مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

الموصليون ينتظرون عودة قطارهم

لم يدر في أذهان أهالي الموصل إن قطارهم الذي طواه النسيان وملأ الصدأ عرباته منذ سنوات ليست بالقليلة سيعود للعمل مجدداً بقرار حكومي، لكن ذلك حدث بالفعل.
18.10.2012  |  الموصل

صافرته المدوية كانت تمثل إنذاراً بقدومه وصرير عجلاته لم تعرف الكلل يوماً، أما ذكريات المسافرين طلاباً وعساكر وسائحين وغيرهم باتت كلها حبيسة عربات صدئة منسية تقبع خلف المحطة الساكنة.

فمنذ ثمانية عقود مضت كان القطار جزءاً من حياة الموصليين وتحولت المحطة التي تأسست عام 1938 إلى معلَّم من معالم مدينتهم البارزة، إذ كانت تتحول في المهرجانات الثقافية وأعياد الربيع إلى ملتقى للفنانين والأدباء العرب ناهيك عما تحمله من بصمات لحكّام البلاد ومسؤوليه من العقود الماضية.

الموصليون تقاسموا الفرح مع عربات قطارهم حينما قررت الحكومة المحلية إعادة تشغيل قطار المسافرين من جديد بعدما طلب علي محمود مدير المكتب الإعلامي لمحافظ نينوى لدى اجتماعه بمدير السكك استئناف الرحلات مجددا.

وكمرحلة أولى تقرر فتح خطوط يومية داخلية تنقل الناس بين الموصل ومنطقة ربيعة الحدودية التي تبعد (108 كم غرب الموصل) وبين الموصل والقيارة (60 كم جنوب المدينة).

علي محمود مدير المكتب الإعلامي لمحافظ نينوى قال لـ"نقاش" إن "حكومة نينوى أبدت استعدادها لتحمُّل تكاليف صيانة العربات والمستلزمات الأخرى وعليه شكلّت مديرية السكك لجنة تنفيذية وهي تنتظر الآن موافقة وزارة النقل للمباشرة بعملها".

الدكتور إبراهيم العلاّف أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة الموصل يقول بأن المحطة اكتسبت صفة عالمية من قطار بغداد– برلين الذي كان يسمى قطار الشرق السريع وكان يمر بها يوماً ما وهو يحمل مسافرين من جنسيات مختلفة.

ويتذكر العلاّف كيف عرف الموصليون القطار بأنه "وسيلة نقل آمنة منضبطة المواعيد ذات خدمات ممتازة وبأجور منخفضة" وكان هو نفسه واحداً من مئات الطلبة الذين يستقلونه قاصدين العاصمة للدراسة.

لكن المحطة نالت نصيبا وافراً من الدمار والإهمال منذ حرب الخليج الثانية عام 1991، فالمنطقة التي اشتهرت سابقا بالحركة الدؤوبة للمسافرين وسيارات التاكسي باتت اليوم تغطُ في حالة من السكون إلا ما يصدر من جلبة عن موظفي السكك القلائل، وبضعة كلاب سائبة تصول وتجول في بناية المحطة الخرِّبة.

التحدي الحقيقي في إعادة الحياة إلى قطار الموصل وإلى محطته يكمن في شبكة خطوط السكك، لأنه لا يوجد سوى خط واحد تم إنشاؤه عام 1936 وهو متهالك ويصعب الاعتماد عليه، فيما تسير مشاريع الخطوط الجديدة ببطئ كبير.

مدير السكك أكرم احمد قال لـ"نقاش" إن تسع سنوات مضت لم تتمكن فيها الجهات المعنية من إكمال سكة حديد الموصل – ربيعة، وإن سرعة القطارات بالكاد تصل إلى (60 كم/ساعة) فيما تفوق السرعة العالمية هذا الرقم بكثير.

ولا يخفي أحمد خشيته من فشل المحاولة مثل تجارب سابقة، إذ اوقفت الرحلات إلى حلب السورية وغازي عنتاب التركية بعد اشهر قليلة من تسييرها، أما قطار بغداد فقد كان عديم الفائدة، لأنه كان يذهب ويعود فارغاً وفي أحسن الأحوال يحمل راكباً واحداً أو اثنين، فقررت وزارة النقل إيقافه لانعدام الجدوى الاقتصادية.

قطار البضائع هو الآخر يعيش أزمة، فبعدما توقفت الشحنات الدولية عبر سوريا بسبب الأزمة فيها منذ 40 يوما، اقتصر الشحن على وجهة واحدة هي بغداد بمعدل حمولة يومي يقدر بـ(750) طن.

لكن يبدو إن الظروف أصبحت مواتية لإحياء القطارات اليوم فإلى جانب التحسن الأمني الملحوظ أخذت الحكومة المحلية تولي اهتماماً ملحوظاً بها حيث رصدت مبلغ مليار ونصف المليار دينار لترميم المحطة التي تضررت كثيرا بانفجار شاحنة مفخخة عام 2009، والمشروع الآن على وشك الإحالة إلى إحدى الشركات.

للقصة بقية، ففي حجيرة متوارية عن الأنظار تجاور معمل الصيانة حيث تجثو قاطرات مُنهَكة، يقضي أحمد جاسم (68 عاماً) معظم ساعات نهاره بلا عمل مستعيناً على الملل بقدح من الشاي الداكن، متأملا دخان سيجارته الذي يذكِّره بأول سحابةٍ تصاعدت من قطاره البخاري، لتؤرخ عيد ميلاده المهني كأقدم سائق قطار في الموصل.

حديث السائق كان ذو شجون، فرغم أنه يتقاضى راتباً شهرياً مقداره (500 دولار) فحسب عن عمله لمدة 43 عاماً، لكنه لم يترك المحطة تحت أكثر الظروف قساوة حتى عندما تحمّل لوحده دفع (5000 دولار) كدية لعائلة شاب توفي عندما دهسه قطار كان يقوده هو.

سائقو القطارات في الموصل يخشون يوماً لا يوجد فيه من يقوم مقامهم بعد تقاعدهم، فقد مضت عشر سنوات على تعيين آخر سائق والعذر دائماً عدم وجود تخصيصات وظيفية.

الشيخ الذي أفنى عمره في قمرة قيادة قاطرات ألمانية صنعتها شركة (HENSCHEL)، أنتعشت أمانيه في عودة المحطة إلى سابق عهدها اثر أخبار استئناف الرحلات.

الموصليون ليسوا وحدهم من ينتظر إعادة الحياة إلى القطار بل ينضمُّ إليهم الموسيقار المتصوّف الملا عثمان الموصلي الذي توفي عام 1923، حيث أُعيد ترميم تمثاله المقابل للمحطة مؤخراً، أملاً في أن يلقى المسافرين بوجه حسِن.

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.