مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

أكثر من ستين عاماً على اغتياله:
نقاش تحاور السائق الشخصي لملك العراق فيصل الثاني

محمد الزيدي
قصة مقتل آخر ملوك العراق الملك غازي وعائلته، وما جرى في تلك الليلة، وقصة خطوبته من الأميرة التركية، يرويها السائق الشخصي لملك العراق في هذه المقابلة التي أجراها معه مراسل "نقاش".
18.07.2018  |  واسط
 (الصورة: Wikimedia Commons)
(الصورة: Wikimedia Commons)

 

لم يدر بخلد "جبار حمود الجعيفري" وهو السائق الشخصي وآمر حرس العرش لملك العراق فيصل الثاني، أن تطول به سنين عمره ليكون شاهداً على كشف المزيد من الحقائق والحوادث التي شهدتها حادثة مقتل الملك فيصل الثاني في قصر الرحاب ببغداد صبيحة يوم 14 تموز يوليو 1958، الشاهد الذي شارف عمره على التسعين عاماً، يرى أن ما يجري في العراق من محن وويلات، ما هي إلا استمرار لحقبة سفك دم الملوك، وقتل العائلة المالكة بطريقة لا تتلاءم مع أبسط الأعراف الإنسانية. 

 

نقاش: ما هي المدة التي قضيتها في مهنتك كسائق للملك، ومن الذي رشحك لهذه المهمة، ومتى خرجت من الخدمة؟

الجعيفري: باشرت العمل فعلياً مع الملك في مطلع الخمسينيات، بعد أن وقع الاختيار عليّ من قبل لجنة معينة شكلها الملك كانت تجوب الوحدات العسكرية حيث كنت جندياً، مهمة اللجنة البحث عن أشخاص مؤهلين للعمل في البلاط الملكي، ونتيجة لما أتمتع به من طول مميز وقيافة عسكرية تم اختياري للعمل في العربة الملكية الخاصة، باشرت العمل وقد استمرت مدة عملي في البلاط الملكي ثماني سنوات متتالية.

 

نقاش: حدثنا عن أبرز ما كانت تتصف به شخصية الملك؟

الجعيفري: كان الملك شاباً كريماً وهادئاً وبسيطاً للغاية، يجالس الفقراء في المقاهي العامة، ويتجول في الأسواق بلا أية قيود أو حمايات شخصية، وكان مطمئناً لما يجري في البلاد، نتيجة لما تنعم به من استقرار أمني، وكان حكمه دستورياً، بلغت البلاد في وقته من الرخاء والاستقرار والازدهار حداً بعيداً، وكان يعاني حينها من مرض الربو، ويعيش حياة لا تكاد تفرقه عن عامة الناس، ولم يكن يتصور في يوم من الأيام بأنَّ "عبد الكريم قاسم" سيغدر به ذات يوم، فهو من الضباط المقربين منه، ومن رئيس الحكومة نوري السعيد، حتى أن الملك آنذاك لم يوفر لمبنى الإذاعة سوى ثلاثة شرطة لحمايتها.

أما المملكة فكانت تدار من قبل خاله الوصي عبد الإله، وكان الملك يزور قبور والديه في المقبرة الملكية كل يوم جمعة، وأتذكر ذات يوم أنني كنت جالساً في مقهى شعبي يقع على مقربة من البلاط الملكي، وصادف مرور الملك بجانب المقهى وشاهدني جالساً، فدخل إلى المقهى وجلس إلى جانبي، وطلب ممارسة بعض العاب التسلية، حتى أتذكر أن صاحب المقهى لم يأخذ مبالغ الشاي من جميع من كان في المقهى، تيمناً بمجيء الملك لمقهاه.

 

نقاش: ما مقدار ما كنت تتقاضاه؟

الجعيفري: كنت أتقاضى راتباً قدره سبعة عشر ديناراً ونصف دينار عراقي، وكان راتبي يصرف لي من سرية الخيالة التابعة للبلاط الملكي، وهو راتب عالٍ قياساً بما كان يتقاضى الجندي في الوحدات العسكرية، وبقيت على هذا الحال حتى وقع انقلاب عبد الكريم قاسم، فنقلت بعدها إلى وحدة عسكرية جديدة في الموصل، ومنها هناك تم نقلي إلى عقرة وأماكن أخرى.

