مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

المسلسلات التركية «بريئة» من قصص انتحار النساء في سنجار، وبعض الحالات قد تكون «جرائم شرف»

عبد المهيمن باسل
عمل فريال كخياطة لم يُمكِنها من تلبية حاجات أسرتها الكبيرة، ولا حتى التخفيف عن حِمل أبيها المُقعد، فأقدمت على الإنتحار حرقاً في باحة المنزل الطيني قرب سنجار، وسط ذهول وعجز ذويها.أكثر من خمسين حادثة انتحار مماثلة…
10.01.2012  |  الموصل

وبحسب مصادر "نقاش" فإن نسبة 90% من المُقدِمين على الانتحار هُنَّ من النساء. وأن أعمارهن تراوح بين 16 و30 عاما، حيث استخدمن وسائل مختلفة للإنتحار من بينها الأسلحة النارية والحرق والشنق.

فتاة إيزيدية أخرى تدعى شامة شمو مراد، كانت تذاكر دروسها في مطلع كانون الثاني (يناير) الماضي في منزلها الصغير في مجمع تل قصب لحظة أن دفعها شيء ما إلى التوقف وإطلاق النار على نفسها من بندقية كلاشنكوف كانت مخبأة في إحدى غرف المنزل، ولم تترك أية رسالة توضح فيها سبب إقدامها على الإنتحار بتلك الطريقة المُفاجِئة.

الظروف التي عاشتها شامة تختلف كليا عن تلك التي كانت تحيط بفريال، فهي فتاة طموحة كانت تدرس بجد وتعدّ الأيام للحصول على شهادة الإعدادية ودخول الجامعة التي لا يفصلها عنها سوى عام دراسي واحد.

"رغم الفقر الذي كنا نعيش فيه ، لكنها لم تواجه أية ضغوط منزلية" هذا ما قاله والدها بحزن. غير أن شقيقتها الأصغر سناً، قالت بشيء من التوتر أن شامة "لم تكن في وضع نفسي جيد في الأسبوع الأخير من حياتها".

حوادث الإنتحار باتت ظاهرة شائعة بين الشباب وغالبيتها تقع في ظروف غامضة، لاسيما في قضاء سنجار الذي يقطنه نحو 270 ألف نسمة معظمهم من الإيزيديين، حيث يمثلون نسبة 8.7% من مجمل سكان محافظة نينوى.

نزار شاب في العقد الثاني ويعيش في مجمع خان صور، وهو ضحية أخرى من ضحايا الإنتحار، إذ لجأ إلى إطلاق النار على نفسه بواسطة مسدس صغير قبل ساعات قليلة من بدء حقل زفافه الذي كان سَيُقام في شباط (فبراير) الماضي.

أصدقاء نزار المقربين يصرون على أنه أقدم على وضع حد لحياته احتجاجا على زواجه بفتاة لا يحبها، راضخا للتقاليد الصارمة التي يلتزم بها أهله، غير أن والده خضر ينفي ذلك بشدة، ويقول إن عدم تمكن ولده من مواصلة دراسته التي كان متفوقاً فيها وتركه للمدرسة في وقت مبكر، هو ما دفعه إلى الإنتحار.

وفي سنجار أيضاً، هناك قصص لناجين من محاولات إنتحار فشل القائمون بتنفيذها من إنهاء حياتهم لأسباب مختلفة من بينها اكتشاف الأمر من قبل ذويهم بشكل مبكر.

فآثار الحبل الذي لفته هناء قبل شهور ما زالت واضحة على رقبتها، وروت صديقتها لـ "نقاش" كيف أن أخوتها أنقذوها من موت محقق بعد لحظات من تدليها مربوطة العنق على حبل علقته في سقف البيت.

هناء لم تتجاوز الثامنة عشر من عمرها وتعمل في بيع البصل على قارعة الطريق، وما زالت تهدد ذويها بأنها ستقدم على الإنتحار مرة أخرى، "لأن لا شيء يجعلها تتمسك بالحياة في ظل الفقر المدقع والظلم الأُسري الذي تعانيه"، تقول صديقتها المقربة.

