مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

السياسات الوطنية تتحدى السلام في بعشيقة

كرستين فان دن توم
منذ حوالي عقد من الزمن تجنبت بعشيقة المدينة الصغيرة التي تبعد 30 كيلو متراً فقط عن مدينة الموصل تجنبت العنف الذي ابتليت به بقية المناطق في البلاد، لكن السلام في المدينة المتعايشة بات اليوم مهدداً.
6.12.2012  |  السليمانية
Bashiqa\'s skyline with church and mosque side by side. Photos: C. van den Toorn
Bashiqa\'s skyline with church and mosque side by side. Photos: C. van den Toorn

وفي نهاية شهر تشرين أول (أكتوبر) الماضي انفجرت سيارتان مفخختان في منطقة تقع خارج نقطة التفتيش الرئيسية في المدينة وأسفرتا عن مقتل ثلاثة أشخاص وعن إصابة أكثر من 20 شخص بجروح.

وخلال عطلة العيد تم اكتشاف سيارتين مفخختين في القرى الريفية التي يسيطر عليها الشبك حول بعشيقة، انفجرت واحدة منهما ولكنها لم تتسبب بأية إصابات، وتم اكتشاف السيارة الثانية قبل أن يتمكن مفخخوها من تفجيرها.

كان سكان بعشيقة المحليون يفتخرون ويقولون أن الانفجارات قد شملت جميع مناطق العراق "إلا بعشيقة". فلماذا انتقل العنف ليشمل هذه المدينة بعد أن نعمت لسنوات عديدة بنعمة الأمن؟.

جميع أبناء بعشيقة أو "العراق الصغير" كما يسميها السكان لديهم تفسير واحد لهذه التفجيرات وهي أن الذي يقف وراءها هم أشخاص من خارج المدينة وهم يريدون النيل من بعشيقة، ويعتقد السكان المحليون بان هذه التفجيرات هي من صنع بغداد أو أربيل، أي من صنع العراق أو إقليم كردستان لدفع أهالي المدينة بطريقة أو بأخرى، لدعم أحد طرفي النزاع.

ولكن، بالنسبة للسكان المحليين على الأقل، فما زالت الأمور غامضة وهم لا يعرفون الجهة التي تريد أن تدفع بالناس وبأي اتجاه تريدهم أن يسيرون.

كثيرا ما وُصفت بعشيقة بأنها "عراق مصغر" أو "العراق الصغير" بسبب تنوع سكانها وتعايشهم السلمي، وأصبحت هذه المدينة المثال المصغر للقضايا الأكثر إثارة للجدل التي تواجه الأمة الأكبر مثل الفيدرالية والمناطق المتنازع عليها، والأمن والطاقة والهوية السياسية.

وتمتعت مدينة بعشيقة تاريخيا بحياة مسالمة وكانت منيعة على السياسة والسياسات العدائية، وسبب ذلك في الغالب يعود إلى وجود هوية محلية قوية وعلاقات مجتمعية راسخة وعميقة بين سكان المدينة.

فالمجتمع في بعشيقة هو مجتمع متنوع، في وسط المدينة يعيش اليزيديون والمسيحيون والمسلمون السنة ويشكل اليزيديون الغالبية العظمى من السكان حيث تصل نسبتهم إلى 70 في المائة من سكان المدينة. أما الشبك، والذين يقدر عددهم بحوالي 100 ألف، فهم يشكلون حوالي 90 في المائة من سكان المناطق النائية في جميع أنحاء بعشيقة والتي يتشاركون العيش فيها مع المسيحيين والأكراد والعرب.

معظم الموسيقى المحلية والشعر والرقص والطعام وأنماط الملابس ليست حكراً على مجموعة واحدة، بل هي ملك للمدينة بأجمعها – انها تقاليد بعشيقية.

ولغة أهل المدينة البعشيقية العربية هي الأخرى لغة فريدة من نوعها في جميع أنحاء العراق، ويرتبط اسم بعشيقة مع الشراب المحلي "العرق" لان بعشيقة، وحتى عام 2003، كانت المورد الرئيسي لهذا النوع من الكحول القوي للبلاد بأكملها.

