مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

أزمات متراكمة ومتظاهرون غاضبون:
البصرة قنبلة موقوتة، بوجه من ستنفجر؟

مصطفى حبيب
قبل أربعة أشهر لم تكن مدينة البصرة معروفة سوى بكونها بلدة شيعية مشهورة بإنتاج البترول ولكن ازمات سياسية واقتصادية متراكمة فجرت غضب السكان حتى أصبحت قنبلة موقوتة في المشهد العراقي.
21.12.2018  |  البصرة
احتجاجات البصرة
احتجاجات البصرة

 

الأسبوع الماضي قرر ثلثا أعضاء مجلس محافظة البصرة تغيير محافظ المدينة اسعد العيداني الذي فاز بمقعد في البرلمان الاتحادي، ولكنه ما زال يحتفظ بمنصبه المحلي في مخالفة دستورية، إلا أن أعضاء المجلس فوجئوا بالعشرات من الأشخاص يقفون امام مبنى المحافظة لمنع المجلس من الاجتماع.

 

تمكن اعضاء المجلس من الدخول، وفشلوا في اختيار محافظ جديد، عندما خرجوا فوجئوا بمئات المتظاهرين وهم يغلقون ابواب المبنى، ولم يتمكن المسؤولون المحليون من الخروج الا بعد تدخل قوات الجيش وقوات مكافحة الشغب، ليتبين لاحقا ان السياسيين يحاولون استخدام التظاهرات لصالحهم بعد ان كانوا حتى قبل أسابيع قليلة ضدها.

 

تحالف "سائرون" بزعامة مقتدى الصدر و"الحكمة" بزعامة عمار الحكيم ابرموا صفقة سياسية لتقاسم مناصب الحكومتين المحليتين في بغداد والبصرة، يحصل "سائرون" على منصب محافظ بغداد وهو ما حصل قبل أسبوعين، فيما يحصل "الحكمة" على منصب محافظ البصرة، وهذا لم يحصل حتى الآن.

 

في البداية تجمع عدد من انصار المحافظ لمنع اعضاء مجلس المحافظة من عقد جلسة إقالته كما يقول الناشط المدني محمد الحجاج، ويقول لـ "نقاش" ان "المتظاهرين الذين يطالبون بالخدمات انضموا لاحقا الى احتجاجات قرب أبواب مجلس المحافظة، في البداية كان هناك العشرات وهم تابعون الى أحزاب".

 

ويوضح الحجاج "كلام المحافظ اسعد العيداني بان المتظاهرين المطالبين بالخدمات وقفوا الى جانبه ضد مجلس المحافظة غير صحيح، اننا ضد المحافظ ومجلس المحافظة، الجميع متورطون بالفشل في إدارة المدينة والأوضاع الاقتصادية والخدمية السيئة، بعد نجاح احتجاجاتنا الصيف الماضي وخوف السياسيين منها، يريدون الآن تسييسها لصالحهم، هذا الأمر لن يحصل".

 

بعد انضمام المتظاهرين المطالبين بالخدمات الى الاحتجاجات وهم يلبسون السترات الصفراء ورفعوا شعارات ضد الحكومة المحلية، قالت احزاب ان التظاهرة ضد المحافظ.

 

في تموز (يوليو) الماضي اندلعت اكبر احتجاجات شعبية في جنوب العراق الذي تقطنه الغالبية الشيعية، بدأت شرارة التظاهرات من البصرة وامتدت الى محافظات الجنوب احتجاجا على سوء الخدمات وتلوث مياه الشرب وانعدام الكهرباء.

 

التظاهرات خرجت عن السيطرة واحترقت مقرات الاحزاب والفصائل الشيعية القريبة من ايران، وكذلك قنصليتها في المدينة في مشهد فاجأ العالم، اذ طالما كانت البصرة المعقل الاساسي للأحزاب الشيعية الحاكمة والفصائل المسلحة القريبة من ايران والمورد البشري الاهم لمقاتليها، كيف اصبحت مناهضة للسلطة الحاكمة فجأة.

 

عوامل عدة تجمعت معاً على مدى سنوات حتى انفجر الوضع أخيراً، وأصبحت البصرة الشغل الشاغل للسياسيين والحكومة والبرلمان، بعد أسبوع على توقف الاحتجاجات في البصرة خضع السياسيون العراقيون تحت ضغط المحتجين للإسراع في اختيار رئيس البرلمان الذي ذهب بعد يوم على انتخابه مع وفد نيابي كبير الى البصرة لتهدئة السكان، كما ان رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وضعوا البصرة في اولوية اهتماماتهم.

 

تكمن اهمية البصرة في انها تحوي نحو 80% من النفط الذي يصدره العراق الى الخارج والبالغ الان نحو اربعة ملايين برميل يوميا، ويعتمد الدخل القومي العراقي ونفقات الموازنة على النفط بنسبة تصل الى نحو 97% وهو ما يجعل البصرة الدجاجة التي تبيض الذهب للعراق.

