مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

إنها تتألم ايضاً
التماثيل والنصب في بغداد

كنت شاهد عيان على عملية انزال نصب…
23.06.2007

هذا النصب أقامه النظام السابق لتمجيد الأسرى العراقيين في السجون الايرانية، ويجسد في تفاصيله قصة مشاهد مصورة لعملية نزع ذراعي اسير عراقي، كان التلفزيون العراقي قد اعاد بثها عشرات المرات خلال حرب الثمانينيات مع ايران. ولم يستطع أحد التأكد من ان الأسير المعذب عراقي ام إيراني، وبقيت الرواية الرسمية للنظام هي السائدة، وهي التي استلهمت في فكرة النصب. الذي اعتبر من قبل المهتمين عملاً ساذجاً من الناحية الفنية، ويعرض بطريقة دعائية عمليات فصل الذراعين البشعة أمام المارة ليل نهار، وكأنهم لم يشاهدوا الفيلم المصور أصلاً.

لم يكن هناك اعتراض جدي حول ازالة هذا النصب، الامر الذي تكرر مع ازالة نصب "عروس الثورات" في منطقة العلاوي الشهيرة في بغداد، هذا النصب الذي يرتكز على المرموزات الاساسية لحزب البعث، ويخلطها مع التراث الرافديني، وقد رأى الكثيرون أن امكانية ابقاء هذا النصب مع اضفاء تأويل جديد اكثر انفتاحاً من دلالات الايديولوجيا البعثية أمر صعب جداً، لذا لحق بمصير نصب الاسير العراقي والنصب والتماثيل الكاملة والنصفية التي لا تعد ولا تحصى لصدام نفسه.

ويجب ان لا نفترض ان كل ما انجز من نصب وتماثيل في حكم البعث العراقي تمت ازالتها بطريقة منهجية أو برعاية رسمية، فهذا غير صحيح تماماً. والدليل أن هناك نصباً تحيل الى خطاب دعائي او تعبوي بعثي مازالت شاخصة في بغداد، ومنها نصب الجندي العراقي الذي يطل على مدينة الطب، والذي يصور مسلة رافدينية ممتزجة مع دبابة، ويلتف حولهما عدد من الجنود العراقيين في اوضاع مختلفة، بينما يرتفع فوق المسلة العالية جندي عراقي بحجم أكبر، وهو يدفع للأمام بعلم عراقي ترتفع ساريته فوق راسه بمسافة مترين تقريباً.

تم الابقاء على هذا النصب لأنه لا يحيل بشكل مباشر الى ثقافة البعث، رغم كناياته ورموزه الواضحة التي تمتدح الآلة الحربية وتساويها مع شاخص معرفي وحضاري (المسلة) وتكرس ثقافة الحرب وما الى ذلك. الامر نفسه حدث مع نصب الشهيد الذي انجزه الفنان العراقي الراحل إسماعيل فتاح الترك، والذي يصور قبة مشطورة الى نصفين يتوسطهما علم العراق الخارج من نافورة وسطية، وهو نصب انجز لتمجيد شهداء الحرب غير العادلة مع ايران، ولكنه يحتوي امكانات توسيع دلالاته المعنوية بعد انتفاء سياق الثقافة البعثية من ارض الواقع، بحيث يغدو ممثلاً لرمزية الاحالة الى الشهادة بمعناها الديني والوطني العام. ولهذا السبب لم تتم ازالته.

