مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

(الخُمسْ) عند الشيعة

د. ریاض الساري
ما هو الخُمسْ ؟ وعلى أي أساس يقوم ؟…
12.09.2007
030408-N-5362A-002Near Al Najaf, Iraq (April 08, 2003) -- The holy Shiite Muslim shrine (Dareeh) of the Imam Ali sits peacefully in Najaf. The U.S. military is working with international relief organizations to help provide food and medicine for the Iraqi people in support of Operation Iraqi Freedom. Operation Iraqi Freedom is the multinational coalition effort to liberate the Iraqi people, eliminate Iraq's weapons of mass destruction and end the regime of Saddam Hussein.  U.S. Navy photo by Photographer's Mate 1st Class Arlo K. Abrahamson.  (RELEASED)
030408-N-5362A-002Near Al Najaf, Iraq (April 08, 2003) -- The holy Shiite Muslim shrine (Dareeh) of the Imam Ali sits peacefully in Najaf. The U.S. military is working with international relief organizations to help provide food and medicine for the Iraqi people in support of Operation Iraqi Freedom. Operation Iraqi Freedom is the multinational coalition effort to liberate the Iraqi people, eliminate Iraq's weapons of mass destruction and end the regime of Saddam Hussein. U.S. Navy photo by Photographer's Mate 1st Class Arlo K. Abrahamson. (RELEASED)

يعتقد الشيعة بأن قيادة الجماعة الإسلامية (الإمامة) بعد وفاة النبي محمد  كان ينبغي أن تؤول إلى (علي بن أبي طالب) ابن عمه وصهره، وأولاد هذا الأخير من بعده. وهناك فروع مختلفة للإسلام الشيعي ولكن معظم الشيعة العراقيين هم من أتباع مدرسة أو فكرة الإمام الثاني عشر، ويتبعون تعاليم الأئمة الإثني عشر أبناء وأحفاد علي بن أبي طالب ، ويعدونهم الخلفاء الشرعيين للنبوة.

وتبدأ سلسلة الإمامة وفقاً للشيعة الأثني عشر بـ (علي بن أبي طالب) الذي توفي عام 661 م، وتنتهي بالإمام محمد بن الحسن العسكري (المهدي المنتظر) الذي غاب أو اختفى في سرداب بمدينة سامراء، وفقاً لعقيدة الشيعة، ولم يمت عام 873 م، إذ بحسب أتباع هذه الطائفة لا يزال هذا الإمام مختبئاً أو مختفياً، وأنه سيعود يوماً ما للظهور (ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعد أن ملئت ظلماً وجوراً). وإن من يدير الأمور نيابة عنه هم للترتيب التاريخي: سفراءه، ومن ثم وكلائه، الذين يتمثلون حاضراً بمراجع الدين الشيعة، الذين ينتظمون الآن في تراتب منتظم من حيث المكانة والمنزلة الدينية والاجتماعية، حيث يتمتع الأعضاء البارزين منهم بنفوذ كبير في كل من إيران والعراق، وبشكل أقل في لبنان والبحرين والسعودية.

تشريع الخُمسْ:

واحد من أهم ما يتميز به الاقتصاد الإسلامي الشيعي هو فرضه لضريبة الخُمسْ على كافة أتباع المذهب.و(الخُمسْ) كتشريع مالي للمسلمين بعامة، ورد ذكره مرةً واحدةً في القرآن الكريم، في (سورة الأنفال، الآية41) ، ومن المعلوم أن سورة (الأنفال) نزلت بكاملها تعقيباً على معركة بدر الكبرى، وهي أول معركة قادها النبي محمد  ضد مشركي قريش، وانتصر فيها المسلمون وغنموا أموال أعدائهم، فاحتاجوا إلى معرفة كيفية تقسيمها وتصريفها، بعد أن اختلفوا في ذلك. والحديث في السورة بكاملها لم يكن يشير من قريب أو بعيد إلى فرض ضريبة مالية تشمل خمس النشاطات الاقتصادية للأفراد المسلمين، أو خمس (مكاسبهم) بلغة الفقه الإسلامي، كما يحاول معظم مراجع الشيعة التأكيد الآن.

