مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

السر الذي يعرفه الجميع (2_2)
ادفع للدولة الإسلامية أو تقتل

نوزت شمدين
25.01.2012  |  الموصل
A construction project underway. Al-Qaeda are thought to be extorting a percentage of the cost of many similar projects in Mosul.
A construction project underway. Al-Qaeda are thought to be extorting a percentage of the cost of many similar projects in Mosul.

لدى التنظيم المسلّح في مدينة الموصل "جهاز ضريبي" من نوع خاص. فكل صاحب مهنة مهما صغر شأنه أو علا، يدفع نسبه محددة من دخله الشهري لعناصر التنظيم، كما أن مؤسسات الدولة تدفع هي الأخرى. هذا سرّ يعرفه الجميع، لكن أحدا لا يجرؤ على البوح به.

فيما يلي الجزء الثاني من تحقيق خاص أعده مراسل "نقاش" حول سيطرة "دولة العراق الإسلامية" على مدينة الموصل.

الحكومة في وضع حرج

لا يخضع المواطنون وحدهم الى دفع الأتاوات لتنظيم "دولة العراق الإسلامية" في الموصل، بل دوائر الدولة نفسها تفعل ذلك، لكن بطريقة غير مباشرة ومن خلال وسطاء.

فقبل سيطرة القاعدة على المدينة أواخر العام 2004 كانت الدوائر الفنية في مجلس محافظة نينوى تنفذ النسبة الكبرى من المشروعات الخدمية بنفسها، وتعتمد على المقاولين في المشروعات الكبيرة فقط، لكن جميع الأعمال الخدمية تعطّلت في يوم واحد.

"فجأة وجدنا نفسنا في موقف حرج"، يوضح موظف مختص في احد الدوائر الفنية، "فمن غير الوارد ان ندفع مبالغ نقدية لتنظيم إرهابي، ومن غير الممكن أن نبقى متفرجين على أعمالنا متوقفة وموظفينا يتساقطون قتلى الواحد تلو الآخر".

خلال السنوات الماضية سجلت هذه المدينة سلسلة طويلة من عمليات الاغتيال راح ضحيتها مدراء وموظفون رفضوا الخضوع لابتزاز التنظيم.

وقد ورد في قائمة حصلت عليها "نقاش" من مصادر أمنية مجموعة من اسماء المدراء الحكوميين اغتالتهم القاعدة، منهم مدير التسجيل العقاري درواز نذير محمود الذي قتل أمام منزله في حي الرفاعي (2006)، ومدير المنتجات النفطية الذي اغتيل داخل منزله في حي الصديق (2006)، ومدير البنك المركزي خير الدين صبري المقتول مع أحد مرافقيه أمام منزله في حي الحدباء (2007)، ومدير بلدية الموصل خالد محمود مع سائقه في حي البلديات (2008)، ومدير دائرة الأحوال المدنية رياض جار الله بالقرب من دائرته في باب سنجار (2008) ومديرة التسجيل العقاري (خليفة المدير السابق درواز) خولة السبعاوي بالقرب من منزلها في حي الوحدة (2011(.

وبما أن قيام مؤسسات الدولة بدفع الإتاوات إلى التنظيمات الجهادية "كان أمرا مخجلا بمثابة الفضيحة، فكان عليها أن تجد من يفعل ذلك نيابة عنها"، يتابع الموظف الحكومي. هكذا "قررت الحكومة الاعتماد بشكل كلي على أسلوب المقاولات".

المقاولون الكبار هربوا

مقاول متخصص في مجال البناء، متعاقد مع الحكومة، روى لـ "نقاش" كيف أنه وزملاءه يدفعون إلى أشخاص يحملون أسماء حركية ويتنقلون بشكل علني، وأنهم يتفاوضون معهم مع كل مقاولة يدخلونها.

يقول المقاول "يضعون في الغالب رقماً غير قابل للنقاش، تتراوح بين 10 و15 بالمئة من قيمة المشروع، وعادة ما نجدهم يعرفون كل شيء عن المشروع، محل تنفيذه، مع تكاليفه، ومقدار الربح الذي سنجنيه، لذلك نتجنب المراوغة، لأنها قد تكون مميتة".

ويشير المقاول أن تنظيم "دولة العراق الإسلامية" يشترط استلام دفعات الأموال كما وردت في العقود، "وإذا ما تأخرت الحكومة عن تسليمنا، سيكون علينا تدبر امرنا وإلا نكون في مأزق".

هذا الضغط المالي والأمني، دفع معظم شركات البناء ذات الخبرة والكفاءة والمقدرة المالية، إلى ترك الموصل منذ حدوث الاضطرابات الأمنية، ولم يبق سوى مقاولون مغامرون صغار، قليلو الخبرة، استلموا مشاريع صغيرة كبناء مدارس أو طلي جدران أو تعبيد طرق.

