Super Viagra Generic Real Low Price By Mail
Niqash - الاقتصاد - بورصة العراق، من يشتري الأسهم؟


بورصة العراق، من يشتري الأسهم؟

يجلس جاسم العرادي في الصالة الرئيسية لسوق الأوراق المالية في بغداد، ممسكا بنظارته الطبية، يراقب بحذر شاشة عرض الأسعار المتدلية من وسط السقف.

العرادي وهو في أواسط الخمسينات تاجر يعمل ما بين الامارات وبغداد، ويمتلك محفظة استثمارية تتضمن عددا من أسهم الشركات المدرجة على قائمة البورصة العراقية. لذا فهو يستغل فرصة وجوده في البلاد لمتابعة تحركات أسعار الأسهم عن قرب، في حين أوكل المهمة لوسيط تجاري أثناء تواجده في الخليج.

"تفتقد البورصة العراقية، الى عنصر الربح المجزي" يقول الرجل بينما يتقدم إلى حافة مقعده ليتكلم مع أحد زملاءه. ومن ثم ينهي حديثه ويسترخي في جلسته: "الاستثمار هنا محدود ويعتمد على عدد قليل من رجال الأعمال والمستثمرين والوسطاء".

المحفظة الاستثمارية التي يمتلكها العرادي لا تحقق له الأرباح المأمولة، لكن الأمر لا يتوقف على مسألة الربحية فقط، بل يتعداه الى "افتقاد المواطن العراقي لثقافة الاستثمار في البورصة، وعدم وجود الثقة الكافية التي تجعله يطمئن الى استثمار أمواله بدلا من اكتنازها في المصارف"، ناهيك عن "ضعف دور المستثمر الأجنبي فيه، وعدم استقرار مجموعة كبيرة من العوامل الرئيسية للتنمية وهي الأمن والعملية السياسية والقوانين الناظمة".

لدى الرجل الكثير ليقال عن اسباب ضعف البورصة العراقية، فالبورصة في كل دول العالم "تعتبر مؤشرا مهما لفعاليات الاقتصاد ككل، والاقتصاد العراقي مصاب بعوامل تحد من انطلاقته التي كان من المتوقع أن تكون الأكبر بين دول العالم".

يعود العمل في سوق الأوراق المالية في العراق الى أوائل تسعينات القرن الماضي، وكان يطلق عليها اسم بورصة بغداد والتي كانت تديرها وزارة المالية العراقية آنذاك.

بعد العام 2003 أغلقت البورصة العراقية إلا انها عادت وفتحت أبوابها من جديد بعد صدور قانون 74 لسنة 2004 تحت اسم سوق العراق للأوراق المالية، وتديرها هيئة الأوراق المالية. لكن معظم الشركات الحكومية الكبيرة أحجمت حتى الآن عن دخول السوق الالكتروني.

عضو إتحاد الوسطاء العراقيين محمد إسماعيل، يرى من جهته أن ضعف السوق المالية في العراق ومحدوديتها "ناتج عن ضعف أداء الشركات المدرجة"، فضلا عن عدم وجود "شركات جديدة لها ثقل مثل شركات الطيران والاتصالات".

اسماعيل أشار الى أن بعض الشركات المدرجة اليوم "تحاول أن تنشط نفسها من جديد بعد ان أدركت ان مستقبلها في البورصة يعتمد بشكل أساسي على مدى قدرتها على تحسين وضعها"، ضاربا المثل بـ"شركة السجاد الأهلية التي تحاول استثمار أرباحها في إنشاء معمل للمياه المعبأة وتقوم بتأجير أراض تابعة لها، وشركة الالكترونيات التي باعت أرضا لها من أجل تحديث خطوطها الإنتاجية ".

المستثمر يتجه حاليا، بحسب الوسيط إسماعيل، الى الشركات "ذات السهم المنتج وليس السهم الذي لا يحقق له أي أرباح وغير قادر على بيعه حين يحتاج للسيولة النقدية".

أما تنشيط البورصة، يضيف اسماعيل، فهو يعتمد على "تقديم الدعم بشقيه المعنوي والقانوني مثل تعديل القوانين المعيقة للاستثمار مثل قانون الشركات الذي يحتاج الى تعديل بعض فقراته، أو تجهيز الشركات الإنتاجية بمواد أولية مدعومة من الدولة، أو شراء المنتوج من قبلها، وتنفيذ قانون حماية المستهلك والتعرفة الجمركية لحماية المنتوج المحلي من الإغراق السلعي والمنافسة الاجنبية".