ومن الناحية التاريخية، فإنه لا يعرف عن النبي محمد ، أو أحد من أئمة الشيعة الأثني عشر المقدسين، أنه كان يَفرض على مكاسب المسلمين وأموالهم شيئاً ضريبة اسمها (الخُمسْ)، بل ولا على أموال المسالمين من الكافرين.

لكن الفقه الشيعي اليوم، يفرق بين (الخُمسْ) و ضريبة(الزكاة) المفروضة على عموم المسلمين ، على أن الزكاة هي ضريبة للحكومة الإسلامية، أما الخمس فيقسم إلى نصفين: نصف من حق الإمام الغائب، ويلزم رفعه إلى المرجع الشيعي الأعلم المطّلع على الجهات العامة أو وكلائه، والنصف الآخر يدفع إلى فقراء السادة الهاشميين (أبناء البيت النبوي).

المسلمون الشيعة والخُمسْ:

نشأت الجماعة الشيعية كما أشرنا سابقاً بعد وفاة النبي محمد ، كجماعة معارضة سياسية، أو تنظيم سياسي معارض، إذ أنهم اختلفوا مع المسلمين من باقي المذاهب حول أهم القضايا السياسية وهي قضية (الإمامة)، لكن ذلك سوف يتشعب بتراكم الانقسام، ليشمل قضايا وفروضاً عبادية وطقوسية مختلفة، ومظاهر اجتماعية متنوعة.

فالشيعة (كتنظيم سياسي) بهذا المعنى كانوا بحاجةٍ إلى موارد اقتصادية تديم نشاطهم، تفوق ما كان يحصل عليه النظام السياسي الرسمي من ضرائب اقتصادية شرعية ممثلة بـ(الزكاة)، إذ تقتطع فريضة الزكاة التي يشدد القرآن على ذكرها كثيراً ما نسبته (2,5 %) من الأموال التي تبلغ النصاب عند أصحابها، لذا تم تشريع الخُمسْ من قبل أئمة الشيعة.

فالخُمسْ وفقاً لهذه الرؤية، يبدو أشبه بالتمويل الاقتصادي لجماعة أو تنظيم سياسي معارض للنظم السياسية (السنية) القائمة، وليس فريضة دينية فقط . حيث يجد فقهاء الشيعة ومراجعهم هذه الأنظمة السياسية مغتصبة للخلافة ومن واجب الشيعة أن يتبعوا ويطيعوا أولي الأمر وهم الفقهاء ومراجع التقليد، وليس النظم السياسية القائمة.

وفي واقع الاجتماع الشيعي، يبدو المجتمع الشيعي مجتمعا فاعلا منظما، يمتلك أسس الترتيب المؤسساتي التي قدمت لها الجهود الاستثنائية من مراجع الشيعة ومجتهديهم ؛ فمن الناحية النظرية، ثمة في الجماعة الإسلامية الشيعية، وفقاً للفقه الشيعي المعاصر، فئتان من الأشخاص معترف بهما، المقلدون وهم العامة من الناس المفتقرون إلى المعرفة الدينية ، وهناك (مراجع التقليد) وهم فقهاء الشيعة الكبار الذين يتوجب على المؤمنين إتباع نهجهم وتقليدهم في أمور الدنيا، للمُقلِّد أن يختار بين أحد المراجع، أي الفقهاء الكبار الأحياء ليكون مرجع تقليده. وإلى (مرجع التقليد) يحتكم المُقلِّد في أمور دينه وعبادته، وهو يبحث عن الأجوبة عند هذا المرجع في المسائل التي تواجهه في أمور الدنيا مثل الزواج والطلاق والمعاملات المالية. وهذا هو الجانب الأول للهيكلية القانونية التي خلقتها عملية تمأسس المجتمع المدني الشيعي.

