باحثون عن الجمال في بغداد

رغم ندمها على إجراء عملية تجميل لوجنتيها، لا تزال أميرة، 42 عاما، تفكر في تكرار التجربة من جديد في عيادة أخرى معروفة بين أوساط النساء المتهافتات على عمليات التجميل في بغداد.

السيدة الأربعينية لا تعاني من أي ندبة او تشوه، وهي ليست من ضحايا الحرب، لكنها قررت قبل أربعة أشهر إجراء العملية أسوة بصديقتها، في مركز للتجميل في حي المنصور غرب العاصمة.

"قمت أولا بعملية تضخيم شفتي، وشجعني نجاح العملية على إجراء عملية مماثلة لوجنتي لكن العملية الثانية كانت أصعب مما أتصور" تقول اميرة، وتضيف "حينما بدأ عملية حقن وجنتي بالسليكون شعرت بألم لا يحتمل وبدأت بالصراخ، فالمخدر الموضعي الذي استخدمه الخبير لم يأت مفعوله كوني مدخّنة".

أميرة التي لم تعقها مآسي الحرب عن التفكير بالجمال، عادت الى المنزل وكان وجهها منتفخا ومليئا بآثار الحقن التي تشبه إلى حد كبير آثار الضرب المبرح، وقد تطلب الأمر شهرا من الانتظار لتختفي الزرقة من على وجنتيها، لكنها تفكر مجددا في الخضوع لعملية أخرى "فالمرء يودّ أن يبدو أجمل" تقول أميرة.

الاقبال على عمليات التجميل بات نوعا من الموضة الجديدة في العراق. وقد تزايد الاهتمام بجراحات التجميل منذ سقوط نظام صدام حسين ونهاية الحصار الذي كان يعزل العراق عن العالم الخارجي. ومع تحسن الوضع الأمني نهاية العام 2007 عاد كثير من الأطباء المقيمين في الخارج حاملين شتى الاختصاصات من بينها الجراحة التجميلية.

من الناحية القانونية، تمنع وزارة الصحة العراقية المستشفيات العامة من إجراء عمليات التجميل الكمالية.

الدكتور سعد داخل أحد المتخصصين في عمليات تجميل الحروق في مستشفى الواسطي للجراحة التقويمية وهو أول وأكبر مستشفى عام عراقي في اختصاص التجميل قال لـ "نقاش" إن المستشفى "يجري عمليات التجميل للتشوهات الخلقية والتشوهات الناتجة عن التفجيرات أو الحوادث، لكنه لا يجري عمليات تجميل الانف، ونفخ الخدود وتكبير الثدي وسحب العين وغيرها من العمليات كون المشفى يقدم خدماته مجانا".

ووفقا للطبيب داخل، فإن الواسطي أنجزت في العام الماضي 2009 أكثر من 4200 عملية تجميل مختلفة بينها عمليات صغرى وكبرى، فضلا عن عمليات تجميل العظام، مبينا أن معظم الخاضعين للعمليات هم من ضحايا التفجيرات.

في المقابل، بات التهافت على المستشفيات والعيادات الخاصة حلا أمثل للحصول على شكل أجمل، مستوحى من من أشكال الفاتنات اللواتي يظهرن على شاشات التلفاز.

فالداخل إلى مركز الأمل المتخصص في التجميل في حي المنصور، بالكاد يفلح في العثور على كرسي فارغ للجلوس، فيما تغص صالة الانتظار بالباحثين والباحثات عن الجمال حتى الردهة.

"تأتي معظم النساء وفي أيديهن صور لفنانات يرغبن في التشبّه بهن، كنانسي عجرم وهيفاء وهبي" على حد قول أحد الممرضين العاملين في المركز، وهما فنانتان لبنانيتان خضعتا لعشرات عمليات التجميل قد أن تتمتعا بجمالهما الحالي.

ورغم نظافة المكان في صالة الانتظار، الا العيادة الداخلية مختلفة تماما عن واجهتها الجميلة، إذ بدت مليئة بالدماء ومخلفات الشاش الأبيض الذي تم رفعه من أنوف الزبائن.

وزارة الصحة قامت بوضع ضوابط لعمل العيادات الخاصة، وهي لا تمنح مراكز التجميل اجازة ممارسة المهنة إلا للأطباء المتمرسين في هذا المجال.

