مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

المحتجون يطالبون بتغيير النظام:
أربعون يوماً من الاحتجاجات العراقية... السلطة والمتظاهرين يتباعدان

مصطفى حبيب
اربعون يوما مضت على الاحتجاجات في العراق، ويبدو ان المتظاهرين والطبقة السياسية يسيران في طريقين متباعدين، لا تواصل ولا حوار، ولا رؤية واضحة للمستقبل وكل طرف يستعرض قوته حسب طريقته.
6.12.2019  |  بغداد
ساحة التحرير (الصورة: صباح عرار:جيتي)
ساحة التحرير (الصورة: صباح عرار:جيتي)

 

مضت نحو ستة اسابيع على الاحتجاجات الشعبية في بغداد ومدن الجنوب ضد الحكومة، نحو المزيد من التصعيد من الطرفين، إذ يصر المتظاهرون على موقفهم وتزداد اعدادهم ويرتفع سقف مطالبهم، بينما تبدو الطبقة السياسية هي الاخرى مصرّة على الدفاع عن مواقعها بلا اي تنازلات.

 

ورغم اعلان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي استقالته من الحكومة، وهو مطلب اساسي كان المتظاهرون يرفعونه في الاحتجاجات، الا ان التظاهرات لم تتوقف، واعلن المحتجون ان هدفهم ليس الحكومة فقط بل الطبقة السياسية والدستور وقانون الانتخابات، عمليا هم يطالبون بتغيير النظام بشكل كامل.

 

في الاسبوع الماضي ساهم عاملان رئيسيان في تقوية الاحتاجاجات بشكل كبير، الاول استقالة رئيس الوزراء الذي اعتبروه اول انتصار لهم، والثاني عشرات القتلى من المتظاهرين في الناصرية والنجف التي اصبحت قضية رأي عام محلي وعالمي.

 

تحولت التظاهرات والساحات التي تضم الالاف المحتجين الى عزاء قومي كبير، شارك فيه حتى شباب المدن السنية التي لم تشارك في الاحتجاجات في الانبار والموصل وصلاح الدين وديالى، عبر مجالس عزاء في مدنهم.

 

ومع ذلك تبدو الطبقة السياسية مصرّة على مواقفها، ومستعدة للمواجهة بدلا من تقديم تنازلات، فالنقاشات الحامية التي كانت تسبق اختيار رئيس الوزراء بعد كل انتخابات، عادت هذه الايام من جديد عبر قواعد اللعبة ذاتها، غير مكترثين بالاف المتظاهرين في كل مدينة يطالبون بتغيير قواعد اللعبة بشكل كامل.

 

كما هي العادة، وبعد ايام من استقالة رئيس الوزراء، وصل الى العراق القائد في الحرس الثوري الايراني قاسم سليماني، للمشاركة في اختيار رئيس وزراء جديد، في المقابل فان الكتل السياسية العراقية الشيعية والسنية والكردية دخلت في سجالات حادة حول مطالبها من رئيس الوزراء الجديد وكيفية ترشيحه، وما هو برنامجه الحكومي.

 

وابرز السجالات تدور حول المرشحين للمنصب، عشرات الاسماء تداولتها الاوساط السياسية خلال ايام قليلة، اغلبها سياسيون معروفين يعتبرون جزء من الطبقة السياسية، والنقاشات تدور حول ايجاد شخصية مقبولة من حليفا العراق المتصارعين الولايات المتحدة وايران، وكذلك باقي الدول الاقليمية.

 

اما في الشوارع فان الامر يختلف تماما، فالمحتجون يواجهون مفاوضات السياسيين بالضحك والنكتة، ويقولون فيما بينهم ان هذه الطبقة السياسية تعتقد انها باقية، وان اختيار رئيس وزراء جديد بنفس الطريقة سوف يجعلهم راضين، وان تضحيات القتلى المتظاهرين سيتم نسيانها ببساطة.

 

الاسبوع الماضي سقطت الامطار للمرة الاولى هذا الشتاء في بغداد ومدن الجنوب، كانت الحكومة تأمل في ان الامطار والطقس البارد سيجعل المتظاهرين يتعبون ويعودون الى منازلهم، لكن المتظاهرين ظهروا وهم يلبسون ملابس النايلون مستعدين لفصل الشتاء جيدا.

 

حتى الان لم يشكل المتظاهرون لجنة تفاوضية عنهم مع الحكومة، وحتى لو ارادوا ذلك فان المهمة ليست سهلة، الفئة الاكبر من المتظاهرين هم من الشباب والمراهقين بلا خبرة سياسية، كما ان التنسيق بين المحافظات يبدو صعبا، ولكن المتظاهرين يعتبرون ذلك نقطة قوة، ويقولون ان تشكيل لجنة تفاوضية يعني الدخول في مفاوضات طويلة ومراوغة مع الحكومة التي تمتلك خبرة في المماطلة والتسويف لاشهر وحتى سنوات.