ويبلغ عدد الشركات المدرجة في سوق العراق للأوراق المالية (البورصة) 91 شركة مقسمة على سبع قطاعات هي المصارف والفنادق والصناعة والخدمات والتأمين والاستثمار المالي والزراعة، وكان التداول يتم يدويا حتى نيسان أبريل 2009 عندما انتقل السوق الى التداول الإلكتروني الذي أدرجت فيه حتى الآن 85 شركة.

معظم هذه الشركات تعود للقطاع الخاص، فيما يبلغ عدد شركات القطاع المختلط 34 شركة منها 16 من كبريات الشركات الصناعية العراقية، مثل الصناعات الخفيفة والهلال والالكترونية والكيمياوية والاصباغ، التي لا تعمل أغلبها الا بجزء قليل من طاقتها الحقيقية، فضلا عن تسعة شركات فندقية من أكبر فنادق العراق ومعظمها في العاصمة، مثل بابل وفلسطين وعشتار والمنصور، إضافة الى ست شركات خدمية تحتوي على كبريات شركات النقل منها العراقية للنقل البري ونقل المنتجات النفطية والبادية للنقل، وثلاث شركات زراعية شبه متوقفة عن العمل.

مستشار رئيس الوزراء الإقتصادي عبد الحسين العنبكي قال لموقع "نقاش" إن هناك "خطة لتوسيع حجم القطاع المختلط في العراق تم إعدادها من قبل هيئة المستشارين وسيتم تطبيقها بشكل تدريجي على عدة سنوات في حال اقرارها من قبل مجلس النواب".

وأوضح العنبكي أن الخطة تتضمن "تحويل شركات القطاع الحكومي العراقية إلى شركات مساهمة عن طريق عرضها في البورصة، أو عن طريق عرضها للإستثمار بشكل مباشر". أما شركات القطاع المختلط "فسيتم تحويلها إلى القطاع الخاص بشكل كامل".

المستثمر ورئيس المكتب الإقليمي لإتحاد الصناعات العربية الهندسية ثابت البلداوي، يرى في حديثه لموقع "نقاش" ان تجربة السوق المالية في العراق "لا تزال حديثة وواعدة، لكن تعرضها المستمر للظروف الاقتصادية والسياسية السيئة أدى الى تلكؤ في أدائها".

وأضاف البلداوي أن "السوق المالية عالميا تحظى بكثافة في نسب المشاركة والعائدات الجيدة السريعة، ولكن في العراق أحجم المستثمر عن التداول بسبب التراجعات التي أصابت أهم القطاعات المدرجة في البورصة وهي الصناعية والسياحية بسبب التقادم الذي أصابها وعدم التجديد".

ومع غياب الثقافة الاقتصادية عن المواطن العراقي، يضيف البلداوي، فـ"نحن بحاجة الى تطوير عمل البورصة من جهة وتقديم ثقافة اقتصادية وربح يشجع المواطن على استثمار دخوله النقدية لشراء وتداول هذه الأسهم".

عدد المستثمرين المسجلين في مركز إيداع البورصة العرقية لا يتجاوز الـ 100 ألف مستثمر عراقي وأجنبي، وهو رقم متواضع نسبة الى عدد سكان العراق البالغ 32 مليون نسمة، فضلا عن انه تناقص إثر هروب عدد كبير من رجال الأعمال والمستثمرين من العراق خلال فترة التوتر الطائفي بين عامي 2006- 2008.

وبمقارنة التداولات اليومية بين بورصة العراق ودول الجوار مثل الاردن فإن عدد الشركات المدرجة في بورصة عمان تبلغ 151 شركة وتتداول ما بين 3-5 آلاف عقد يوميا وبنحو 18 مليون دينار أردني يوميا (الدولار يعادل 70 قرش)، فيما تتراوح تداولات البورصة العراقية بنحو مليون دولار يوميا (سعر صرف العملة العراقية 1170 دينارا لكل دولار) ومابين 150-400 عقد تداول.

