مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

قيمة الدينار تتراجع بسبب العقوبات على إيران وسوريا.. والعراقيون لا يثقون به

مصطفى حبيب
في زاوية على أحد أرصفة حي العرصات الراقي وسط بغداد يجلس خضير سعدون وراء بسطة صغيرة يبيع ويشتري دولارات أمريكية. هذا الصيرفي البسيط لم يدرس الاقتصاد وقوانينه لكنها يؤكد أن "الدينار في خطر".
17.05.2012  |  بغداد

يضيف سعدون بينما يلف رزمة سميكة من العملات الورقية بخيط مطّاطي، "مهنتي ازدهرت قليلا هذه الايام" موضحا أنه "للمرة الاولى منذ سنوات، يقبل العراقيون بشكل متزايد على تحويل عملتهم المحلية إلى الدولار".

وبحسب خبراء ربما لم يسمع عنهم الشاب سعدون، يتعرض الدينار العراقي منذ بضعة شهور لأزمة مردّها أسباب سياسية وأخرى متعلقة بعقوبات دولية مفروضة على جارتي العراق، سوريا وايران.

وخلال الأسابيع القليلة الماضية انخفض سعر صرف الدينار العراقي في السوق الداخلية مقابل الدولار الأمريكي من أقل من 1200 دينار إلى 1280، ووصل في بعض الاوقات الى 1300، ما يعني ان الدينار تراجع بنحو 9 % مقابل الدولار.

الخبير الاقتصادي باسم انطوان يعزو هذا التراجع الى زيادة الطلب على الدولار، بحكم الظروف السياسية التي تمر بها المنطقة عموما.

ويشير انطوان في حديث مع "نقاش" إلى ان "عمليات تهريب كبيرة جرت للدولار الى الخارج خلال الشهورالماضية"، ما أدى الى تصاعد الطلب على العملة الامريكية.

مسؤولون في البنك المركزي قالوا لموقع "نقاش" أن البنك كان يبيع يوميا ما قيمته 160 مليون دولار قبل انسحاب القوات الأميركية من البلاد نهاية العام الماضي، لكن الطلب تصاعد بشكل لافت في الفترة الأخيرة ووصل في بعض الأيام إلى 400 مليون دولار.

ويرى محللون أن الأسباب التي تدفع التاجر والمواطن البسيط إلى طلب الدولار كثيرة في هذه الفترة، منها الازمة السياسية التي تعيشها البلاد بعد الانسحاب الامريكي ومعها ضعف الثقة المتزايد بالاقتصاد المحلي. لكن خارطة التحليل تتسع مع ربطها بأحداث الربيع العربي والعقوبات الغربية على جارتي العراق، إيران وسوريا.

وزير التخطيط العراقي السابق والخبير الاقتصادي المخضرم مهدي الحافظ يقول في حديث مع "نقاش" إن كل من ايران وسوريا تعيشان أزمة اقتصادية خانقة بسبب العقوبات الدولية المفروضة عليهما ما دفعهما إلى الهجوم على السوق العراقية للحصول على العملة الصعبة".

ويضيف الوزير السابق أن "التداخل الاقتصادي والسياسي لكلا الدولتين مع العراق، أتاح لهما الحصول على الدولار منه"، لافتا إلى أن "كميات كبيرة هربت إليهما وأن استمرار ذلك سينعكس سلبا على العملة المحلية".

وتعاني إيران من حصار دولي مفروض عليها يعرقل تصدير نفطها إلى الأسواق العالمية بسبب شكوك حول برنامجها النووي. فيما استطالت سلسلة العقوبات المالية والاقتصادية على سوريا منذ اندلاع الاحتجاجات فيها منتصف آذار (مارس) العام الماضي وإقدام نظام بشار الاسد على قمعها بقوة.

ويسهل في بغداد وباقي المدن العراقية الحصول على الدولار من خلال مئات شركات الصيرفة غير المرخصة وحتى باعة متجولين وأصحاب بسطات على الأرصفة، وتحويله إلى الدولتين المذكورتين، ولا يكلف ذلك الكثير من الاجور.

عباس الأعرجي وهو صاحب مكتب صغير للصيرفة في منطقة الكاظمية في بغداد يعترف بأن عمله لا يخضع للرقابة من قبل الحكومة او البنك المركزي. ويقول، "أعمل في هذه المهنة منذ خمس سنوات ولم أحصل على الموافقات اللازمة من البنك المركزي كونها تخضع لآليات معقدة".

ويضيف الأعرجي أن زبائنه يفضلونه على المصارف الكبيرة بسبب الإجراءات الروتينية المعقدة التي تفرضها على التحويلات المالية إلى الخارج بالإضافة الى التكلفة العالية. "أنا اقوم بهذه الخدمة بوقت أسرع وتكلفة أقل ولا يتطلب مني إلا الاتصال بزملاء لي في العديد من الدول لإبلاغهم بالتحويلات".

البنك المركزي العراقي وفي محاولة للحد من عمليات تهريب الدولار أصدر في الأشهر الثلاثة الماضية سلسلة إجراءات تتضمن التشديد على مراقبة معاملات التحويل الكبيرة والمنتظمة للدولار.