وعلى بعد عشرات الأمتار فقط من منزل هناء في مجمعات الإيزدية المتراصفة خلف جبل سنجار، تجلس خاتون وهي سيدة ثلاثينية عاجزة عن المشي، عقب إنقاذ حياتها من الموت. خاتون كانت أضرمت النار في نفسها، إثر تلقيها نبأ مقتل أخيها على أيدي إرهابيين في مدينة الموصل في 15 من آذار (مارس) الماضي.

"الفقر والظروف الاجتماعية الصعبة هي المسبب الرئيس في معظم تلك الحالات" يؤكد وعد حمو مطو، رئيس حزب التقدم الايزيدي، وهو أحد الأحزاب الناشطة سياسيا في سنجار.

ويشير مطو إلى أن نسبة البطالة في هذه المناطق الجبلية تصل إلى 80 % وأن الوظيفة الوحيدة المتاحة أمام الشباب هو الانخراط في الأجهزة الأمنية، وهو عمل محفوف بالمخاطر.

وتعيش قرى ومجمعات الأيزيدين في قضاء سنجار في حالة من العزلة عن محيطها ويتجنب السكان دخول مدينة الموصل منذ سنوات بعدما تعرضت له طائفتهم من عمليات استهداف مباشرة من قبل مسلحين متشددين .

وتحتفظ ذاكرة الأهالي بمآسي عديدة، فهم مستهدفون بالتصفية والقتل والسيارات المفخخة والأعمال المسلحة، وكان أكبر استهداف تعرضوا إليه في العام 2007 حين قتل وجرح نحو 1300 إيزيدي بعدما فجر أربعة انتحاريين شاحناتهم في مناطق مكتظة بالسكان.

وينفي رئيس الحزب التقدمي الإيزيدي التقارير التي تناولتها وسائل الإعلام بكثرة حول لجوء شباب وشابات القضاء إلى الإنتحار متأثرين بالمسلسلات التركية المدبلجة إلى العربية.

وأكد أن معظم العوائل المنكوبة في حوادث انتحار أبنائها لا تملك اجهزة تلفزيون أو صحنا لاقطا في منازلها بسبب الفقر الشديد وهو ما يولِّد شعورا بالنقص لدى الشباب.

حسو خديده، موظف حكومي في سنجار يقول إن "الفقر ليس هو الدافع الدائم لحالات الإنتحار، ولا جميع الحالات هي انتحار فعلي، بل إن بعضها جرائم مرتكبة بتخطيط مسبق".

ويوضح حسو بأن التركيبة الاجتماعية للأيزيدين توفر الكثير من الضغط على الشباب والفتيات على حد سواء.

فأتباع هذه الديانة القديمة – والكلام لحسّو– يعيشون معزولين في تجمعات سكانية تمنع الزواج من المكونات والأديان الأخرى، بل حتى بين الطبقات الاجتماعية للأيزيدين، فضلا عن السلطة الذكورية التي تمارس ضغطاً كبيراً على الأسرة قد يصل إلى إزهاق الروح. وقال حسو: إن "الكثير من الحالات التي نسمع عنها هي جرائم غسل للعار تحت غطاء الإنتحار".

وطبقا لحسو فإن العائلات تخفي تلك الجرائم بحجة الإنتحار لحفظ ماء الوجه أمام أهل القرية أو البلدة، كما أن ضعف الأجهزة الأمنية يقف عائقا أمام كشف تلك الجرائم. ويقول "لو تم التحقيق في الكثير من حوادث الإنتحار فسيتضح أنها جرائم جنائية مثلما حدث مع الفتاة دعاء التي قُتلت قبل سنوات لزواجها من رجل مسلم".

مواقع الكترونية وقنوات تلفزيونية عالمية بثت في عام 2007 مقطع فيديو شهيرا يظهر مئات الشبان والرجال وهم يرمون فتاة إيزيدية بالحجارة بعد تجريدها من ملابسها حتى فارقت الحياة بسبب هروبها مع رجل مسلم والزواج به دون موافقة عائلتها.

وأكد حسو بأن المنطقة شهدت خلال السنوات التي سبقت عام 2003، أي في ظل نظام الدولة الصارم الكثير من حالات هروب الفتيات والزواج بشبان من ديانات أخرى غير الإيزيدية وهو سلوك مُحرم عليهن بحسب تقاليد الطائفة. لكن وبسبب القوانين الصارمة آنذاك كان الأهالي يترددون في الإقدام على إنزال الأذى بالفتيات.