ويذهب الكثيرون من أهالي نينوى واقضيتها ونواحيها إلى بعشيقة للشرب والاسترخاء، وفي الواقع فإن السيارتين اللتين انفجرتا مساء 31 تشرين الأول (أكتوبر) كانتا موضوعتين خارج بار محلي شعبي يرتاده هؤلاء الزوار.

"هناك أمران لا نهتم بهما في بعشيقة هما الدين والسياسة" يقول أحد قادة بعشيقة الدينيين، واستطرد "أعني بعدم الاهتمام أن هذين الموضوعين لا يؤثران على قوة العلاقات المحلية والمجتمعية".

تمكنت هذه الأنواع من الديناميات من المحافظة على السلام في بعشيقة خلال الفترات الأكثر إثارة للجدل في العراق، وفي عام 2007 عندما تم ذبح ركاب حافلة تقل عمالاً يزيديين جاءوا من بعشيقة في الموصل من قبل متطرفين يدعون الإسلام، قام اليزيديون في بعشيقة بحماية مسجد المسلمين في مدينتهم خشية "أن يأتي شخص من خارج المدينة للانتقام" حسب رواية رجل من سكان المدينة.

على مر تاريخ هذه المدينة، إحتلت بعشيقة بالنسبة لأهلها المرتبة الأولى وكانت فوق كل الولاءات الأخرى، ومع ذلك فقد شكلت التغييرات الأخيرة تحديات للسلام الذي تتمتع به هذه المدينة وللهوية الجماعية لأهاليها بأكثر من طريقة.

فمكانة بعشيقة الجديدة كواحدة من المناطق المتنازع عليها وإدراجها ضمن عقد النفط المثير للجدل الذي وقعته حكومة إقليم كردستان العراق التي تتمتع بحكم شبه ذاتي مع شركة اكسون موبيل هو واحد من الأمثلة على هذه التحديات الجديدة التي تواجه المدينة.

أما التنافس على أصوات الناخبين في انتخابات المجالس المحلية والتي ستجري في العراق في نيسان (ابريل) المقبل لن تعمل إلا على زيادة حدة هذه الديناميات.

كانت منطقة بعشيقة منطقة من مناطق الموصل منذ تشكيل العراق في عام 1919 وترتبط اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً بمدينة الموصل وبالعراق الفيدرالي، ومن الناحية الجغرافية هي قريبة من الموصل، وبما أنها بلدة ناطقة باللغة العربية فهي ترتبط لغويا بالعراق الاتحادي.

في نفس الوقت غالبا ما يقول السكان المحليون بإنهم سيصوتون على الأرجح للانضمام إلى كردستان العراق إذا ما أجبروا على الاختيار، فالمناطق التي يهيمن عليها اليزيديون حول بعشيقة ومعظم اليزيديين في المنطقة، باستثناء هؤلاء الموجودين في بعشيقة يتحدثون اللغة الكردية، ويعتبرون أنفسهم أكراد ثقافياً.

من أهم الأسباب التي جعلت الناس في بعشيقة تميل تدريجيا نحو كردستان العراق، وتبتعد عن الموصل وبقية العراق منذ عام 2003، إغراءات الأمن والوظائف والخدمات الحكومية.

فهناك بين (20 – 30) في المائ من أهالي بعشيقة الذين يوظفهم اليوم أحد الحزبين الكرديين (الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني)، أما الوظائف الرئيسية التي يعملون فيها فهي في مجال التدريس والشرطة.

ويعمل عدد كبير آخر من سكان بعشيقة في كردستان العراق نفسها، في مدن مثل دهوك والسليمانية واربيل كعمال أو في مجال الخدمات، وعلى الرغم من أن بغداد هي التي تؤمن كهرباء البلدة ومياهها، إلا أن الخدمات البلدية الأفضل الموجودة في المدن العراقية المجاورة التي يسيطر عليها الأكراد مثل شيخان، هي موضوع نقاش مستمر.

وغيّرت هذه القضايا من ولاءات الناس والذين كانوا في السابق موالون للعراق وأصبحوا اليوم أكثر ميلاً لإقليم كردستان، ويقول الكثيرون من السكان المحليين وبوضوح شديد بأنهم "سيصوتون لمن يعطيهم وظائف".