 

وتعد البصرة المنفذ البحري الوحيد للعراق وفيها اهم الموانئ في الشرق الاوسط، "ام قصر"، "خور الزبير"، "الفاو الكبير"، "المعقل"، "ابو فلوس"، ومن هذه الموانئ يصدر العراق نفطه وتأتي الواردات الخارجية الى البلاد.

 

بشريا، تعتبر ثالث اكبر مدينة في العراق من حيث عدد السكان ويبلغ تعدادها 2.7 مليون نسمة بعد بغداد والموصل، وبرغم هذه الموارد الطبيعية والاقتصادية والبشرية الا ان سكانها يعيشون في ظروف معيشية سيئة، تفاقمت الاوضاع مؤخرا اثر تلوث مياهها بعدما بدأت مياه بحر الخليج المالحة بالزحف نحو المدينة بسبب تراجع مناسيب نهري دجلة والفرات التي كانت تدفع مياه البحر في السابق وتحمي المدينة من التلوث.

 

احتجاجات البصرة

تحالف نادر غير معد له بين ثلاث فئات اجتماعية متناقضة توحدت معا في الاحتجاج ضد السلطة وشاركت معا في التظاهرات التي استمرت نحو شهرين حتى خرجت المدينة عن سيطرة الحكومة لأيام في سيناريو يشبه سقوط الموصل ولكن الجماهير هم الذين تحكموا في المدينة وليس متطرفين.

 

الطبقة الاولى هم الفقراء من العامة وهم الاكثرية وينتمون الى القبائل والعشائر الكبيرة المعروفة في البصرة، وهم الذين أشعلوا شرارة الاحتجاج عندما توجهت اولى مجموعة من المتظاهرين الى ابواب شركات النفط العالمية العاملة في البصرة، واقتحموا البوابات في سيناريو خطير كاد يهدد الصادرات العراقية.

 

الطبقة الثانية هم الناشطون المدنيون ومنظمات مجتمع مدني نشطت منذ العام 2015 بشكل واسع، ونفذت المئات من الحملات التطوعية وورش التدريب على حقوق الإنسان، وانضمت إلى التظاهرات، وهي التي تكفلت بمهمة إطلاق الهاشتاغات وصور الاحتجاجات، ونقلت أوضاع الاحتجاجات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهي الطبقة المعتدلة التي لم تتورط في عمليات الحرق وسعت إلى إدانتها.

 

الطبقة الثالثة التي تمثل الطبقة الوسطى من سكان المدينة من التجار ورجال الاعمال المستقلين الذين يتطلعون للمشاركة في اعمار البصرة عبر استثمارات نزيهة وشفافة، ولكنهم ضاقوا ذرعا بتدخل الأحزاب الحاكمة على الصفقات والمقاولات والتي يتم تقاسمها مناصفة بين مكاتب اقتصادية داخل كل حزب، مهمة هذه المكاتب تقاسم المقاولات، وهي السبب في فساد المشاريع وعدم كفاءتها.

 

شاركت هذه الطبقة في دعم التظاهرات بشكل غير مباشر عبر تبني مطالب المحتجين والحوار الهادئ مع الحكومة لنقل المشكلات الحقيقية ومعالجتها.

 

خوف من المستقبل

بعد تراجع الاحتجاجات، تعرض العديد من الناشطين والمشاركين في التظاهرات إلى اغتيالات واعتقالات زرعت الخوف لدى المتظاهرين، ولكن الأسبوع الماضي ظهرت ملامح تظاهرات جديدة، وتسعى الاحزاب السياسية لدعمها خشية تكرار أحداث الصيف الماضي.

 

تحديات سياسية واقتصادية وادارية كبيرة تواجه البصرة ومعها محافظات الجنوب، ابرزها فشل نظام الادارات المحلية في هذه المحافظات، اذ تطالب هذه المحافظات بتطبيق النظام اللامركزي بينما تتهرب الحكومة الاتحادية في بغداد من قبول ذلك، ولكن أيضا فان هذه الإدارات المحلية لا تمتلك خبرات إدارية كافية لإدارة صلاحيات كبيرة.

 

ومثلا عند تطبيق بعض بنود قانون صلاحيات المحافظات ظهرت مشكلات في الادارة والفساد الاداري والمالي، وهناك حاجة الى تدريب وتأهيل الكوادر المحلية وتثقيف السكان على النظام اللامركزي عنصر مهم واساسي لاستقرار جنوب البلاد.

 

المشكلة الاخرى هي الصراعات القبلية بسبب عادات وتقاليد حول الزواج والتجارة، وثانية بسبب الصراع على الاراضي الزراعية او المياه الشحيحة اذ ان هذه العشائر تعتمد اساسا على الزراعة، وللمرة الاولى في تاريخ العراق اضطرت بعض العشائر الصيف الماضي الى النزوح لمناطق اخرى بحثا عن المياه ادت الى اشتباكات مسلحة، ومؤخرا قررت الحكومة اعتبار النزاعات العشائرية جريمة إرهابية بموجب القانون.

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.