في الجانب الآخر تم الاعتداء من قبل جهات مجهولة على عدد من النصب والتماثيل الفنية، التي لا تحيل الى البعث وثقافته بشيء. فقد سرق تمثال عبد المحسن السعدون (اول رئيس وزراء عراقي في العصر الحديث) من منصته الخاصة في وسط شارع السعدون ببغداد، ولم تتم اعادته ابداً، وعلى الاغلب لم يكن لسراقه أي خلفيات سياسية، وانما كانوا يسعون لتقطيعه وبيعه كمعدن. وهو أمر حصل مع الكثير من التماثيل الصغيرة والكبيرة، والتي سرقت من أماكنها مع الاشهر الاولى لسقوط النظام البعثي. كما رفع مجهولون تمثال الأم العراقية من مدخل مدينة الثورة (الصدر حالياً)، وكانت الدعوى لرفعه انه يجسد مفاتن انثوية تتعارض مع الاخلاق الدينية. واستطاع فنانون شباب العثور على هذا التمثال وانقاذه من أحد المصاهر في اطراف العاصمة، وتمت اعادته، لا الى مكانه الاصلي، وانما الى مدخل بناية وزارة الثقافة العراقية، حيث مكانه الآن. ومازالت جرار تمثال (كهرمانة والاربعين حرامي)، والذي انجزه الفنان العراقي محمد غني حكمت، تتحطم يوماً بعد آخر بسبب عبث العابثين، دون ان تكون هناك أي اجراءات لحماية هذا التمثال الجميل، والذي غدا جزءاً من هوية منطقة الكرادة في بغداد. وكانت أمانة بغداد قد اقدمت قبل اشهر على عمل غبي بطلي التمثال باللون الذهبي، من دون استشارة صاحب التمثال، او اخذ رأي المتخصصين، الامر الذي احدث ضجة في الوسط الفني وفي وسائل الاعلام، انتهت بأن عادت امانة بغداد وازالت اللون الذهبي واعادت التمثال الى وضعه السابق.

وعلى الاغلب، قامت جهات اصولية بتفجير نصب ابي جعفر المنصور (الخليفة العباسي)، وسط حي المنصور في بغداد، وقام آخرون بتحطيم او تخريب بعض التماثيل التي تجسد رموزاً ثقافية وابداعية تاريخية كالفارابي والمتنبي، وهو ما يفسر من قبل الكثيرين على انه احد نواتج الفوضى الامنية، وتسلط الجماعات المسلحة المختلفة على الشارع العراقي.

ومازال نصب الحرية، شاخصاً وسط ساحة التحرير ببغداد، هذا النصب الفريد من نوعه في العالم العربي، والذي انجزه الفنان العراقي الكبير جواد سليم قبل نصف قرن تقريباً، ولكن القلق يساور الكثير من المثقفين العراقيين حول مستوى الحماية الموجودة لهذا النصب من أي اعتداء محتمل قد يطيح به، خصوصاً إذا علمنا ان القوالب الاساسية التي صبت بها قطع النصب الاربعة عشر اختفت، وليست هناك أي امكانية لأعادة صب هذه القطع في حال تحطمها.

أفكر شخصياً بهذا الأمر وقد سقطت السقوف الثانوية في عمارة مطلة على ساحة الفردوس جراء انفجار مهول حصل بالقرب من سوق الشورجة بشاحنة مفخخة اوقع اكثر من سبعين قتيلاً نهار يوم الثلاثاء 19حزيران الماضي، والمسافة بين مكان التفجير، والعمارة التي شاهدت كيف سقطت سقوفها الثانوية مسافة طويلة جداً، ونصب الحرية يتوسطها، بل هو اقرب الى مكان الانفجار. وهو ليس الانفجار الاول القريب من النصب ولن يكون أخرها على ما يبدو. وبالامكان تخيل حجم المخاطر التي تهدد هذا النصب في وضعه الحالي. والذي يعتبر على نطاق واسع أحد اهم الرموز الثقافية في بغداد والعراق عموماً، وأهم نتاج لثاني اثنين من مؤسسي النحت في العالم العربي، اولهما العراقي جواد سليم والثاني المصري مختار، بتمثاله الاشهر (نهظة مصر).

