية نائية جنوب شرق الكوت.

هناك، كان لديه متسع قليل من الوقت للإفلات من حبل المشنقة. السفر برا عبر خطوط التهريب المعتادة نحو الشمال الكردي أو إلى إيران يتطلب نفقات لم يكن بوسع العائلة تحمّلها. التخفي لدى الأقارب ليس مضمون النتائج وسيكتشف رجال الأمن مكان تواجده اليوم أو غدا.

أخيرا، وبعد أكثر من سنة من التخفي، قرر الشاب حفر حجرة صغيرة تحت الأرض بمعيّة والدته، ليعيش فيها أكثر من اثنين وعشرين عاما.

يقول جواد الشمري، "الأجهزة الأمنية جندت كل شي لمتابعة تحركاتي بما في ذلك نسوة الحي الذي أسكن فيه، لكن إرادة الخالق العظيم أرادت أن تكتب لي الحياة".

يصمت ويستدرك: "الحياة تحت الأرض".

في تلك السنوات السوداء، أصدر نظام صدام العديد من أحكام الإعدام بحق المعارضين السياسيين والمنتمين للأحزاب الدينية. وتظهر أشرطة صوتية عثر عليها في مقر مديرية الأمن السابق رجال أمن عراقيين وهم يعدمون سجناء عراقيين بالمتفجرات.

يظهر المعتقلون معصوبي العيون ويعدمون بعد أن توضع في جيوبهم عبوات ناسفة ثم ينزلون إلى حفرة كبيرة، أكبر بكثير من حجرة جواد، ويتم تفجيرهم فيها أحياء لتختلط أشلاؤهم ودماؤهم بالتراب والشظايا والبارود.

وبينا كانت أصوات القصف والقنابل والصراخ والأناشيد الحربية تختلط في كل مكان، كان جواد، وطوال فترة الحرب الإيرانية- العراقية يعيش مع مذياعه الصغير في عالمه الخاص. كان وحيدا، يؤنسه صوت مذيعة نشرة أخبار (بي بي سي العربية)، فحتى أمه وأخوته لم يكونوا يجرؤون على زيارته إلى قليلا كي لا يفتضح أمره. كان يخرج في الليل لساعات قليلة من غرفة المظلمة إلى الظلام الأوسع.

"لم أكن أتوقع أنني سأظهر مجدداً وأمارس حياتي بشكل طبيعي. أحيانا كنت أظن نفسي ميتا. فكل شيء بدا سوداويا. كنت أسلي نفسي طيلة هذه الفترة بالصلاة وقراءة القران والاستماع إلى المذياع عبر لاقطات صوتية وضعتها بإذني خشية انكشاف أمري، فيما أقضي بعضا من الوقت بتحضير طعامي الذي لا يحتاج بالغالب إلى كثير من الوقت"، يقول.

يتألف القبو الذي عاش فيه الرجل من سجادة متهرئة وحصيرة لونهما من لون الأرض، وتتوزع حولها أغراض متواضعة. أواني طبخ بسيطة ومذياع ونسخة من القران الكريم وقنينة غاز صغيرة.

ويتابع الشمري "وضعت لي أمي أنبوبا بلاستيكيا يمتد إلى الخارج واخفت نافذته الخارجية، استنشق من خلاله هواء نقيا وهو كان عاملا مساعدا لي على البقاء فترة أطول".

السجين الفريد من نوعه، عايش لحظات مؤلمة وظروفا معيشية صعبة لازلت ذاكرته تحتفظ بها. أقساها حسب قوله، عند تنفيذ عقوبة الإعدام بحق أخيه الذي يعمل موظفا حكوميا دون أن يتمكن من حضور مراسم العزاء التي كانت العائلة تجريها بشكل سري. وفي السنوات الأخيرة من محبسه اكتملت مأساة العائلة بإصابة والدته بمرض عضال اثر سلبا على تمكنها من إيصال مؤونة العيش إليه بشكل دوري.

كان يعيش "بفضل الرضا" كما يقول، "فالموت المتربص بي وبأهلي كان يمنحني شعورا بالتضحية في سبيل الخلاص من الظالمين".