لكن الدكتور أسامة الزبيدي المتخصص في جراحة التجميل يعترف بوجود أخطاء في عمليات التجميل يعزوها إلى أن "العديد من المراكز تتعامل مع الطب بشكل عام والجراحة التجميلية بشكل خاص كمصدر رزق بغض النظر عن النوعية المقدمة من الخدمات للمريض"، مضيفا أن "العراق لا يمتلك تاريخا طويلا في التعامل مع هذا النوع من العمليات".

وتزدحم غالبية عيادات التجميل بالشباب من الجنسين وإن زاد عدد النساء على عدد الرجال.

وقال الزبيدي الذي يدير مركزا خاصا للتجميل أنه وطبقا للاحصائيات الاولية للعامين الماضيين، فإن نسبة النساء اللواتي يجرين عمليات التجميل في مركزه وصلت الى 86% مقارنة بنسبة الرجال التي لم تتعدى 14 %.

وتحظى عمليات زراعة الشعر بموقع الصدارة بالنسبة للرجال، تليها عمليات تجميل الأنف وإزالة الشعر بالليزر لمنطقة الوجه لاسيما في منطقة الوجنتين وحول الرقبة.

وأضاف الزبيدي أن أكثر الفئات العمرية، اقبالا على العمليات هي بين سن 28 و50 ، وتصل نسبتها الى 65 % بالمئة، تليها الفئة العمرية بين سن 18 و28 بنسبة 31 في المئة، لافتا إلى أن "المراكز الطبية الخاصة لا تجري عمليات تجميل كمالية لمن هم دون سنة الثامنة عشرة".

بالنسبة للراغبين باجراء جراحات تجميلية، وفرت المستشفيات والعيادات التي افتتحت في السنوات الماضية، كلفة السفر الى بلدان أخرى مثل سوريا التي تعد على رأس قائمة البلدان التي تستقبل العراقيين المهووسين بعمليات التجميل.

ووفقا لأسعار بعض مراكز التجميل في بغداد، يدفع الزبائن مبلغا في حدود 600 دولار في جراحة الأنف، ومبلغا مماثلا لنفخ الخدود، فيما تزيد تكلفة عمليات تكبير الصدر عن 1500 وتصل إلى 3000 دولار أمريكي حسب شهرة الطبيب، فضلا عن تكاليف بعض المواد التي يستوردها المريض بنفسه من خارج البلاد أو يشتريها من الصيدليات العراقية كمادة السيليكون الخاصة بنفخ الشفاه والخدود.

ومع إن الأسعار أقل في سوريا وفي بعض مستشفيات الأردن، إلا أن تكاليف السفر والاقامة لمدة تزيد عن اسبوعين او ثلاثة تضاعف تكلفة العملية التي تتم خارج البلاد.

بالرغم من ذلك، تقول سحر 28 عاما، التي رفضت الافصاح عن اسمها الكامل، أنها فضلت إجراء عملية تجميل الانف في إحدى مراكز التجميل في ضاحية جرمانا في دمشق وبقيت تقطن هناك لأكثر من شهر "بعيدا عن أعين الناس"، واضافت أن ذلك "جنبني الاحراج الناجم عن تضخم الأنف بعد العملية والذي يستمر لأكثر من أسبوعين".

العامل الديني بدوره لم يشكل عائقا أمام سحر التي ترتدي حجابا اسلاميا في إجراء الجراحة التجميلية، بالرغم من الأجواء الدينية الطاغية في بغداد وعموم مناطق البلاد.

وقد لجأ البعض إلى استشارة المرجع آية الله علي السيستاني، أهم الشخصيات الدينية الشيعية في البلاد والعالم الإسلامي في هذه المسألة.

وقال السيستاني في فتوى منشورة على موقعه الإلكتروني إن زرع الشعر محبب أكثر من ارتداء الشعر المستعار، الذي يمكن أن يسقط خلال الصلاة. كما إن جراحات شفط الدهون والجراحات التي تستهدف تصغير أو تكبير حجم الصدر جائزة "بشرط أن يكون الطبيب الذي يجري الجراحة امرأة".

الفتوى الصادرة عن المرجع الكبير حققت ارتياحا كبيرا في أوساط مراكز التجميل كما في أوساط المرضى. وتقول سحر في هذا الصدد "أردت الحصول على أنف جميل، وكنت واثقة ان أمنيتي لا تتعارض مع الدين".



(Photo by Romeo Gacad /AFP)