مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

فتاوي في السياسة والبيبسي كولا!

سليم الوزان
في السنوات الأخيرة، وفي ظل انحسار…
9.10.2008  |  البصرة

ويقول الباحث في العلوم السياسية سعيد خضير (جامعة البصرة) لمراسل (نقاش) أن "أسلوب تدخل رجال الدين في محافظات الجنوب والوسط العراقي في العملية السياسية ليس له مثيل حتى في إيران" موضحا: "في إيران القرار بيد الولي الفقيه، أما في حوزة النجف فإن هناك مراجع عدة ولكل منهم رأي، بالطبع دون إغفال الثقل الخاص الذي يمثله السيد السيستاني على الصعيد العام حيث ما زال يلعب دوراً عميقاً في تسيير العملية السياسية وإن نأى بنفسه عن الواجهة".

ويسوق الباحث العراقي مجموعة أمثلة عن سلطة رجال الدين فيقول: "أنا أعرف أشخاصاً كانوا أسرى في إيران ولديهم موقف سلبي من بعض القوى الحزبية الإسلامية المدعومة من إيران التي دخلت الانتخابات.. أولئك الأشخاص كانوا يتطلعون للتصويت لأياد علاوي غير أنهم بدّلوا خياراتهم في اللحظة الأخيرة، بعد صدور توجيهات السيد السيستاني، خشية من غضب الله كما برروا ذلك".

ويعود تأثير فتاوى رجال الدين في التاريخ العراقي المعاصر إلى بداية تأسيس الدولة العراقية في عشرينات القرن الماضي، وبدأت مع فتوى أصدرها المرجع الشيعي آية الله مهدي الخالصي بتحريم القبول بانتخاب فيصل الأول ملكاً على العراق حيث أفتى في وقتها: "هذه الانتخابات واشتراك الشعب العراقي فيها، وكل من يشترك أو يساعد فيها بأدنى مساعدة فقد تجرأ على حكم الله ورسوله وأوليائه"، ومثلت تلك الفتوى بداية صراع طويل بين الحكومات المتعاقبة ورجال الدين. وفي عام 1961 حرم المرجع الشيعي آية الله السيد محسن الحكيم الانتماء للحزب الشيوعي كما ورد في نص الفتوى: "لا يجوز الانتماء الى الحزب الشيوعي فان ذلك كفر والحاد أو ترويج الكفر"، وعدّت الفتوى آنذاك من قبل اليسار تحريضاً خطيراً وتفويضاً للحكومة لضرب كوادر الحزب. وهناك امثلة عن العديد من الفتاوى التي تجاوزت مراميها الموضوعات الدينية إلى تحقيق غايات سياسية وقتية.

و لم يقتصر تدخل رجال الدين في الحياة العامة، على الوجه السياسي، فرجال الدين لم يتركوا شيئاً في حياة الناس الاجتماعية إلا وتناولوه على وفق اجتهاد هذا الفقيه أو ذاك المرجع، بدءاً باستيراد الملابس والعطور وأدوات الزينة، وإلقاء التحية، ودخول الحمّام، مروراً بالجماع بين الزوجين، وليس انتهاءً بتحريم الإطلاع على الثقافات الغربية وتحريم الأغاني والأفلام!وهناك فتاوى اقتصادية في العراق، كانت الأخيرة منها، تلك التي أصدرها آية الله السيد اليعقوبي، وهو الزعيم الروحي لحزب الفضيلة الإسلامي (الحزب المسيطر على مجلس محافظة البصرة)، الذي أفتى بتحريم التعامل مع شركات توظيف الأموال في العراق او ما يعرف بـ "الشركات الشبكية".

وما أن صدرت فتوى الأخير، حتى سارع حزب الفضيلة في البصرة إلى عقد مؤتمر اقتصادي موسع لمناقشة عمل تلك الشركات والمخاطر التي تسفر عن توظيف الأموال لديها. وحددت فتوى الشيخ اليعقوبي بعض الشركات الممنوع التعامل معها مثل شركة "كولد كويست" وشركة "بيزناس" وشركة "موناكو".

وفي موازاة فتوى الشيخ اليعقوبي الاقتصادية فوجئ الناس بصدور فتوى أخرى من الشيخ قاسم الطائي نصت على تحريم "البيبسي والكوكا كولا" وهما المشروبان اللذان يجدان رواجاً في الأسواق العراقية، خاصة في فصل الصيف، وجاء في نص الفتوى: "أن مشروب البيبسي تدخل في صناعته مادة البيبسين المستخرجة من أمعاء الخنازير"، ويضيف الشيخ الطائي في فتواه "أن التركيبة السرية لمادة البيبسي وضعت أسرارها في خزينة أحد البنوك الاميركية". والطائي هو مرجع شيعي نال الاجتهاد مؤخراً ولديه عدد من المقلدين أغلبهم في منطقة الفرات الأوسط، وهو أول من أصدر فتوى بتحريم الحلاقة التجميلية للرجال، التي يجري على أساسها بين حين وآخر اغتيال الحلاقين من قبل المتطرفين.

حول تأثير هذا النوع من الفتاوى على نشاط السوق يقول السيد إبراهيم المريوط عضو غرفة تجارة البصرة: "بما أن الفتوى صادرة عن مرجع لا يمتلك تأثيراً كبيرا في الشارع العراقي فيبقى تأثيرها محدودا لكن الفتاوى المؤئرة هي تلك التي تأتي من المراجع الكبار في النجف الذين لهم أتباع يقدر مجموعهم بـ 80% من شيعة العراق".

غير أن عبد الصمد حمادي (44 سنة) أحد مقلدي الشيخ الطائي، يؤكد أن"الفتوى لا تصدر إلا من رجل دين مجتهد علمه فوق الجميع ويستند إلى القرآن والسنة النبوية وأحاديث آل بيت الرسول، ولا يأتي استنتاجه من فراغ بل باتفاق مع بعض علماء الدين وأن كانوا خارج العراق"، ويتابع حمادي قائلا: "على كل حال نحن مقلدي الشيخ الطائي نأخذ بهذه الفتوى ونطبقها وندخل من حيث التشريع في باب الحرام في حالة عدم تطبيقها".

ويؤكد الباحث سعيد خضير أن "رجال الدين المبتدئين الذين يدّعون الأعلمية يلجؤون إلى إصدار فتاوى غريبة من باب خالف تعرف، ولغرض الشهرة الدينية والاجتماعية، ولفت أنظار الشباب المتدينين إليهم" مضيفا أن "هذا النوع من الفتاوى يظهر ويثير البلبلة ثم تنساه الناس بعد مدة قصيرة". لكنه خضير يشير في نفس الوقت إلى أن "الفتاوى الدينية تمتلك حياة خاصة بها ويمكن إيقاظها ولو بعد مئة سنة، فهي تمتلك سلطة قائمة بذاتها".