وبعد محاولات "نقاش" المتكررة إجراء مقابلة مقتضبة مع والدة الرجل قالت إنها تحاول نسيان تلك المرحلة. وأردفت بصوت ضعيف، "قاسيت أنواعا من المعاناة من أجل المحافظة على ولدي لم تقاسها أمّ". مبينة بان" الإجابة على محاولات استفسار الأهل والأقرباء عن مصير ولدي هو ما أرهقني بشكل كبير".

أما الجزء الذي لا ترغب المرأة الطاعنة في السن في الحديث عنه، فكان تلك التحقيقات التي أجريت معها سواء عن طريق استدعائها، أو التجسس على حياتها. وتقول "لم يبقٍ منتسبو الأمن والمخابرات نوعا من التحقيق إلا وأخضعوني إليه. حاولوا تجنيد كل ما يحيط بي من جيران وحتى الأقارب لمحاولة جمع معلومات تتعلق بوجود ولدي من خلالي".

من جهته يقول حامد وهو ابن عم للشمري انه لم يصدق حتى الآن كيف تمكن جواد من العيش طيلة هذه الفترة في هذا القبو الذي لا يزيد عرضه على نص متر. مضيفا بأنه يؤمن بان تجربته لا تخلو من "توفيق رباني" بحسب وصفه.

ويردف: "أنا أحد الأشخاص الذي كنت اعتقد أن ابن عمي ألقي القبض عليه واعدم واختفت جثته كما اختفت جثث الآلاف من المعارضين".

بعد سقوط نظام البعث عام 2003، خرج الشمري إلى الضوء. وكان أول ما فعله أن بنى غرفة للضيافة تحيط بالحجرة، بحيث يتعرف كل زائريه على التجربة المريرة التي قاسها.

ويوضح علي صادق (35) عاما وهو أحد جيران الشمري بأنه حاول متقصداً النزول إلى الحجرة ومحاولة المكوث فيها لمدة نصف ساعة. "لم أتمكن البتة من البقاء أكثر من دقائق معدودة بسب ضيق المكان وارتفاع درجات الحرارة الذي جعلني في غاية الدهشة والاستغراب من صبر هذا الرجل".

ورغم الحرية التي يختبرها اليوم، إلا أن نهاية قصة الشمري لا تبدو سعيدة على الإطلاق.

فالرجل ومنذ خروجه من السرداب لم يحظ بالدعم والرعاية اللازمين من قبل من يسميهم "رجال السلطة الحالية" من رفاق الدرب والمصنفين ضمن خطه السياسي نفسه.

في العام 2005 إبان حكومة الجعفري التقى أحد المسؤولين الكبار في الحكومة وشرح له وضعه. "أعطاني خمسة ملايين دينار (نحو 4000 دولار امريكي)، وكان تلك آخر مساعدة تلقيتها، وبفضلها تمكنت من الزواج"، يقول.

وقد حاول الرجل الحصول على وظيفة منذ ست سنوات، بمساعدة أحد المسؤولين في وزارة الهجرة والمهجرين إلا أن أوراقه رفضت في نهاية المطاف. لماذا؟ "لأن الحكومة لا تعترف بي كسجين سياسي"، يجيب. فلكي يحصل على تعويض أو وظيفة يحتاج إلى ما يثبت أنه سجن، وليس بمقدور والدته منحه هكذا ورقة.

وبحسب علي صادق، فان أهالي القرية الذي يسكن فيها وأهالي عشيرته يقدمون له العون الذي يساعده على الاستمرار في الحياة. ويقول "من المضحك المبكي أن الرجل لم يحصل إلى الآن على فرصة عمل تلائم تضحيته".

وبينما يتحدث، يستمع جواد إلى كلام زائره ويبلع غصة في الحلق. سرعان ما يغير الموضوع ويعود إلى روي قصة طريفه حدثت معه أثناء فترة التخفي:

"ذات يوم حاولت الخروج من السرداب ليلا للراحة وصادف خروج أحد أبناء أخوتي الذي لم يبلغ من العمر سوى أربع سنوات. لم يكن من هذا الطفل بعد أن شاهدني وقد احدودب ظهري وطالت لحيتي، إلا أن سقط مغشيا عليه، الأمر الذي اضطر العائلة فيما بعد إلى إقناع الطفل بأن الرجل الذي رآه لم يكن بشريا..كان من الجان".