ردود فعل عراقية على فتوى الداعية القرضاوي

أثارت فتوى منسوبة الى الدكتور "يوسف القرضاوي" رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، غضب العراقيين واستتيائهم من تدخل رجال الدين في الشؤون العراقية على نحو غير مبرر. وفحوى الفتوى التي أطلقها الداعية المصريّ هو "تحريم تجنس العراقي المهاجر بالجنسية الاميركية".

وفي تبرير للفتوى ذهب القرضاوي الى ان الولايات المتحدة دولة محتلة فالتجنس بجنسيتها بمثابة اقرار بما فعلته الولايات المتحدة بالعراق، وبشرعيته. وأضاف: "إن العلماء [فقهاء الدين] قديما حرموا التجنس بجنسية المحتل، وبعض مشايخ تونس فى أيام مقاومة تونس للاحتلال الفرنسي، أفتوا بأن من يتجنس بالجنسية الفرنسية فهو مرتد".

وصدرت الفتوى استنادا الى ما يعرف بـ"فقه الواقع" أو "فقه العصر" في العلوم الإسلامية والذي يعني ان الشريعة الاسلامية خاضعة للتطور حسب التطورات العصرية او الواقعية بحيث انها من الممكن ان تتصدى لاي قضية محدثة.

وعلى الرغم من استنادها إلى "فقه الواقع"، إلا ان الفتوى "بعيدة عن الواقع" حسب رأي كثير من المواطنيين العراقيين "لان الحصول على الجنسية الاميركية ليس عملا بالغ البساطة كما يستشف من الفتوى، بل هو في حكم المستحيل في بعض الاحيان" كما يقول "عمر فاضل" [ تمّ تغيير الاسم] وهو مترجم عمل مع القوات الاميركية منذ دخولها البلاد في نيسان/ابريل 2003 وحتى تاريخ انسحابها من المدن العراقية في نهاية حزيران/ يونيو الماضي.

ويشير عمر إلى أنه، حتى ولو أراد، فلن يستطيع الحصول على تأشيرة دخول الى الولايات المتحدة، وذلك "على الرغم من كل ما قدمته للقوات الاميركية من خدمات وعلى الرغم من تعرضي لاكثر من محاولة اغتيال".

وفي حين لا تتوفر ارقام تقريبية عن نسبة المتجنسين العراقيين بالجنسية الاميركية، ولا يوجد تصور دقيق عن أعداد طالبيها بعد الغزو الاميركي للعراق، فإن الشائع لدى العراقيين رغبتهم في الحصول على جنسية اوروبية أو امريكية.

ولا يعبّر السعي للحصول على الجنسية الاميركية عن موالاة الإحتلال أوتأييده (كما تذهب الفتوى) فهي على حد ما يقول "اسد عبد الجليل" ( 34 عاما) وهو احد "المحظوظين" القلائل الذين دخلوا الى الولايات المتحدة والراغبين في نيل الجنسية الاميركية "تعبر ببساطة عن رغبة العراقي في الهرب من الظروف المعيشية المتردية ومن تهديد الجماعات المسلحة التي ضيقت مساحة الحياة امام الناس".

وتلقي الفتوى الضوء على تطلعات المواطنين في منطقة الشرق الأوسط واندفاعهم للحصول على جنسية تحميهم من المهانة، وتوفر لهم فضاء حرية لم يحلموا به، وحقوق مواطنة طالما طلبوها في اوطانهم الاصلية.

ويقول عبد الجليل "ان العراقي قد يرغب بالحصول على هذه الجنسية للحفاظ على كرامته كمسلم، ولكي لا يهدر هذه الكرامة شرطي في احدى مطارات الدول العربية عندما يعرف بانه عراقي".

كما يشير "مزهر الساعدي" مدير مركز "مدارك" لآليات الرقي الفكري وهي منظمة مجتمع مدني الى ان "العراقيين خلال سفر العراقيين الى اكثر من دولة عربية يتعرضون الى معاملة سيئة لا لشيء سوى حملهم الجواز العراقي، في حين ان العراقي الذي يحمل جنسية أميركية يعامل معاملة مختلفة".

وتأتي فتوى القرضاوي في وقت يرزح فيه ملايين العراقيين من اللاجئين تحت وطأة الضغوط المعيشية في بلدان مجاورة للعراق كسوريا والاردن ومصر، وفي وقت ترفض فيه معظم الدول بما فيها الولايات المتحدة استقبالهم كمهاجرين اولاجئين. "وهو ما يجعل من تأثير الفتوى محدودا على طلبات المتقدمين باللجوء ممن يبحثون عن ضوء في نهاية النفق" على حدَ تعبير الساعدي.

وتذهب استاذة العلوم السياسية في جامعة المستنصرية "ظفر عبد مطر" الى ان الداعية القرضاوي غفل عن ان كثيرا من الاميركيين كانوا رافضين للاحتلال الاميركي للعراق وتسأل: "هل مثل هؤلاء معادون للمسلمين والاسلام؟".

وتتابع عبد مطر قائلة "كثير من الاميركيين لا يتفقون مع سياسات حكوماتهم وخرجوا في مظاهرات ضد الحرب على العراق في حين لم يكن هناك موقف مماثل لدى كثير من شعوب الدول الاسلامية، وبالتالي لايصح التجنس دليلا على الموالاة أو تأييد السياسات الاميركية في الشؤون الخارجية".

