مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

حرف (ن) آخر ما بقي للمسيحيين في الموصل

خالص جمعة
ربما سيسجل التاريخ يوماً إن (أم نائل) كانت آخر المسيحيين الذين غادروا الموصل قبل انتهاء مهلة النجاة بأنفسهم، التي منحها لهم "الخليفة" وزعيم تنظيم داعش المتشدد في الموصل ابو بكر البغدادي. لكن لماذا تأخرت هذه العجوز,…
24.07.2014  |  الموصل
The letter
The letter

Tweet
//


بالكاد انتهى شهر عسل الدولة الاسلامية في الموصل حتى بدأت نواياها الحقيقية تتكشف، وصار واضحاً كالشمس موقفها من اتباع الديانات والمذاهب الأخرى، عندما خيّرت المسيحيين في المدينة بين ثلاث أمور هي دفع الجزية أو التحول إلى الدين الإسلامي أو القتل.

زعماء التنظيم طالبوا المسيحيين ببيان حالهم في ظل "دولة الخلافة الاسلامية" ومن أجل ذلك ابلغوا رجال الدين المسيحيين لحضور اجتماع في النادي الثقافي الاجتماعي بالموصل صباح الخميس 17 تموز (يوليو) يقول دريد طوبيا مستشار محافظ نينوى لشؤون المسيحيين.

"رجال الدين تشاوروا بينهم واتفقوا على عدم حضور الاجتماع لتخوفهم من نوايا التنظيم وعلمهم المسبق انهم سيكونون أمام ثلاث خيارات أحلاها مر"، يضيف طوبيا.

لم يتأخر رد الدولة الاسلامية إذ أصدرت ليل الخميس بيانها الشهير الذي نص على إن "الخليفة أبو بكر البغدادي منّ على المسيحيين بالسماح لهم الجلاء بأنفسهم فقط، خارج حدود دولة الخلافة الاسلامية لموعد آخره ظهر السبت 19 تموز (يونيو) وبعد هذا الموعد ليس بيننا وبينهم إلا السيف".

شكك الكثيرون في صحة البيان بعدما وُزع صباح الجمعة على نحو محدود لكنه انتشر سريعاً على صفحات الـفيسبوك ثم زال الشك تماما عندما قُرأ في خطبة الجمعة في بعض الجوامع، وفيما كان الناس يتداولون أخبار البيان بدأ المسيحيون بالفرار وخلال 24 ساعة لم يبق في المدينة أي واحد منهم.

دخل نائل البيت مسرعاً وصاح على زوجته وأمه وأشقائه ليتجهزوا لمغادرة المدينة فوراً، ولكي يزيل علامات التساؤل والخوف التي خيمت على الوجوه، حدثهم باختصار عن البيان الذي سمعه عبر مكبرات الجامع القريب من بيتهم.

وبينما انشغل أفراد العائلة بتهيئة ملابسهم للرحيل بسيارتهم كانت هواتفهم النقالة تستقبل وابلاً من الاتصالات من المسلمين والمسيحيين على السواء، يبلغوهم بخبر المهلة ويحثونهم على المغادرة فوراً.

خلال ساعة واحدة أصبحت العائلة مستعدة للرحيل باستثناء أم نائل (62 عاماً) التي رفضت مغادرة البيت الذي عاشت فيه نصف عمرها، إذ لم تنفع توسلات الأبناء والجيران والأقارب في إقناعها فغادرت العائلة وبقيت العجوز تحرس البيت.

لم يكن ذلك أول تحرك من عناصر الدولة الإسلامية ضد المسيحيين، فلقد استولوا على عقاراتهم الشاغرة من قبل خاصة وإن آلاف المسيحيين نزحوا عن المدينة منذ سقوطها بيد داعش.