مدير البورصة العراقية طه أحمد عبد السلام قال لموقع "نقاش" إن "الذي يحدد حجم النشاط التجاري أو المالي او الاستثماري في أي بلد هو حجم الاقتصاد نفسه"، مشيرا إلى أن الاقتصاد العراقي "رزح منذ التسعينات تحت الحصار، فيما تعرض خلال السنوات الأخيرة الى الحروب والإرهاب والتعطيل".

هذا الأمر انعكس بشكل خاص، كما يقول عبد السلام، على "المشاريع التي تعتمد على الطاقة والمواد الأولية، فأصبحت ذات كلف إنتاج عالية وبالتالي ضعفت إرباحها وهذا ينعكس على رغبة المستثمر في اقتناء أسهمها أو المشاركة بها".

وبحسب مدير البورصة فإنه لا يوجد حاليا بين الشركات المدرجة في البورصة أي شركة تعمل بطاقتها الكاملة، ولذلك "فلا تحقق الأسهم بالنتيجة عوائد تغري الجمهور لاقتناء الأسهم والتنافس عليها، وهكذا نجد أن الأسعار تراجعت بحيث أن اغلب الشركات تتراوح أسعار أسهمها بين الدينار والأربعة دنانير، عدا بعض شركات القطاع الخدمي والفندقي والصناعي".

وأشار عبد السلام الى أن القطاعات الإنتاجية تعاني كثيرا "من قدم خطوط إنتاجها واندثارها وكثير من الشركات لجأت الى رفع رؤوس أموالها ليتسنى لها استخدام تقنيات حديثة"، وهو ما يعني "توظيف أموال جديدة"، وهذا التوظيف كما يرى عبد السلام " إذا لم يترجم الى عائد مجز بعد توزيع الانتاج، فمعناه أن أي أرباح لن تتحقق".

ووسط الإغراق السلعي الذي يعاني منه العراق، يرى مدير البورصة أن المنافسة بين البضاعة المحلية والأجنبية لا يمكن ان توصف إلا بـ "غير المتكافئة" لان السلعة العراقية تنتج بكلفة عالية بسبب "نقص الكهرباء واعتمادها على الوقود والمولدات فضلا عن العمالة غير الكفوءة، كما أننا كنا في حالة غياب عن العالم الذي طور خطوط إنتاج جديدة، وبالتالي يحتاج العامل العراقي الى تدريب وهو أمر يحتاج الى كلف إضافية".

وحول الخطوات التي اتخذتها الدولة في منع استيراد عدد من المنتجات لحماية المنتج المحلي، رأى عبد السلام ان السلعة المنتجة محليا "إذا لم تكن كفوءة فستقتل نفسها بنفسها".

وعلى الرغم من القوانين الجديدة التي أقرها البرلمان العراقي والتي سمحت للمستثمر الأجنبي ببيع وشراء الأسهم بشكل مطلق في البورصة العراقية، بعد أن كانت هناك محددات له كأن لاتتجاوز نسبة الأسهم المملوكة 49% من اسهم الشركة، إلا أن هذه القوانين التي أقرت لتطوير عمل البورصة وجذب الاستثمار الأجنبي لها "فشلت في جذب كبار المستثمرين وكانت تداولات غير العراقيين في البورصة ضعيفة ومحدودة".

ويعلق مدير البورصة العراقية على هذا بالقول إن المستثمر الأجنبي "يجد في السوق العراقية الناشئة فرصة جيدة للإستثمار، لكنه بنفس الوقت يبحث عن ضمان لاستثماراته، وهو يبحث عن أطر قانونية ومؤسسات يوظف أمواله عن طريقها لأنه غير قادر على الحضور الى العراق بنفسه".

وقد يكون العراق طور من بورصته ونقلها الى التداول الالكتروني، يضيف مدير البورصة "إلا اننا لازلنا نفتقد الى مؤسسة مهمة يطالب بها المستثمر الاجنبي هي (البنك الضامن) الذي يتولى تنظيم عمل بيع وشراء الأسهم بين الوسيط والمستثمر نفسه، حيث يضمن عملية البيع والشراء وإبلاغ الأطراف بها، إضافة الى قيامه بالتسديد للطرفين".

ولو تم تطبيق هذه التعليمات والقوانين وانشاء المؤسسات الضامنة، فمن المتوقع، كما يقول مدير البورصة "أن نتمكن من جذب مستثمرين جدد ومن كافة أنحاء العالم".



(Photo by Thaier al-Sudani/Reuters)