وفي أعقاب سقوط النظام السابق كان جهاز الشرطة ضعيفاً فشاعت ظاهرة قتل الفتيات غسلاً للعار ولكن بعد بدء عمليات أم الربيعين العسكرية ضد المسلحين المتشددين في نينوى في شهر أيار (مايو) 2008، عادت للأجهزة الأمنية فعاليتها، حتى أن أحد قتلة دعاء وهو ابن خال لها مَثل أمام محكمة الجنايات في مدينة الموصل ونال عقوبته طبقا للقانون.

ويقول حسو "منذ ذلك الحين بات بعض الأهالي يلجؤون إلى تلفيق قصص الإنتحار لتغطية جريمتهم وتجنب المساءلة القانونية".

المجتمع الإيزيدي بكل تفصيلاته وطبقاته الإجتماعية والدينية يرفض فكرة الانتحار، لكن الشباب يقدمون عليه كنوع من التمرد على عائلاتهم، أما إذا كان حسو دقيقاً في كلامه فإن الكثير مما يحدث تحت غطاء الإنتحارهو جرائم قتل يتوجب على السلطات القانونية ان تتحرك للتحقيق فيها والقبض على الجناة.

ويؤكد المحامي سليمان عطو المختص في قضايا الجنايات أنه غالبا ما يكون هناك شهادات من ذوي المنتحر أو الجيران، تؤكد أن حالات الإنتحار التي وقعت في سنجار هي مفتعلة، وحتى بوجود مؤشرات على أن الأمر برمته ملفق، وأن المنتحر المفترض كان مجرد ضحية انتقام لغسل عار أو ما شابه حيث يتم تغييب الأدلة فلا تخضع الجثة للتشريح ولا تُجرى أية تحقيقات.

وكل ما يحدث بحسب المحامي هو "دفن الجثة على عجل، وتقَبُل العزاء في مَن كَسَبَ صفة منتحر، وينتهي كل شيء".

ومن غير أن ينفي امكانية حصول جرائم "شرف" تحت غطاء الإنتحار، يرى وعد إبراهيم الأستاذ في كلية الآداب في قسم العلوم الاجتماعية بجامعة الموصل أن أساس الانتحار في سنجار هو الظروف الصعبة التي يعاني منها المواطن، "فالمجتمع القروي هناك ينظر الى المرأة نظرة متدنية من الجوانب الإجتماعية والثقافية، ما يولد ضغطا على النساء والنتيجة إن اغلب حالات الإنتحار التي نسمع عنها أبطالها نساء".

ونبه ابراهيم إلى أن هناك عبارات معينة تتداولها النسوة في معظم المناطق الريفية في نينوى يهددن فيها عائلاتهن مثل: "إذا لم تتحسن معاملتكم معي أو تعطوني حريتي فسأقوم بقتل نفسي، أو احرق نفسي، أو اشنق نفسي". وهذا التهديد يتحول إلى واقع في بعض الأحيان.

الباحث الإجتماعي شكك هو الآخر في أن يكون للمسلسلات التركية دور في تزايد حالات الإنتحار في سنجار كما يتداولها الإعلام، ولكنه لم يستبعد أن يجري الشباب مقارنات بين المجتمعات المرفّهة التي تعرضها تلك المسلسلات مع المجتمع الذي يعيشون فيه، مما يولد لديهم نوعاً من الإحباط.

الجانب المؤلم في القصص المتداولة عن النساء المُنتحرات فعلا او المُنتحرات في الظاهر واللواتي تعرضن للقتل من قبل ذويهن في حقيقة الأمر، أنهن بعد موتهن يذهبن بصمت غير مأسوف عليهن، فالمنتحرة تبقى بالنسبة لأقربائها خارجة عن السلطة الأسرية والمقتولة نقطة عار لا تُمحى حتى بالقتل.



تم انجاز هذه القصة من خلال برنامج Mentorship وهو مشروع تدريبي للصحفيين الشباب في "أكاديمية الإعلام- العراق"، بالتعاون مع مراسلي موقع "نقاش" في مختلف محافظات العراق.

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.