وقبل إسبوع فقط من مهلة السبت كان الموصليون يتناقشون حول سر حرف (ن) الذي طبع على واجهات بعض البيوت والعقارات، لكنهم فهموا لاحقاً إنها إشارة إلى إن مالك العقار "نصراني"، حسب توصيف التنظيم.

وذهب عناصر التنظيم إلى أبعد من ذلك عندما كتبوا مع حرف (ن) عبارة "عقارات الدولة الاسلامية" وطلبوا من مستأجري هذه العقارات دفع بدل الايجار لهم بدلاً من إعطائها لمالكيها المسيحيين.

يوم السبت كان الأشد وطأة على مسيحيي الموصل، فرغم القتل والخطف والتهجير الذي طالهم طوال 11 عاما خلت، إلا إن مرارة الظلم والاضطهاد هذه المرة كانت كبيرة جداً.

بيان الدولة الإسلامية طُبق بحذافيره، فعند مخارج المدينة سلبت العناصر المتشددة العوائل المسيحية كل ما تملك، لقد اخذوا من عائلة أم نائل السيارة والنقود والمصوغات الذهبية وحتى الهواتف النقالة.

لم تنفع توسلات زوجة نائل في ثني المسلحين عن أخذ مصوغاتها الذهبية، إذ علا نحيبها وهي تخلع قلادتها وأساورها دون أن يرف جفن لهم.

حمل نائل طفله الصغير على كتفه وقاد عائلته سيراً على الأقدام إلى أقرب مكان خارج "حدود دولة الخلافة"، وخرجت العائلة من الموصل بالدموع والحسرات، ومعها ما يعادل 8 دولارات فقط، استقلوا بها تكسي إلى بلدة (القوش) في سهل نينوى.

قبل أربعون يوماً فقط كان في الموصل أكثر من عشرة آلاف مسيحي، حسبما ذكر دريد طوبيا، هؤلاء نزحوا جميعهم إلى إقليم كردستان ومناطق سهل نينوى ذات الغالبية المسيحية والخاضعة لسيطرة قوات البيشمركة الكردية، تاركين خلفهم عقارات وممتلكات وأرصدة في المصارف، وأصدقاء وجيران من المسلمين.

الدولة الإسلامية لم تواجه حتى اليوم معارضة من الموصليين، ليس لأنهم راضون عما تقوم به، بل لأنها لا تتوانى عن قتل كل من يقف عثرة في سبيل تنفذ مشروعها مهما كانت صفته وهويته.

وعندما طال الأمر المسيحيين كانت الاحتجاجات على صفحات الفيس بوك أقوى من تلك التي صدرت همساً في المجالس الخاصة.

أكثر المنشورات تأثيراً كانت صورة لشابين مسلم والآخر مسيحي، هذان الشابان تربطهما علاقة صداقة متينة جداً وعندما أراد المسيحي الرحيل استوقفه صديقه ودخلا في نوبة بكاء، فكلاهما مغلوب على أمره.

لا يبدو إن الدولة الاسلامية المتشددة قد تعيد النظر فيما أقدمت عليه، خاصة وأنها اقتحمت عدداً من الكنائس وحطمت التماثيل والصلبان وأحرقت الصور ونهبت الأثاث، وآخر الحوادث كان اقتحام دير مار بهنام في ناحية النمرود جنوب الموصل وطرد القساوسة والخدام ورفع الرايات السود عليه.

حتى الساعة ( 11:5) من يوم السبت كانت (أم نائل) في بيتها، فإذا استطاعت أن تتجاهل توسلات الأبناء والجيران وأصرّت على البقاء، فإنها وقفت عاجزة أمام ثلاثة من عناصر الدولة الإسلامية الذين أجبروها على ركوب إحدى العجلات التابعة لهم وانطلقوا بها مسرعين صوب أحد المخارج الشرقية للمدينة.

العجوز هي الأخرى لم تأخذ معها أي شيء، سوى العباءة التي أُجبرت على ارتدائها قبل الخروج من البيت.