أما الجانب الآخر، فيتمثل بالضرائب غير الطوعية، والباهظة التي تديم عمل المجتمع المدني الشيعي، بعيداً عن سلطة الدولة القمعية (في معظم الأحوال) : (سهم الإمام) وهو الضريبة المفضلة لرجل الدين الشيعي من حيث كونه ممثلاً للإمام المحتجِبْ، أحد رافدي الدخل الحيوي لهؤلاء المراجع والفقهاء، الرافد الآخر هو (الخُمسْ) الذي يُدفَعْ إلى معظم المجتهدين بوصفهم سادة أي متحدرين من العترة النبوية (يتم تمييزهم بالعمامة السوداء)، أو هم يحافظون على أرث هذه العترة بوصفهم شيوخاً (يرتدون العمامة البيضاء في العادة).

الخُمسْ في واقع الاجتماع الشيعي

على الرغم من أن الشيعة لا يؤدون جميعاً أموال الخُمسْ التي تفترضها عليهم فتاوى ورسائل المجتهدين، فإن أموال الخُمسْ الباهظة هي التي تشكل اليوم المكانة الاجتماعية للمراجع ورجال الدين الشيعة، بل إن قياساً كهذا يتم حتى داخل الحوزة نفسها، فيذهب طلبة الحوزة إلى المرجع الذي يملك ثروة عظيمة أو (مالية كبيرة) بحسب قولهم، وهذه المالية تأتيه في العادة من أموال الخُمسْ التي يدفعها مقلدوه. إذ تعتمد المساهمات المالية في حجمها وسرعة توفرها على الالتزام الديني لأتباع المرجع الديني، مما جعل حجم ثروته يشير إلى عدد أتباعه ومقلديه.

بالمقابل كانت التنازع والمنافسة بين المراجع ورجال الدين الشيعة على الدعم المالي، أحد أسباب الخلاف والتنظيرات التي تراوحت على نوع الولاية التي ينبغي أن يقدمها العوام أو المقلدون للمجتهد، هل هي ولاية مطلقة أو هي غير ذلك ؟ هكذا وجدت مدرستان في الفقه الشيعي لبحث مسألة مقدار ولاية الفقيه أو المرجع الديني (المجتهد) على أتباعه، افترضت أحداهما أن ولاية المجتهد على أتباعه مطلقة (وهذا يعني أنها يمكن أن تصل إلى حدود مطالبته إياهم بتقديم حياتهم أو أملاكهم أو مختلف شؤون حياتهم بناءً لأوامره)، وأهم أتباع هذه المدرسة في العراق هم السيد (محمد باقر الصدر) والسيد (محمد صادق الصدر) وفي إيران السيد (الخميني). أما المدرسة الأخرى، فإنها تفترض أن ولاية المجتهد على أتباعه محدودة تقتصر على إدارة أموال الخُمسْ والزكاة وحقوق اليتامى، ومن أهم أتباع هذه المدرسة في العراق السيد أبي القاسم الخوئي (ت 1992) وتلميذه السيد (علي السيستاني)، والشيخ (المنتظري) في إيران.

هكذا تحول الخُمسْ من أداة لمعارضة استبداد السلطة إلى وسيلة لتكريسها، ومن أساس مادي لبناء (دولة متخيلة) إلى أداه دعم وتمويل وإنشاء المؤسسات الاجتماعية والدينية المختلفة وتقويه نفوذ المراجع.

ومع تعاظم موارد الفقهاء ومراجع التقليد الشيعة من الخُمسْ تحولت مؤسساتهم إلى (دول موازية) للدولة على المستوى الاقتصادي الاجتماعي في مناطق انتشار المسلمين الشيعة وبالأخص في إيران والعراق (كما هو الحال مع مؤسسة الخوئي المالية الكبرى)، وتبلغ ميزانية بعض المراجع الناتجة عن الخُمسْ حداً من الضخامة يجعلها تفوق عن ميزانيات دول في العالم الثالث، لكن يظل هناك عدم الشفافية في إعلان أرقام هذه الميزانيات.

وحتى وقت آخر، سوف يبقى مفهوم (الخُمسْ) موضع جدل حساس وشائك، على مستوى الوعي بالقضايا الرئيسة التي تتحكم في صياغة حياة الأفراد، ما دام يثير أسئلة عميقة عن أسس الموارد الاقتصادية للمؤسسة الدينية الأشد تأثيراً في واقع الاجتماع العراقي اليوم.

د. رياض الساري/ باحث أكاديمي في سوسيولوجيا السياسة

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.