مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

العيش تحت غمامة من الدخان

عباس سرحان
في أحد معامل الطابوق العراقية شمال شرق مدينة كربلاء، يغرق الطفل إبراهيم ذو السنتين في نوبة من السعال. عائلة ابراهيم تسكن بمحاذاة المعمل، ووالداه يعملان على إنتاج قطع الطابوق المستخدمة في البناء، في عملية يقول…
15.07.2010  |  كربلاء

ويعاني إبراهيم من ضيق في التنفس بالإضافة إلى نوبات سعال متكررة، وتقول والدته ليلى خليل، إنها مجبرة على اصطحابه إلى المعمل لعدم وجود مكان تتركه فيه خلال ساعات عملها.

هذه الأسرة هي واحدة من حوالي 20 عائلة تقطن على بعد 300 – 400 متر من معامل الطابوق المنتشرة على أطراف مدينة كربلاء، جنوب شرق العاصمة بغداد، ويعمل جل أفرادها بمن فيهم أطفال في تلك المصانع.

ويصنع الطابوق بخلط أنواع من الطين أو الصلصال مع الرمل والماء، ومن ثم يوضع في قوالب ويتم حرقه في أفران تعمل على النفط الأسود الثقيل، الذي ينتج عن احتراقه غازات ملوثة منها أول أكسيد الكربون، ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت.

ولا توجد ساعات عمل محددة بالنسبة ليلى خليل أو زوجها، بل تعمل هذه العائلات "لأطول فترة ممكنة خلال النهار من أجل انجاز أكبر عدد من قطع الطابوق".

ويحصل الفرد أو مجموعة الأفراد العاملين في المصانع على 30 ألف دينار عراقي (حوالي 25 دولاراً أميركياً) عن كل ألف طابوقة يتم انجازها، فيما يصل سعر الألف طابوقة في السوق بعد خروجها من معمل الطابوق إلى 170 دولاراً.

"من الطبيعي أن غازات الكاربون هي ما يتخلف عن أية عملية احتراق، واستنشاق هذه الغازات أو التعرض لدقائق الكربون يؤدي إلى مشاكل في جهاز التنفس لدى الإنسان"، يقول الطبيب عادل محيي حسين، نائب مدير مديرية صحة كربلاء.

ويوضح الطبيب إن النسبة الطبيعية لغاز أول أكسيد الكربون في جسم الإنسان هي (0.08% -0.3 %)، وأعلى تركيز يمكن لجسم الإنسان احتماله من هذا الغاز هو (0.5) ملغم/ م3، مشيراً إلى أن زيادة هذه النسبة تلحق “ضرراً بالغاً” بالجهاز التنفسي وتعيق عملية امتصاص الأكسجين، ومن أعراض ذلك صعوبة التنفس والسعال "كتلك التي يعاني منها الطفل إبراهيم".

عبد الحسين عامل آخر قدم وأسرته من محافظة القادسية للعمل في هذا المكان بعد أن يئس من إيجاد عمل في مدينته الأصلية. يقول لموقع "نقاش" إن "العاملين في مصانع الطابوق يعانون من انتشار الدخان باستمرار، فضلا عن الافتقار إلى الماء الصالح للشرب". و"ما يزيد الطين بلة" حسب ما قول العاملين، أنهم مضطرون لشرب مياه ملوثة من جدول زراعي محاذ لبيوتهم.

أحمد عبد الرزاق، أحد العاملين هناك قال إن "من بين أن من بين الأسر من لا يمكنه شراء الماء المنقى طوال الوقت لأنه يشكل عبئا ماديا إضافيا".

ولا تتوفر لدى الدوائر المعنية بالصحة والبيئة في كربلاء أرقام دقيقة حول نسب التلوث في الماء أو الهواء الناتج عن معامل الطابوق، غير أن مدير مديرية البيئة في كربلاء المهندس حيدر فؤاد أكد أن ما تنفثه معامل الطابوق من غازات سامة وملوثة للبيئة يجعلها “في قائمة مصادر التلوث في المحافظة”.