الملاحظة الاساسية في الحديث الذي يجري دائماً حول واقع حال النصب والتماثيل في بغداد، هو الخلط المتعمد او الناتج عن الجهل، بين تلك النصب التي تمثل هوية بغداد الحضارية والثقافية، والنصب التي انتجتها ثقافة البعث الشوفيني. ففي الوقت الذي يتحتم فيه الحفاظ وبكل الوسائل على النصب والتماثيل ذات الجودة الفنية العالية، والتي تحيل الى معاني انسانية وحضارية واسعة، والتي تزيد من الثقافة البصرية للمواطن العراقي، وتعمق احساسه بانتمائه الحضاري والوطني. لن نجد على الجانب الآخر اية اسباب ثقافية او حضارية او وطنية تدفع للاحتفاظ بنصب فجة على المستوى الفني، وانتجت كجزء من منظومة الخطاب الدعائي المطبل للحرب، ولأيديولوجيا البعث ولرمز النظام البعثي في العراق. بل أن دواعي التأسيس لثقافة جديدة إنسانية تخلص المجتمع من آثار ثقافة العنف والدماء وتمجيد الحرب، تدفع لتطهير الفضاء الاجتماعي البصري والسلوكي ايضاً، من آثار هذه الثقافة. وعملية التطهير هذه في الحقيقة غير كاملة حتى الآن، فمازال هناك على سبيل المثال في منطقة حي المنصور تمثال فج في دلالاته وفي قيمته الفنية انجزه طبيب صدام الخاص علاء بشير، تحت اسم اللقاء، ويمثل لقاء (القائد مع الشعب)، وهو عبارة عن حائطين يميل أحدهما تجاه الآخر، مع الاحتفاظ بأشارة الترفع لأحد الحائطين، وكأن الطبيب الفنان يريد القول تلميحاً أن هذا الحائط هو صدام نفسه.

هذا الخلط يجري كثيراً في وسائل الاعلام من اجل الكسب السياسي لا اكثر، وتغذية الصراع بين الاطراف السياسية الطائفية العاملة الآن في العراق بحطب جديد. وما عدا أولوية هذا الصراع لدى هذه الاطراف يتم التغاضي دائماً عن التحديات والمشاكل الحقيقية في اصل قضية النصب والتماثيل في بغداد، وعلى رأسها حماية المتبقي منها من التلف العرضي او الاعتداء المقصود، ثم العمل على أشاعة ثقافة وطنية محايدة طائفيا ًوحزبياً، فالمفارقة التي تجسدت في الشارع العراقي عقب سقوط النظام البعثي، ان الكثير من قواعد النصب الاسمنتية، والتي كانت منصات لتماثيل صدام أستبدلت بصور دينية وحزبية. وكأنّ الأصل في المشكلة ليست النصب الفئوية والحزبية، والتي كرسها صدام نفسه، فجاء من يريد اكمال مشروعه ولكن برموز حزبية وفئوية جديدة.

وبالعودة الى تمثال عبد المحسن السعدون المسروق، فقد انجز احد الفنانين العراقيين نسخة بديلة لهذا التمثال الذي سرقه لصوص النحاس والبرونز قبل ثلاثة اعوام، ورغم انها نسخة من الفايبر كلاس وليست بجودة التمثال الاصلي، إلا انها تعطي لدى المارة الانطباع نفسه للتمثال الاصلي المفقود، أما اكثر التماثيل والنصب حظاً في بغداد، فهي تلك التي وضعتها ظروفها بين حواجز كونكريتية عتيدة، كتمثال البساط السحري، الذي يجسد احدى حكايات الف ليلة وليلة، وانجز قبل عشرين عاماً تقريباً من قبل الفنان محمد غني حكمت، وهو الآن محجوز، عن طريق الصدفة، بأكثر من جدار كونكريتي وضعت اصلاً لحماية فندق فلسطين ميريديان، المركز الرئيسي لوكالات الانباء والقنوات الفضائية في بغداد، ولدينا ايضاً تمثال محظوظ آخر، هو تمثال عباس بن فرناس، رمز طموحات الطيران المبكرة في التراث العربي، فهذا التمثال يقع الآن داخل منطقة مطار بغداد المحصنة امنياً، وهو أمر يتيح له أن يشرع جناحيه الصناعيين في الهواء بحرية وأطمئنان، بعيداً عن ضجة العاصمة وصخب انفجاراتها المتلاحقة.

أحمد السعداوي

23/6/2007