مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

استعمالات متعددة للشاي..لكن ليس للشرب!

ضياء الخالدي
تجمع الأطفال قرب مركز توزيع حصص…
24.10.2008  |  كركوك

كان الشاي أيام صدام حسين وفي زمن الحصار الاقتصادي 1990– 2003 احد المواد الرئيسة التي لا يمكن الاستغناء عنه في مفردات البطاقة التموينية التي توزعها الحكومة للناس. لان سعره في الأسواق التجارية كان مرتفعا، وكان كل تأخير في تسليم المخصصات التموينية في ذلك الوقت يثير نقمة مضاعفة لدى مدمني الشاي الذين يقولون: "لتوقف الدولة دعمها عن كل المواد إلا الدقيق والشاي"، فالعراقي لا يتصور يومه دون كأس الشاي، والبيوت العراقية تحتسيه بعد وجبات الطعام كأمر ثابت، ويشربونه في أوقات أخرى بعد الاستيقاظ من فترة القيلولة مثلا، وقد اعتاد العراقيون عند نفاذ الحصة التموينية الشهرية من السكر أن يأكلوا التمر معه كطريقة مبتكرة في التحلية.

اليوم لم يعد سكان العراق يرغبون بالشاي الحكومي، فالأسواق فتحت أبوابها على عشرات أنواع الشاي الجيد وبأسعار زهيدة ونكهات متعددة، في حين أن "تلك المادة السوداء التي بدأت تستوردها الحكومة بعد الـ 2003، هي بكل تأكيد ليست شايا، ولا يمكن مقارنتها بتلك المتوفرة في الأسواق" كما يقول أبو مراد أحد وكلاء توزيع المواد التموينية في حي غرناطة بكركوك. ويضيف الرجل أنه وزملاء له من الوكلاء يجبرون الناس على استلام حصتهم من الشاي مع بقية المخصصات من الرز والسكر والدقيق والزيت حتى لا تتكدّس أكياس الشاي في مخازنهم، و"ليرمها الناس بعد ذلك أينما يشاؤون" حسب قوله.

أبو مراد يتبع أسلوب الإجبار نفسه التي تمارسه دوائر التوزيع في وزارة التجارة، ويقول لمراسل "نقاش": " دوائر التوزيع في وزارة التجارة تجبرنا على استلام الشاي، وان رفض احدنا فأنه سيجابه برفض تسليم جميع المواد الأخرى، ونحن بدورنا نجبر المواطنين على استلامها، وان رفضوا نجابههم برفض تسليم المواد الاخرى"! .

وعن مصادر الشاي الموزّع يوضح أبو مراد أن مئات من أكياس الشاي زنة الواحدة 25 كيلوا غراما تأتي إلى مخازنه شهريا ممهورة بماركة مكتوبة باللغة العربية (شاي الوردة) وتحتها كتب: (صنع في سريلانكا)، و يستدرك قائلا: "في بعض الأحيان تأتينا الأكياس من دون طباعة اسم الماركة لكن تبقى عبارة (صنع في سريلانكا) مطبوعة على جميع الأكياس".

لكن أبو مراد يشك في أن مصدر الشاي هو سريلانكا ويقول: "عند فتح الكيس ستجد بداخله مع السلعة كارد يشير باللغة الفارسية إلى كونه شاي سيلاني من الدرجة الأولى ما يعني أن التعبئة إيرانية والإيرانيون يكتبون ما يشاؤون على الكارد". وهو ما يؤكده لـ "نقاش" موظف في دائرة التموين والتخطيط في وزارة التجارة العراقية رفض كشف اسمه قائلا: "تجار إيرانيون هم من يستوردون الشاي ويعبئونه في إيران، ونحن كموظفين في الوزارة لا نملك جوابا عن تلك الشركات التي نستورد منها الشاي والتجار الذين يقفون خلفها، فمعلوماتنا هي مثل معلومات بقية الناس خارج الوزارة، وهناك متنفذين في الوزارة هم اللذين يقرّون تلك العقود".