وأضاف أن "هذه المعامل تستخدم النفط الأسود الثقيل الذي يخلف غازات كثيفة عند احتراقه، وتطلق معامل الطابوق الدخان عدة ساعات يوميا في كل مرة تقوم بعملية الحرق".

ويعود تاريخ تشييد الكثير من معامل الطابوق في العراق إلى سبعينيات القرن الماضي. ولا تتجاوز مساحة الحجرة الواحدة في المعمل 20 مترا مربعا، ويحتوي كل منها على مدخنة ترتفع لأمتار. ويجمع الطابوق قبل حرقه في هذه الحجرات لغرض تخليصه من الشوائب، ومن ثم يوضع في الأفران ليكون أقوى وأكثر قدرة على مواجهة مختلف الظروف المناخية.

ولا تتوفر هذه الورشات البدائية على منافذ تهوية نظامية، ولها منتقديها من المسؤولين والنشطاء في مجال البيئة وحقوق الإنسان.

المهندس حيدر فؤاد أوضح أن أهم الغازات التي تنبعث جراء استخدام النفط الأسود في معامل الطابوق، هي غاز ثاني اوكسيد الكبريت، الذي يؤدي وجوده في الجو بكميات كبيرة الى ما يعرف بالأمطار الحامضية، بعد تفاعله مع بخار الماء.

بعض الدراسات الميدانية، وفقا للمهندس، أثبتت أن معامل الطابوق القديمة تبعث غاز ثاني اوكسيد الكربون الى الهواء أكثر بأربعة أضعاف معدلات الانبعاث المسموح بها دوليا، حيث يبلغ المعدل اليومي المسموح به في اماكن العمل وفق المعدلات القياسية الأمريكية-0.1 ملغم/ لتر.

وأشار فؤاد أن "عشرات الأسر تعيش بالقرب من هذه المعامل أو تعمل فيها وتدخل في الحجرات الخاصة بإحراق الطابوق يوميا، ولذلك أضراره الصحية".

من جهتها وجهت رئيسة لجنة حقوق الإنسان في مجلس محافظة كربلاء بشرى حسن عاشور انتقادات حادة إلى مشغّلي الأطفال في مصانع الطابوق، إذ تتراوح أعمار الأطفال العاملين هناك بين 10 – 13 عاما.ويمنع قانون العمل العراقي من هم دون الثامنة عشرة من العمر من ممارسة العمل، فضلا عن فرض قيود على دخولهم إلى أماكن العمل التي فيها خطورة على صحتهم.

“هناك العشرات من الصغار يعملون في تلك المعامل وهناك أطفال يرافقون أسرهم ولا يحظون بالرعاية التربوية والصحية اللازمة”، قالت عاشور لموقع "نقاش"، وأضافت أن "أرباب العمل - وهم في العادة مالكو معامل الطابوق - لا يوفرون ضمانات قانونية للعاملين معهم، ما يجعلهم عرضة للابتزاز والاستغلال".

لكنها كشفت عن عدم قدرة مجلس المحافظة على كبح الظاهرة حيث لا يوجد بدائل يمكن الحكومة أن توفرها للعائلات: “لا يمكننا أن نقول للناس إن ظروف عملكم سيئة ويجب عليكم ان لا تعملوا أو لا تجعلوا أطفالكم يعملون.. عندها يجب ان نقدم البدائل وفي الواقع لا توجد بدائل”.

وأكدت عاشور على نية الحكومة المحلية في كربلاء نقل معامل الطابوق إلى أماكن بعيدة عن المدينة للتخلص مما تسببه من تلوث لافتة إلى أن لجنة قد شكلت لهذا الغرض.

علي ياسين، صاحب أحد معامل الطابوق، قال إن ظروف العمل القائمة حاليا "متعبة فعلا ولكن لايوجد بديل، فالمعامل قديمة وهي تقوم على نظام العمل القائم".

ولا يعتبر ياسين نفسه مسؤولا عن تشغيل الأطفال في معمل الطابوق العائد له "لأنهم قد يساعدون أسرهم في نقل الطابوق، أو في اعمال أخرى ليست مجهدة". و أضاف انه لا يملك هو أو سواه من أصحاب العمل أن يفرضوا على أولياء الأمور عدم تشغيل أطفالهم.