مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

نزاع مائي بين العراقيين، ومع جيرانهم..

أليس فوردهام
بدشداشة رمادية، يجلس أسعد محمد عباس واسماعيل عبد الأمير جواد، من قرية شفتا في محافظة ديالى شمال بغداد، ويتذمران بأسى من سلوك القرية المجاورة "غير اللائق". ويقول الرجلان الطاعنان في السن إن المزارعين في القرية…
16.06.2010  |  دیالى

"كل يوم أذهب إلى حقلي مبكرا لأجد المياه تتناقص" يقول أحدهما بينما يقاطعه الآخر: "تم بناء سد أعلى النهر، وهم يحصلون على ما يريدون من الماء".

يمثل هذين الرجلين بشكهم في جيرانهم وقلقهم على بساتينهم وأطفالهم، نسخة مصغرة من الصراع على مصادر المياه الدائر عند الحدود. وكما تبين نتيجة النزاع بين سورية وإيران وتركيا والعراق على مصادر المياه المشتركة، فإن العراق كان الخاسر الاكبر في عملية التقاسم المائي.

ففي الماضي كان العراق - والذي يسمى أيضا ببلاد الرافدين أو بلاد مابين النهرين- يحتوي على شريط أخضر من التربة الخصبة والأراضي الزراعية يمر وسط البلاد ويغذيه كل من دجلة والفرات. أما اليوم، فقد غزا التصحر والقحط البلاد وهبط منسوب المياه في النهرين إلى مستويات لا مثيل لها في التاريخ، ووجه قادة البلاد أنظارهم الغاضبة إلى الدول المجاورة على أنها أساس المشكلة.

ويقول محمد أمين فارس وهو موظف مياه في حكومة إقليم كردستان إن "التفاوض مع الجيران مسألة بغاية الصعوبة خصوصا اذا ما كنت تفاوض تركيا، فمنابع النهرين تأتي من تركيا، لذا فهي تملك زمام السيطرة".

ويردف فارس قائلا إن تركيا منخرطة في مشروع "غاب" المائي الذي يتضمن بناء 40 سدا ومحطة توليد طاقة على نهري دجلة والفرات. و يشير إلى أن "الأتراك احتفظوا بالكثير من المياه للري والتخزين وتوفير الطاقة الكهرمائية في حين عانى العراق من هذه المشاريع بسبب قلة المياه في نهر الفرات".

وتشير المعلومات الصادرة عن وزارة الموارد المائية إلى أن معدل المياه الوارد إلى العراق من نهر الفرات أقل من نصف ما كان عليه قبل عشر سنوات.

وتقول فرانشيسكا دي شاتيل التي ألفت كتابا عن أزمة المياه في المنطقة بعنوان "شيوخ الماء وبناة السد: قصص الناس و الماء في الشرق الأوسط"، أن سوريا التي تقع جنوب تركيا، تعاني أيضا من نقص منسوب المياه في نهر الفرات، لكن معاناة العراق هي الأكبر".

وفي الوقت الذي تتحسن فيه العلاقات التركية و السورية ويعقد الطرفان اتفاقات اقتصادية ومائية متبادلة يبقى العراق خارج طاولة التشاور. وتقول دي شاتيل إن "الاتفاقيات الجديدة لتقاسم المياه بين البلدين قلصت من موارد العراق المائية وساهمت في تصحر وملوحة الأراضي الزراعية".

ويأخذ النزاع على المياه وجها محليا فضلا عن الإقليمي، ويلعب العراقيون لعبة تقاسم المياه نفسها فيما بينهم. هكذا يسيطر اقليم كردستان على حصة وفيرة ومدارة جيدا من الطاقة والمياه. ففي الإقليم الكردستاني الذي ينعم بالسلام منذ حوالي عقدين من الزمن بنى الاكراد عددا من السدود الضخمة .

ويقول فارس في هذا الصدد إن "المنطقة الكردية لا تعاني من مشكلة كبيرة في موضوع المياه، فالسدود على بحيرتي دوكان ودربندخان أحد أسباب بقاء منطقة الإقليم الكردستاني خضراء". لكنه يستدرك قائلا إن السدين المذكورين ساهما في "جعل مزارعي ديالى، جنوب المنطقة الكردية، عطشى".

