مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

لو لم اكتب لكانت هناك رواية واحدة:
مدوّن الموصل: تعلمت الحصانة الرقمية من النت كي لا يكشفني داعش

مصطفى حبيب
في مثل هذه الأيام قبل أربع سنوات كان المدون عمر محمد والملايين من سكان الموصل تحت وقع الصدمة وهم يشاهدون مدينتهم في فوضى عظيمة بعدما انسحب الجيش ويحل محله المتطرفون، جثث منتشرة، وسكان هاربون من منازلهم.
21.06.2018  |  برلين

 

تمكنت قوات الأمن العراقية من استعادة السيطرة على الموصل بعد معركة شرسة وطويلة استغرقت تسعة أشهر كان ثمنها باهظا، آلاف القتلى، وأحياء كاملة سويت بالأرض مازالت تحتضن جثث ساكنيها حتى اليوم، ولكن هذا الثمن كان عنصرا أساسيا لإعادة ترميم الوحدة العراقية التي تعرضت للانهيار بعد العام ٢٠٠٣ كما يقول المدون عمر محمد الذي قرر محاربة داعش على طريقته من خلال التدوين.

 

عمر أستاذ التاريخ في جامعة الموصل جازف بحياته وقرر أن يكون مراسلا بعدما انقطعت أخبار الموصل عن العالم وأصبح مصدر الأخبار الوحيد هو إعلام داعش الذي سعى إلى إخفاء مجازره.

 

مراسل "نقاش" اجرى مقابلة مع عمر محمد خلال مشاركته في "منتدى الاعلام العالمي" في مدينة "بون" الألمانية ضمن جولة عالمية يقوم بها لتعريف العالم بتاريخ مدينته وما عانت منه خلال احتلال داعش وما يجب ان يقوم به المجتمع الدولي لإعادة الحياة الى مدينته.

 

نقاش: ماذا حصل في الموصل في مثل هذه الأيام قبل أربع سنوات، الروايات ما تزال متضاربة، هل كنت في المدينة آنذاك؟

عمر: بدأت الأحداث يوم ٥ حزيران ٢٠١٤، داعش هاجم مدينة سامراء، ولكن السلطات الأمنية فرضت حظر التجوال في الموصل، بقينا في منازلنا نسمع أخباراً متناقضة مع أصوات إطلاق رصاص قريب وبعيد، وبعد يوم ساد هدوء غريب وبدأ السكان يخرجون الى الشوارع لمعرفة ما يجري، ولكن انفجارا عظيما استهدف فندق الموصل الدولي مساءً اثار الرعب في المدينة ليتبين ان التفجير استهدف قيادة الجيش التي تمركزت في الفندق، بعد هذا التفجير أصبح الجانب الأيمن للمدينة تحت قبضة داعش تماما.

ولكن الجانب الأيسر ما زال تحت قبضة الجيش الذي بدأ بقصف الجانب الأيمن وفق معلومات خاطئة كان يزودهم بها شخص يدعى محمد عبد السلام ابو طه يعمل مع القوات الأمنية، ولكن تبين لاحقا انه يعمل مع داعش ايضا، وكان يعطي معلومات خاطئة للجيش عن أماكن الإرهابيين فسقطت القنابل على السكان المدنيين ولهذا زاد غضب الأهالي على القوات الأمنية وهذا ما كانت تسعى اليه داعش، استخدمت الجيش لمصلحتها.

 

نقاش: وماذا حدث في يوم سقوط الموصل؟

عمر: في يوم ١٠ حزيران أكمل داعش سيطرته على الجانب الأيسر، وتسارعت الأحداث بشكل دراماتيكي، فهناك نقاط إعلامية تنتشر في الأحياء، وتم إطلاق سراح السجناء وانضم الكثير منهم الى الإرهابيين، كما تم إعدام العشرات من سكان المدينة الذين كانوا يعتبرون اعداء للإرهابيين، وفي ١٣ حزيران أصدر داعش وثيقته الشهيرة بوثيقة المدينة ليعلن بشكل رسمي للعالم ولسكان الموصل ان التنظيم احكم سيطرته على المدينة.

الغريب أن القنصلية التركية لم تغادر المدينة، كما ان تصريحات أطلقها محافظ المدينة آنذاك تطمئن السكان ان ما يجري سينتهي خلال وقت قصير دفع ملايين السكان إلى اتخاذ قرار بعدم مغادرة المدينة، ولكن بعد شهر من ذلك التاريخ ظهر زعيم داعش في خطبة ليكتشف السكان انهم أصبحوا سجناء في سجن كبير اسمه الموصل.