وكان عدد من النواب قد طالبوا باستجواب وزير التجارة عبد الفلاح السوداني في جملة ملفات فساد، منها الحصص التموينية الفاسدة بما فيها الشاي، لكن طلب النواب عرقل بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني في اجتماع المجلس، فتأجلت الجلسة إلى أجل غير مسمى. وأشار صباح الساعدي رئيس لجنة النزاهة في البرلمان (ينتمي لحزب الفضيلة الشيعي) ان "هناك تسع تهم فساد اخرى يُعتقد أن الوزير السوداني مسؤول عنها".

وكان السوداني صرح أخيرا بعد ممانعته عن التصريح لفترة طويلة، انه مستعد للمثول أما المجلس واستجوابه حول مصير أربعة ملايين حصة تموينية تخص المغتربين العراقيين لم يستلمها أي منهم وغير موجودة في مخازن الوزارة، وحول ملفات فساد أخرى تُتّهم وزارته بها. لكن الموظف دائرة التموين والتخطيط في في وزارة التجارة يشير لـ "نقاش" أن "مسائلة الوزير السوداني تأتي من دوافع أخرى غير محاربة الفساد، وذلك في إطار التجاذبات السياسية والحزبية داخل البرلمان، كون الوزير السوداني ينتمي إلى حزب الدعوة الإسلامية جناح رئيس الوزراء نوري المالكي".

تخطيط ساحة كرة القدم بالشاي ليس الاستعمال الوحيد له من قبل أهالي كركوك، فالبعض منهم استعمله كمادة للاحتراق في التنور عند صنع الخبز، والريفيون خلطوه بالطين (اللبن) واستخدموه في بناء زرائب للمواشي والدجاج، وربما في الأيام القادمة ستكتشف استعمالات جديدة تضفي على الواقع العراقي صبغة سحرية.

نضال كريم (معلمة)، واحدة من الذين قابلتهم (نقاش) ، تتمنى لو تلغى مادة الشاي من مفردات الحصص التموينة قائلة: "نحن لا نستخدم الشاي الحكومي، واستلامه أو عدم استلامه سيّان، بل على العكس، إذا ما توقفت الدولة عن توزيعه فستغلق بابا من أبواب الفساد الإداري".

لكن بعض العوائل العراقية كثيرة العدد ومحدودة الدخل، وخلافا لذلك، تستخدم الشاي الحكومي، بعد أن تخلطه مع أنواع أخرى متوفرة في السوق من ماركة جيهان أو الوزة أو الغزالتين أو البلابل أو عطور، واغلبها يباع بزنة 500 غرام بسعر 2000 دينار عراقي أي ما يقارب الدولارين، للحصول على كمية كبيرة وشاي متوسط الجودة. وبما أن العراقيون أهل دراية بذائقة الشاي فلكل عائلة من تلك العوائل كيس مخفي لا يستعمل إلا عندما يأتي الضيوف. إن الشاي مع حبة الهيل وبحسن طبخه على نار هادئة يمكن أن يعطي سمعة لعائلة تبقى اشهر وسنوات: "ما أطيب شاي بيت فلان" .

بعد تزايد الضغوط على وزارة التجارة من قبل النواب العراقيين ووسائل الإعلام، بشان ملفات الفساد المرتبطة بالحصص التموينية، تحركت الوزارة إلى إقالة ستة مدراء عامين من ملاكاتها، في رد فعل، اعتبره بعض المراقبين محاولة لتخفيف الضغوط وإسكات الأصوات المطالبة بإقالة الوزير. هذه الأيام خفتت حدّة الانتقادات والاهتمام بالمشكلات المحلية لانشغال البرلمانيين بالمفاوضات الجارية حول الاتفاقية الأمنية المزمع عقدها بين العراق والولايات المتحدة، أما ملفات الفساد الإداري الكثيرة، ومن بينها الحصص التموينية، فلها وقت آخر ينتظرها المواطنون بفارغ الصبر، بينما يرتشفون كؤوسا أخرى من الشاي!

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.