ويقول المهندس المدني صالح بشار الذي يعمل في مقر المحافظة، إن "غياب الإشراف المباشر أدى إلى تنفيذ المشاريع بطريقة سيئة، لا تطابق المواصفات المطلوبة على الإطلاق"، كما أن "العديد من المشروعات لم تكتمل بسبب هروب المقاولين إلى خارج المحافظة أو حتى العراق، لعدم تمكنهم من دفع المزيد من الاتاوات".

ويرسم بشار صورة أخرى لتأثير الدولة الإسلامية على المشاريع الحكومية، تتمثل بوجود شركات مقاولات تكسب عقود مشاريع، لكنها تقوم ببيعها لاحقا إلى شركات أو مقاولين آخرين، لأنها لا تستطيع تنفيذها. "تباع العقود لأكثر من مرّة وتتنقل بين مقاول وآخر حتى تصل في النهاية إلى أدنى مبلغ، عندها ينفذ المشروع باستخدام مواد أولية رخيصة".

ويؤكد المهنس المدني الذي أطلع "نقاش" على نماذج من تلك العقود إن "هذه الظاهرة شاعت في الموصل، خصوصا بين الشركات المتخصصة في مجال شق الطرق وتعبيدها".

المركزية لمكافحة الابتزاز

يسود شعور عام بين الذين قابلتهم "نقاش" أن السهولة التي يتحرك بها تنظيم "دولة العراق الإسلامية" وكم المعلومات التي بحوزته عن نشاطات الأعمال في المدينة، ناجمة بشكل رئيس عن اختراقه لمؤسسات الدولة قبل أي سبب آخر.

ويقول ضابط شرطة برتبة نقيب، رفض الكشف عن اسمه، إن موظفين "فاسدين أو مساندين للإرهاب"، يقومون بالتجسس ونقل المعلومات التفصيلية المتعلقة بعقود المشاريع إلى عناصر القاعدة، تتضمن نسخة عن العقد وأسماء وعناوين وهواتف الشركات أو المقاولين، وهو ما تسبب بقتل الكثير من الأبرياء على حد قوله.

محافظ نينوى، أثيل النجيفي، الذي وجد نفسه أمام ورطة كبيرة عندما تسلم مهام عمله في /أبريل عام 2009، سعى للحد من سيطرة القاعدة على المبنى الذي يعمل فيه.

وتكشف مصادر من المحافظة أن النجيفي أصدر قرارا في ذلك الوقت حصر فيه جميع مشاريع تنمية الأقاليم بيده مطبّقا نوعا من "المركزية الشديدة". فأجبر الدوائر الحكومية على إعلام المحافظة وبشكل تفصيلي عن المشاريع التي تمول من ميزانية الوزارات التي تتبعها، وصارت المحافظة هي من تشرف عليها بالإعلان وفتح العطاءات والإحالة للمقاولين.

وكشفت المصادر نفسها إن "الحكومة المحلية التي جعلت كل شيء مركزيا صارت تحتسب مبلغاً إضافيا للمقاولين على كل مناقصة، يقوم الأخيرون بدفعه للتنظيم المسلّح بشكل أتاوة غير مباشرة".

المستثمرون الأجانب خط احمر

الإجراءات التي اتخذها المحافظ لم تنجح في طمأنة الشركات العالمية من دخول سوق نينوى، ففضلت الأخيرة العمل في إقليم كردستان المجاور والآمن إلى حين استعادة الدولة هيبتها المفقودة.

مصدر في هيئة استثمار نينوى لـ "نقاش" قال إن "القاعدة تعتبر المستثمرين الأجانب تحديداً خطا أحمر، وتمنعهم من الاستثمار في محافظة نينوى".

فمنذ الربع الأول من عام 2008 والى اليوم، لم تمنح هيئة الاستثمار سوى 44 رخصة فقط، لتنفيذ مشاريع غالبيتها العظمى في مناطق خارج مدينة الموصل، بعيداً عن سطوة القاعدة.

وأضاف المصدر أن الهيئة تعرض حاليا أكثر من 300 مناقصة استثمارية دون إستجابة حقيقية من المستثمرين، والمسؤولون يبررون ذلك بأسباب واهية، كروتين الدوائر الحكومية في التعامل مع المستثمرين، أو ندرة الأرض المخصصة للمشاريع، أو قصور في قانون الاستثمار العراقي، لكن لا أحد يقولها بوضوح: "المستثمرون خائفون من دولة العراق الإسلامية".

القاعدة تملك أراض في الموصل

الدولة الإسلامية، لم تدخل شريكة في المقاولات فقط، بل أصبحت تملك عقارات في الموصل وتتصرف فيها بيعاً وشراءً.

مواطن من حي تل الرمان جنوب الموصل، ذكر لـ "نقاش" أنه حفر قبل أسابيع بئراً في أرض متروكة تعود ملكيتها إلى الدولة داخل الحي، وزود جيرانه بالمياه لتجنب شحة ما يصلهم منها من المحطات الحكومية كما يحدث كل صيف.