 

كما يشعر المحتجون ان تشكيل لجنة تفاوضية قد يتم اغرائها بالمناصب والاموال، ويقومون بيع قضية التظاهرات، كما حصل في التظاهرات السابقة التي شهدتها البلاد خلال العقد الماضي.

 

يطالب المتظاهرون بشكل اساسي في قانون انتخابات جديد يستطيع ان يحقق تمثيل حقيقي للناخبين، وقدموا مسودة اولية، وطلبوا من جميع المتظاهرين في المحافظات المشاركة في ابداء الملاحظات حولها من خلال المحامين والخبراء، في المقابل يناقش البرلمان مسودة قانون اخرى خاصة به، وضعتها القوى السياسية، وكلا المسودتين مختلفة تماما عن بعضها.

 

يسعى المتظاهرون الى تغيير سياسي شامل للنظام القائم، وتم تصميم قانون الانتخابات الخاص بهم ليحقق ذلك ويمنع الاحزاب الراسخة من البقاء او ادارة الانتخابات، في المقابل فان قانون الانتخابات الذي يتم مناقشته في البرلمان تم تصميمه لضمان بقاء القوى السياسية الحالية، وخلال المناقشات لم يتم اشراك متظاهرين او ممثلين عنهم.

 

ومن المنطقي ان الاحزاب الراسخة التي تدير مقاليد الامور ومستفيدة من اموال الدولة عبر الفساد لأكثر من (16) عاما مضت  لن تتخلى عن كل ذلك بسهولة، كما ان مطالب المتظاهرين بتغير النظام يشكل حافزا اخر لهذه الاحزاب في التمسك بمواقعها، لان التغيير الشامل يعني محاسبتهم ومحاكمتهم عما اقترفوه في المدة الماضية، وهو امر لن يسمحوا بتحقيقه بسهولة.

 

في المقابل فان المتظاهرين الذين يطالبون بتغيير النظام الذي اثبت فشله، لا يمتلكون رؤية واضحة لتحقيق ذلك، وتبدو خبرتهم محدودة في مجاراة الطبقة السياسية في المناورة، كما ان بعض طريقة الاحتجاجات في الساحات العامة تكشف عن فقدان الخبرة السياسية، المئات يطالبون باعدام ومحاكمة السياسيين، صنعوا منصة للاعدام ووضعوا عليها دمى مع اوجه سياسيين.

 

ان الشئ الحتمي الذي يرويه تاريخ العراق في العقود السبعة الماضية، يكشف بوضوع ان التغييرات السياسية الكبيرة في البلاد تؤدي الى حملة انتقامات واسعة تعيد البلاد الى احتمالات الاحتراب الداخلي والحرب الاهلية، سقط نظام صدام حسين وحزب البعث، تلتها حملة تصفية واسعة لمئات الالاف من اركان النظام عبر حل الجيش قوانون اجتثاث البعث، حتى الموظف البسيط والشرطي والضابط برتب صغيرة اصبحوا متهمين بانهم جزء من النظام.

 

وقبل ذلك فعل البعثيين عندما استولوا على السلطة عبر تصفية الالاف ممن تم اعتبارهم جزء من النظام الذي سبقهم، وكذلك في العام 1958 الذي شهد سقوط النظام الملكي على يد الضابط عبد الكريم قاسم الذي اعلن قيام الجمهورية، هذا التحول لم يمر بلا عنف، فالملك وافراد من عائلته تم قتلهم وجرهم في الشوارع وتعليق بعضهم على اعمدة الكهرباء في مشاهد مخيفة ما زال العراقيون الكبار في السن يتحدثون عنها، وكيف فتحت باب انتقامات لا تنتهي.

 

اثبت النظام السياسي القائم بعد 2003 فشله الذريع، وحوّل البلاد الى واحدة من الدول الفاشلة في العالم، وتغيير النظام يعني ان الالاف الموظفين وعناصر قوات الامن واعضاء الاحزاب سيتم اعتبارهم خونة وجزء من النظام، ويجب محاربتهم، في المقابل تدرك الطبقة السياسية هذا الامر جيدا، وتحاول منع حصول ذلك، لكنها ترفض تقديم تنازلات ولو بسيطة لتحقيق التغيير السلمي.

 

لا يمكن التكهن بما سيؤول اليه المستقبل في العراق، والحقيقة الوحيدة الان هي ان البلاد تقف على حافة الهاوية، إذ تحاول الطبقة السياسية تشويه سمعتة المتظاهرين عبر اتهامهم بالخيانة والعمالة للخارج لتدمير البلاد وحرق المباني الحكومية، بينما يزيد ذلك من اصرار المتظاهرين على اقتلاع النظام من جذوره.

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.