وتعرب عبد مطر عن استغرابها من قبول الداعية الإسلامي يوسف القرضاوي -أحد اكثر الدعاة تأثيرا في العالم الإسلامي- الحصول على الجنسية القطرية، "وهي الدولة التي تستضيف قواعد امريكية في المنطقة منها انطلقت القوات الامركية لغزو العراق" في حين يحرّم القرضاوي على المواطن العراقي الحصول على جنسية أمريكية.

وأشار متابعون إلى ان القرضاوي لم يتطرّق لوجود مئات آلاف المسلمين يعيشون في امريكا مندمجين بمجتمعاتهم الأمريكية، ويعتبرون أنفسهم أمريكيين ومسلمين في الوقت نفسه دون الشعور بأي تناقض.

وبهذا الصدد أكدت لمراسل "نقاش" ممثلة المجتمعات المسلمة في وزارة الخارجية الأمريكية "فرح بانديت" في معرض تعليقها على الفتوى ان "المسلمين اصبحو مندمجين ومتداخلين في نسيج المجتمع الاميركي، والمسلمين الاميركيين يأتون من خلفيات إثنية مختلفة وبالتحديد من 80 مجموعة أثنية".

وتضيف فرح التي هي مسلمة من أصل كشميري أن "هناك 1400 مسجدا على الاراضي الاميركية يصلي فيها مسلمون يتعايشون مع جميع الاديان والطوائف".

وبحسب مختصين، تتبنى الفتوى مفاهيما لطالما استخدمتها الجماعات الاسلامية المتطرفة كتنظيم "القاعدة" لتبرير اعمالها الارهابية. وهو ما يذهب إليه الباحث "علي احمد المعموري" المتخصص بالدراسات القرآنية.

ويشرح المعموري أن "الفتوى تستند الى مفاهيم فقهية عفا عليها الزمن"، فهي تستند الى ما يسمى "عقيدة الولاء والبراء"، والتي تعني تقسيم العالم الى دار الحرب ودار الاسلام، وبالتالي "يصبح القسم الآخر من العالم مباحا كدار حرب".

و تصلح فتوى الشيخ القرضاوي بحسب العديد ممن التقتهم "نقاش" كنموذج حيّ عن تدخل رجال الدين في الشؤون العراقية وسعي بعضهم للعب دور مؤثر من خلال اطلاق فتاوى مثيرة للجدل.

فبعض رجال الدين على حد تعبير المعموري "يجدون في الشأن العراقي ارضا خصبة لإطلاق المواقف وقد أسرع بعضهم لملء الفراغ السياسي (بعد سقوط النظام) ونشر الفتاوى التي تتناول تنظيم الشؤون اليومية وصولا الى اتخاذ مواقف مصيرية تخص مستقبل البلاد مثل الموقف من الانتخابات واختيار بعض التيارات السياسية دون غيرها..".

وتأتي الفتوى كجزء من سلسلة فتاوى اطلقها القرضاوي فيما يخص الشأن العراقي، والتي تتناقض فيما بينها حسب المصلحة والاملاءات السياسية.

وكانت أبرز تلك الفتاوى واحدة اطلقها في العام 2005 حرمّت العمل في أجهزة الشرطة والأمن العراقية" بوصفها "إعانة للأميركي المحتل".وبعد ذلك بقرابة عام (أيار/مايو 2006) أصدر فتوى معاكسة للفتوى الاولى تحضّ على العمل في اجهزة الشرطة والامن العراقية "حتى لا تبقى الساحة فقط للشيعة" على حد قوله.



سعد سلوم

باحث وصحفي عراقي تولد بغداد 1975، وهو أستاذ جامعي يدرّس العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، ورئيس مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية، وهي مؤسسة متخصصة بدراسة الأقليات والذاكرة الجماعية وحوار الثقافات. كما يعمل سلوم كرئيس تحرير لمجلة مسارات الفكرية الثقافية التي صدر عددها الاول في نيسان 2005، ومنسق المشاريع في جمعية الدفاع عن حرية الصحافة والتي فازت بوسام الجمهورية الفرنسية لحقوق الإنسان للعام 2009، اُنتخِبَ في العام 2009 كأمين سر للجمعية العراقية لدعم الثقافة. عمل سلّوم رئيسا لتحرير جريدة الجهات 2003 ومديرا لمكتب جريدة المشرق 2004-2005 و مديرا لمركز المشرق للدراسات الإستراتيجية 2005- 2008 . حرر كتب الحوار المتمدن الصادرة في بغداد 2007 وهي : آفاق ومستقبل المجتمع المدني في العراق، المصالحة والتعايش في عراق الصراع، اربع سنوات من الاختلال الاميركي للعراق، واقع المرأة في عراق ما بعد التغيير، كما شارك في مؤلفات جماعية أخرى، من مؤلفاته : امبراطورية العقل الاميركي- الفوضى الشاملة والسلام الدائم 2006 مستقبل العلاقات الاميركية العراقية 2008.

مقالات أخرى للكاتب