لكنه فوجئ بأشخاص غرباء يطلبون منه دفع مبلغ ثلاثة ملايين دينار، نحو ( 2500 دولار أمريكي)، كغرامة لحفر بئر في أرض "تعود ملكيتها إلى الدولة الإسلامية".

وسبق وأن شهدت الموصل أواخر عام 2008، اعتقال القوات الأمنية أربعة موظفين من دائرة السجل العقاري لتورطهم في التعاون مع الإرهاب، وتزويرهم معاملات تخص أراض واسعة تملكها الدولة، بيعت لصالح الدولة الإسلامية، ومنها أرض في منطقة الرشيدية شمال مدينة الموصل، ترجع ملكيتها لمركز أبحاث "إباء"، المرتبط بوزارة الزراعة.

وتغصّ الدائرة حاليا بعقود بيع وهمية لصالح مواطنين مفترضين، بعد أن وضعت تواريخ قديمة تعود إلى الفترة التي كانت تقوم فيها الدائرة بتسجيل معاملات البيع والشراء، كالفترة قبل 2003 أو 2004.

وتبدو تلك العقود وكأنها أصلية، إذ أنها تدون في السجلات أيضاً، وتحمل أختام الدائرة وتواقيع مدراء سابقين، وثبت بحسب مصادر أمنية أن موظفين رسميين متورطون في مثل هكذا عمليات.

وتشير مصادر "نقاش" إلى أن قوة من الفرقة الثانية التابعة للجيش العراقي، ضبطت جنوب الموصل مطلع العام الحالي أختاماً مزورة وملفات تخص دائرة العقارات، وكشفت تحقيقات أن تعاملات في مجال العقارات جرت بملايين الدولارات، وكان أحد طرفيها عناصر في الدولة الإسلامية.

وبحسب المصادر، لم تسجل تلك الدائرة التي مقرها الجهة اليسرى من مدينة الموصل عقود بيع العقارات أو ما يعرف بنقل الملكية منذ نحو خمسة أعوام، وتقوم المحاكم المدنية بهذا الدور حالياً من خلال التصديق قضائيا على تلك العقود.

والسبب في توقف الدائرة عن مهامها بحسب المصادر هو دائما تهديدات عناصر من الدولة الإسلامية بتفجير الدائرة وقتل الموظفين. وقد نفذ بالفعل جزءها المتعلق بالموظفين، فقتل قسم منهم واضطر آخرون إلى مغادرة البلاد، أو على الأقل ترك العمل.

المطلوب خلية أزمة

"دولة داخل دولة"، هكذا يصف الناشط المدني عزيز منصور وضع نينوى، ويتابع، أن فصائل دينية متشددة ومسلحة، اعلنت دولتها الإسلامية وتعاملت مع المدنيين كرعايا، تجبي منهم الضرائب، مقابل خدمة وحيدة تقدمها لهم، هي "أن تكف عن قتلهم".

منصور الذي كان شاهدا على اللحظات التي انهارت فيها الدولة في 11 تشرين ثاني (نوفمبر) 2004، أو في "11/11" كما يسميه أهالي الموصل كنوع من التشفير السريع الذي يختصر الكارثة، يتابع أن الدولة العراقية قائمة في الموصل من الناحية النظرية، بكافة مكوناتها، تمثلها حكومة محلية وأجهزة امنية، لكن الطرفين "منخرطان في صراع بسط النفوذ، ولا قدرة لكليهما، في منح المواطنين شعورهم بالأمان، أو حتى استعادة مدينتهم المفقودة".

ويؤكد هذا الناشط المدني المتابع لقضايا حقوق الإنسان في الموصل أن أي سياسة لمكافحة الابتزاز المنظم لا يمكن ان تؤكل ثمارها بمجرد قرارات إدارية من المحافظ أو أمنية من ضباط الجيش.

ويطالب بتشكيل "خلية أزمة وطنية لمكافحة الإرهاب والابتزاز في محافظة نينوى" يكون اطرافها الحكومة المحلية، حكومة بغداد، الجيش، وقيادات المجتمع المدني والأهلي في المدينة، فضلا عن خبراء مستقلين.

خلية ستكون إحدى أبرز المهام المناطة بها بحسب منصور، "مصارحة الذات والمواطنين بأن مدينة الموصل في جزء كبير منها سقطت منذ زمن تحت حكم الميليشيات". ومن ثم "التنسيق بين الجهات الخمسة ووضع الخطط الأمنية والسياسية والإدارية لاستعادتها". فمن غير الاعتراف بالمشكلة رسميا، ومن ثم التنسيق بين كافة الأطراف "سنبقى ندفع الجزية أو نقتل"، يختم منصور كلامه.

*تم التكّتم على أسماء بعض المصادر في هذا التحقيق بناء على طلب من أصحابها، كما جرى تغيير اسم كاتب التحقيق لأسباب تتعلق بالسلامة الشخصية