 

نقاش: لماذا قررت التدوين عما يجري في الموصل؟

عمر: لو لم اكتب لما كانت هناك رواية حقيقية لما جرى داخل الموصل، كتبت بطريقة مهنية بعيدة عن العواطف قدر الإمكان، انقل ما اشاهد وأقيس المسافات واكتب الأسماء بدقة لان ما يجري مهم، ولو لم اكتب لكانت هناك رواية واحدة فقط هي رواية داعش.  

 

نقاش: كشف أعمال داعش مهمة خطيرة في مدينة يسيطر عليها المتطرفون ويتحكمون بجزء كبير من أجهزة الاتصال والانترنيت وكان من الممكن ان يكتشف أمرك خصوصا وأنك كنت الصوت الوحيد الذي يمثل مصدر أخبار من خارج داعش، كيف تصرفت حيال ذلك؟

عمر: نعم هذا صحيح، ولهذا بدأت أطور مهاراتي في الحماية الرقمية عبر تصفح المواقع المختصة على الانترنت كي احمي نفسي من الاختراق ومن اكتشاف مكاني وكنت أتجنب الدخول إلى مواقع الكترونية كثيرة وكان عندي جهازا حاسوب اثنان، كنت اضع الجهاز الأول في مكان واضح كي ابعد الشبهة عني حينما يقوم عناصر التنظيم بعمليات التفتيش المفاجئ لأنهم لا يصدقون ان أحدا لا يمتلك جهاز حاسوب ولم اربطه بالانترنت، أما الجهاز الثاني الذي كنت انجز عليه تدويناتي فكنت أخفيه في مكان سري.

وطورت من مهاراتي في التعبير والكتابة، وهذا جعل داعش مشوشين، هل هو ولد أم بنت؟ هل هو مسيحي ام مسلم وهذا الأمر وفر حماية لي.

 

نقاش: بعض الأخبار التي نشرتها خلال تلك الفترة تضمنت معلومات دقيقة وحساسة، كيف حصلت عليها؟

 عمر: اعتمدت في ما نشرته على مشاهداتي الشخصية، كنت اخرج من المنزل صباحا وأعود مساءً أجوب خلال ذلك أرجاء المدينة وخصوصا اسواقها واحاول التصوير قدر الإمكان وكان سائقو التاكسي مصدرا مهما للمعلومات فهم يجوبون أرجاء المدينة ويسمعون أحاديث لعشرات من ركابهم، كما أن هناك أشخاصا اعرفهم منذ سنوات انضموا الى داعش بينهم احد من طلبتي في الجامعة، حاولت إبقاء العلاقة معهم ولكن بحذر ودون أن يشعروا أني أريد الحصول على معلومات لأنهم يرتابون لذلك.

 

نقاش: هل واجهت الموت؟

عمر: مرتين، الأولى عندما سمعت خبرا مهما من احد عناصر داعش حول مقتل العشرات من قادتهم في غارة جوية أميركية نشرتها فورا على صفحتي ولكن بعد مدة قصيرة شعرت بخطورة ذلك لان الإرهابي المذكور روى الحادثة ولم يكن هناك سوى بضعة أشخاص أنا واحد منهم وكان من الممكن اكتشاف أمري بسهولة ولهذا قمت بحذف الخبر من صفحتي بعد ساعات على نشره.

المرة الثانية كنت ذاهبا الى المنطقة الصناعية في منطقة وادي عكاب حيث يمتلك خالي ورشة تصليح، اثناء طريقي تم قصف واحد من اكبر مقرات داعش في المدينة وقمت بتصوير القصف والدمار ونسيت أن المكان ينتشر فيه عشرات الإرهابيين وكان من الممكن أن يكتشفوا أمري، في كل ليلة كنت اشعر أنهم سيكتشفون أمري او انهم اكتشفوا أمري لكنهم يتلاعبون معي وهو إحساس مخيف وكان قلقي الأكبر على عائلتي.

 

نقاش: بعد انتهاء المعارك قررت الكشف عن هويتك، كيف كانت ردود أفعال المقربين منك؟

عمر: أمي فوجئت كثيرا ولم تكن تعلم بما كنت أقوم به رغم أنني كنت أرافقها الى الأسواق من اجل التصوير وطلبتي في الجامعة أيضا والأشخاص الذين عملوا مع داعش وهم مازالوا أحياء، فالفيديو الأخير الذي أصدره داعش حول أعداء دولة الخلافة اعتبرني من اشد أعدائهم ولم يكونوا يتصورون أن شخصا سنيا من الموصل هو من كان ينقل أخبارهم وليس شيعيا او مسيحيا.