أحد السكان المحليين، الذي عرف نفسه بأنه بعشيقي يزيدي عراقي قال لـ"نقاش" "لا يهمني أن أكون عراقيا، لا يهمني العراق ولا تهمني كردستان، ما يهمني هو توفر الخدمات والتنمية".

ويعترف السكان المحليون بوجود تضارب في الولاءات في بعشيقة فهناك اشخاص توظفهم السلطات الكردية العراقية وهناك أيضا من توظفهم الحكومة في بغداد.

ولكن مع تقديم هذه الوظائف جاءت المحاولات الخفية والواضحة لجعل بعشيقة كردية الطابع، ولقد احتج السكان المحليون عندما قال الحزب الديمقراطي الكردستاني أن على المدارس أن تدرس اللغة الكردية في بعشيقة.

رغم تراجع الحزب عن مطالبه إلا أن المعلمين الذين توظفهم حكومة كردستان العراق في بعشيقة مجبرين على إعطاء عدد معين من الدورات باللغة الكردية ويتم تشجيعهم على إرسال أطفالهم وأبنائهم إلى المدارس والجامعات التي تعتمد اللغة الكردية في كردستان العراق.

يتذكر أحد السكان كيف أنه اعترض على وضع العلم الكردي على سطح مدرسته فقيل له أن يسكت قبل أن يضع الجميع في مأزق، مثلما تم وضع علم كردي ضخم في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي عند مدخل المدينة على بعد أمتار قليلة من المكان الذي انفجرت فيه السيارات المفخخة.

قبل عام من اليوم كثفّت حكومة إقليم كردستان مطالبتها ببعشيقة، وضمنتها في عقد النفط المثير للجدل المبرم مع شركة النفط اكسون موبيل متعددة الجنسيات وهو العقد الذي أعلنت بغداد من قبل عدم قانونيته.

كان هذا أول عقد تتجرأ السلطات الكردية العراقية على توقيعه مع شركة نفط دولية كبيرة، وأثارت هذه الخطوة غضب رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي لاسيما بعد مباركة محافظ نينوى، أثيل النجيفي للصفقة.

وكما بدأت نينوى بالخروج من تحت سيطرة بغداد وصفقات النفط مثل الصفقة الموقعة مع اكسون موبيل، فإن الحكومة الاتحادية ستقوم بالتأكيد بالبحث عن سبل أخرى لممارسة المزيد من السيطرة على المحافظة، خاصة قبل انتخابات المجالس المحلية التي ستجري في نيسان (ابريل )2013.

ومن المحتمل أن تكون بعشيقة – وهي من المناطق المتنازع عليها، وهي الآن جزء من الصفقة مع اكسون موبيل - مكانا جيداً للمالكي لبدء تلك الحملة.

ويدرك الناس في بعشيقة ادراكاً تاما بأن هناك معركة تخاض من خلالهم بين أربيل وبغداد وأن حالة عدم الاستقرار الناتجة عن هذه التفجيرات قد تدفع بأهل المدينة كي يدعموا واحدا من الطرفين أو الآخر.

بالنسبة لسكان بعشيقة، فإن الدم أغلى من السياسة العراقية والنفط الكردي، على الأقل في الوقت الراهن. فالسكان المحليون قلقون من حدوث المزيد من عمليات القتل والإصابات ولكنهم أقسموا بأنهم سيضعون بلدتهم وشعبها على رأس سلم اولوياتهم.

"ما يهمني هو بعشيقة، لا العراق ولا كردستان" قال أحد سكان بعشيقة قبل أن يقدِّم خياراً بديلاً آخر ولكنه لم يكن خياراً واقعيا على الإطلاق حيق قال "إذا ما استمرت بغداد وكردستان على هذا النحو ستقوم بعشيقة بإخراج جميع الأحزاب السياسية وستقيم دولتها الخاصة بها".

لا تملك بعشيقة سوى خيار الاستمرار في تساؤلاتها حول هوية اولئك الذين وضعوا المتفجرات والأسباب الكامنة وراء انتقال العنف إليها، فأهالي بعشيقة يعرفون أن هذه الهجمات، إذا ما كانت مجرد جولة أولى في دوامة العنف التي تسبق الانتخابات المحلية والتي تهدف إلى حشد الدعم لجماعة سياسية أو لأخرى، فإن شتاءهم سيكون طويلا جدا في "العراق الصغير".