ويمكن رؤية أثر الصراع على موارد المياه المتناقصة، والتي تأثرت بقلة هطول الأمطار، في كل أرجاء العراق. فقد كانت الزراعة فيما مضى تحتل المرتبة الثانية في الناتج المحلي للبلاد بعد النفط. أما اليوم، فبالكاد يقف هذا القطاع على قدميه. فبعد عام 2003، ترك العديد من المزارعين أراضيهم التي تصحرت بفعل الجفاف والتلوث ومعدلات الملوحة العالية.

وتقدر الحكومة بأن حوالي ربع الشعب العراق لا يستهلك مياهً صالحة للشرب. وفي أهوار العراق، جنوب البلاد، والتي كانت في أحد الأيام موطن الثقافة المميزة لعرب الأهوار (المعدان) ببيوتهم المصنوعة من القصب، جاء القحط، ليجعل من إستصلاح الأهوار امرا مستحيلا. ففضلا عن العوامل السابق ذكرها، نفذ صدام حسين عام 1994 مشروع "النهر الثالث" ليحول مجرى نهري دجلة والفرات عن الأهوار مساهما في تجفيفها. وهاجر عشرات الآلاف من قاطنيها ليسكنوا أحياء فقيرة في البصرة وبغداد.

ويشير من تبقى من عرب المعدان بلغة تغلفها الحسرة، إلى مدى علو منسوب مياه الأهوار في الماضي، وقلتها وشدة تلوثها في الوقت الحالي. ولا يبدو حال المياه الجوفية بأفضل من حال النهرين الكبيرين.

ويقول طارق كريم، بروفسور في فيزياء التربة والمياه من جامعة صلاح الدين إن "أحد الآثار السلبية للقحط هو استهلاك المياه الجوفية، فقد انخفض مستواها لأكثر من عشرة أمتار في الأعوام العشرة الماضية". وأعرب كريم عن قلقه المتزايد قائلا إن "التربة الجافة تتطاير بسرعة مما يجعل الأرض غير صالحة للاستخدام في المستقبل حتى لو هطل المطر أو جرت المياه".

وتزداد مسألة المياه تعقيدا مع انتاج الملايين من براميل النفط شهريا، ومع توقيع عشر عقود مع شركات نفطية عالمية لتطوير حقول النفط جنوب البلاد. "فصناعة النفظ تتطلب الكثير من المياه، وإنتاج برميل من النفط يحتاج إلى برميل من الماء"، حسب كريم.

ويحمّل معظم العراقيين جيرانهم الأتراك مسؤولية أزمة المياه. ويعتقد بعض المراقبين أن سوء إدارة وتوزيع المياه قد تقود إلى توتر في العلاقات بين البلدين. واستنادا إلى محمد أمين فارس، الموظف مياه في حكومة إقليم كردستان "فإن لم يكن هناك تفاوض سيكون هناك صراع بالتأكيد".

أما البروفسور رامي زريق، وهو خبير في إدارة الأنظمة المائية من الجامعة الأميركية في بيروت فيرى أن الصراع بسبب المياه مستبعد، نظرا لموقع وثقل تركيا في الشرق الأوسط "فعندما تأخذ تركيا حصة الأسد من المياه، فإنما تقول أن "هذه الأرض لي" وهم يستطيعون فرض قرارهم لأنهم الأقوى".

ويدعم زريق حجته قائلا إن "مصر استطاعت أن تفرض على جيرانها الأثيوبيين والسودانيين حصة متزايدة من مياه نهر النيل نظرا لأنها الأقوى". و يختم زريق حديثه إلى موقع "نقاش" قائلا إن "النزاع على المياه سببه النزاعات السياسية في المنطقة وليس العكس.. انا لا أظن أن المياه ستكون سببا (للصراع)".

في المقابل، تعتقد دي شاتيل بأن "العراق يخسر المياه بسبب عدم استقراره السياسي" ولكنها تضيف بأن "الصراع مكلف والماء أرخص من الحرب، وإذا وجد الطرفان طريقة للتعاون فسيكون هذا أفضل".

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.