 

نقاش: معركة تحرير الموصل كانت طويلة ومكلفة ماديا وبشريا، كيف رأيت المعركة؟

عمر: أبرز نتائج المعركة انها قربت العراقيين الى بعضهم وعرّفتهم عن الموصل التي كان ينظر اليها منذ عام ٢٠٠٣ على انها مدينة ضد العملية السياسية ورافضة للحكومات العراقية، كما ان المعركة أحدثت تغييرا داخل المجتمع السني في المدينة، للمرة الأولى بدأت شخصيات اجتماعية بارزة يشعرون بأهمية وجود تمثيل حقيقي للموصل داخل البرلمان بعد أن كانوا مقاطعين لفكرة الانتخابات.

 

نقاش: الجانب الأيمن من المدينة تعرض الى دمار شامل، ولا يبدو ان هناك إعمارا حقيقيا، ما السبب؟

عمر: الجانب الدولي مفقود في الموصل، المعركة كانت معركة دولية شارك فيها الجميع وبعد انتهائها تخلى عن المدينة بينما كان من المفترض ان تكون هناك ورش اعمار سريعة، المجتمع الدولي حاول التغطية على الدمار الهائل في الجانب الايمن عبر تركيز الإعمار وبعض مشاريع الاعمار في الجانب الأيسر وإهمال الجانب الأيمن الذي يمثل مركز الموصل وبلدته القديمة التي تحوي تراث وتاريخ المدينة.

والحل الوحيد لإعمار الموصل هو اعتبار داعش إرهابا دوليا والعراق كان أكثر المتأثرين بسببه، لماذا يجب ان يتحمل العراق لوحده مسؤولية نحو ٢٥ ألف إرهابي أجنبي دخلوا البلاد ودمروها؟

 

نقاش: المجتمع الدولي يحاول المساعدة ولكن ألا تعتقد بان إجراءات الحكومة العراقية والنظام البيروقراطي والفساد يمنعان ذلك؟

عمر: هذا صحيح تماما فالعراق لديه أزمة تمثيل دولي والصراعات الداخلية تمنع وجود قرار دبلوماسي خارجي موحد، العراق يريد ان يقول للعالم انه قادر على حل مشكلاته بعد التحرير ولكن ذلك غير صحيح، فهو بحاجة الى وصاية دولية خصوصا في المناطق التي احتلها داعش، وبهذا ستشعر الحكومة الاتحادية في بغداد براحة في العمل والالتفات الى مشكلات اخرى مثل الخدمات والتعامل مع الميليشيات والفساد المالي.

 

نقاش: من المثير ان سكان الموصل كانوا متطلعين بشدة للمشاركة في الانتخابات رغم الدمار والخراب، ما رأيك؟

 عمر: الانتخابات الأخيرة كانت مهمة ومختلفة عن الانتخابات السابقة منذ العام ٢٠٠٣، انها تتعلق بالوعي الذي تطور حول اهمية الانتخابات في التغيير بعدما كانت الانتخابات لا تعني الكثير للسكان، وهذا التطور احد نتائج المعركة، المعارك قد تجلب الدمار ولكنها قد تعلق وعيا اجتماعيا ايجابيا للسنوات المقبلة.


نقاش: بعدما كنت داخل الموصل تنشر ما يفعله المتطرفون، الآن أنت خارج المدينة وتقوم بزيارة دول ومدن أوربية عدة، ما هدفك الآن؟

 عمر: هدفي أن انقل الموصل من الجانب المحلي إلى العالمي، تعريف المجتمع الدولي بالموصل وما عانته لأن اسم الموصل ارتبط في أذهان الغرب مع داعش ولا يعرفون تاريخ المدينة العريق ثقافيا واجتماعيا، بدأت خطوات نحو ذلك عبر بوابة الثقافة والفن والموسيقى، قمنا بحملة كبيرة حول الكتب بعد كارثة احتراق المكتبة المركزية، العديد من الدول والمدن والجامعات العالمية تفاعلت مع ذلك وشاركوا في إعادة تأهيلها وفي غضون أسابيع سيبدأ  مشروع مهم هو دعوة شخصيات ثقافية عالمية إلى زيارة الموصل فضلا عن نشاطات موسيقية للتعريف بالمدينة.

 

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.