وطالب المركزي جميع المصارف وشركات الصيرفة بتقديم وثائق رسمية حول صفقاتها لتحويل الدولار، وإغلاق محال الصيرفة غيرالمرخصة، بحسب نائب رئيس البنك المركزي مظهر صالح.

ويعترف صالح بوجود خلل في سعر صرف الدينار لكنه ينفي القول بتدهوره. ويقول في اتصال هاتفي مع "نقاش"، "تراجع الدينار مقابل الدولار طبيعي في ظل وجود دولتين جارتين هما ايران وسوريا تتعرضان لازمة اقتصادية كبيرة". ويضيف أن "سياسة الباب المفتوح وحرية التحويل الخارجي والاستقرار النسبي للعراق في المجال الاقتصادي كلها عوامل مساعدة لتهريب العملة".

الاجراءات الاحترازية بتقييد حركة المبالغ الكبيرة الى الخارج كشفت بحسب نائب رئيس البنك المركزي ان غالبية الزبائن الكبار كانوا غير مهيئين لمثل هذه التغييرات. ويقول مستغربا: "بعضهم يأتي إلى البنك بغرض التحويل لدولة أخرى وفي يده ملايين الدولارات، لكنه لا يمتلك حسابا مصرفيا".

وفضلا عن مشكلات الجيران والعقوبات المفروضة عليهم، يعزو خبراء آخرون ضعف الدينار إلى الأزمة الداخلية بين أقطاب السياسة، وتلهف حكومة نوري المالكي لفرض نفوذها على البنك المركزي.

وكانت المحكمة الاتحادية العراقية قد فسرت مطلع العام الماضي تبعية الهيئات المستقلة إلى رئاسة الوزراء خلافا لنصوص الدستور، الامر الذي اعتبرته الهيئات المستقلة كالبنك المركزي والمفوضية العليا للانتخابات، تعديا على استقلاليتها.

ويقول نائب رئيس اللجنة المالية في البرلمان العراقي أحمد فيض الله عثمان (عن التحالف الكردستاني) إن "محاولة الحكومة السيطرة على البنك المركزي والحاقه بمجلس الوزراء أمر خطير يزعزع الثقة بالاقتصاد والعملة المحلية".

ويضيف ان "البنك المركزي تابع للبرلمان بموجب الدستور لكنّ رئيس الوزراء يسعى للسيطرة عليه وعلى الهيئات المستقلة الأخرى"، ويشير إلى أن "الحكومة تسعى منذ سنوات لاستخدام الاحتياطي النقدي العراقي البالغ 60 مليار دولار اميركي".

وسبق أن وجهت "القائمة العراقية" التي يتزعمها رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي اتهامات مماثلة بحق رئيس الوزراء، بأنه يسعى للسيطرة على السياستين النقدية والمالية.

وقالت المتحدثة باسم القائمة العراقية ميسون الدملوجي في بيان صحفي منتصف الشهر الماضي، أن رئيس الوزراء يريد "التسلط" على البنك المركزي بغرض "التحكم بإصدار العملة لتمويل التبذير الحكومي من جهة، ودعم اقتصاديات دولتين مجاورتين تتعرضان للحصار الاقتصادي من جهة أخرى"، في إشارة إلى سوريا وإيران.

هذه التجاذبات السياسية تؤدي بحسب مراقبين إلى فقدان الثقة بالعملة الوطنية واستمرار اقبال الناس على استبدالها، حتى أن الكثير من الموظفين يحولون جزء من رواتبهم الى الدولار.

سامر أحمد مثلا، وهو موظف في وزارة النقل، يقوم بتحويل نصف مرتّبه الى الدولار من بسطة الصيرفي سعدون. ويقول "لا امان للدينار هذه الايام"، فيما يشير إلى أن بعض زملائه يشترون عوضا عن ذلك بضعة غرامات من الذهب.

ويتذكر سامر التقلبات الكثيرة التي مر بها الدينار العراقي، بدءا من "أيام العز" في السبعينات والثمانينيات عندما كان سعر الدينار الواحد يعادل نحو ثلاثة دولارات وصولا للانهيار الحاصل عام 1991 تاريخ غزو العراق للكويت بقرار من الرئيس الراحل صدام حسين، قائلا أن "تاريخ الدينار يشبه تاريخ العراق".

وكانت "سلطة الائتلاف المؤقتة" برئاسة الحاكم المدني بول بريمر أصدرت في منتصف تشرين اول (اوكتوبر) 2003 قد استبدلت بالدينار القديم أوراقا نقدية جديدة تضم الفئات 50، 250، 1000، 5000، 10000 و25000 دينار. وتم استعمالها في جميع ارجاء العراق بما فيها اقليم كردستان في شمالي العراق.

"دينار بريمر" يتمتع بجودة عالية تحميه من النسخ والتزوير والتلف السريع، لكن المراقبين يحذرون من أن مواصفاته الصنعية لا تجنبه مخاطر فقدان القيمة، خصوصا مع التجاذبات السياسية داخل البلاد وحالة عدم الاستقرار على حدودها الغربية والشرقية.