 

نقاش: هل حضرت لقاءات معينة مع الملك؟

الجعيفري: أنا كنت في الموكب الملكي وكانت مهمتنا نقل الضيوف الرسميين، وقد شاركت في حفل استقبال الملك "عبد العزيز آل سعود" وكذلك ملك الأردن "حسين بن عبد الله" وحفل استقبال رئيس الجمهورية اللبنانية "كميل شمعون" ومهمتي كانت تتمحور بنقل الضيوف الرسميين من مطار المثنى إلى مقر إقامتهم، وقد سافرت مع الملك في مرات متعددة، اغلبها في رحلات اصطياف في مصيف سرسنك وغيره.

 

نقاش: حدثنا عن ساعة الهجوم على القصر، نريد وصفاً للقصر من الداخل، وكيف استيقظت العائلة المالكة على الحدث، وماذا جرى؟

الجعيفري: كان الملك مع عائلته في قصر الرحاب الواقع بجهة الكرخ، وكان من المؤمل أن يقوم عبد الكريم قاسم بمرافقة فوج عسكري متجها إلى سوريا في مهمة عسكرية هناك، لكن سرعان ما قام قاسم بتحويل مسار القطعات العسكرية التي كانت متجهة إلى سوريا، وتوجيهها نحو اقتحام القصر، وكان ذلك يجري عند الساعة السادسة فجراً، وبشكل طبيعي استطاعت القطعات العسكرية احتلال القصر الملكي، بعدما أجرت تنسيقا مسبقا مع أمر لواء الحرس الملكي الذي يبعد كيلومترين فقط عن بناية القصر، وانسحاب الدورية التي كانت مكلفة بحماية القصر وجرى ما جرى.

 

نقاش: أكمل لنا الأحداث، بعدها ما الذي جرى؟

الجعيفري: بعدما تم تطويق القصر خرج الوصي عبد الإله، ثم تبعه الملك وهو يحمل بيده نسخة من القرآن وقطعة قماش بيضاء ومعه جميع أفراد العائلة، وعدد قليل من خدم القصر وحماياته، وبعد تجمع الأسرة في باحة صغيرة في الحديقة قام الضابط المكلف باقتحام القصر ويدعى عبدالستار سبع العبوسى وهو من سكنة محافظة البصرة بفتح النيران عليهم، فصرع الملك والأمير عبد الإله والملكة نفيسة والأميرة عابدية  وجرح الآخرون، بعدها طاف المهاجمون شوارع بغداد بجثة الوصي، ثم علقوها على مدخل وزارة الدفاع، ودفنت جثث الملك والعائلة في المقبرة الملكية ولا تزال قبورهم شاخصة حتى يومنا هذا، لكن كان من الأجدر بالانقلابين نفي الملك وعائلته مثلما حصل في مصر.

 

نقاش: هل تعتقد أن ثمة خيانة في البلاط الملكي، وكيف تمت؟

الجعيفري: نعم خيانة مفضوحة، فقد كان العقيد مصطفى محمد البامرلي وهو آمر الحرس الملكي، وهو من الضباط المقربين على الملك فيصل بشكل متواصل، واتضح فيما بعد أن ما يعرف بالضباط الأحرار أجروا تفاهماً معه حول ساعة الهجوم، وحصلوا على موافقته دون مقاتلة القطعات العسكرية التي ستهاجم القصر، وهو ما حصل بالفعل، إذ كان بإمكانه تحريك قطعاته والدفاع عن الملك وبلاطه، وقد سماه "عبد الكريم قاسم" قائداً لما يعرف بالمقاومة الشعبية.

 

نقاش: ما الفرق بين النظام الملكي والأنظمة التي عاصرتها لاحقاً؟

الجعيفري: الفرق شاسع بين الأمس واليوم من ناحية الأمان والأخلاق والشرف والقيادة، وأعتقد أنَّ كل ما جرى من ويلات على العائلة المالكة يمثل انقلاباً أسود بكل التفاصيل، ولذلك من فرط حبي لتلك الحقبة قررت أن أبقى ملكياً وأموت ملكياً فمحبتي للملك لا توصف، ولذلك تراني احتفظ بكل شيء عنهم، ومنذ الحادثة في العام 1958 وإلى يومنا هذا لم أشأ زيارة مكان القصر، حتى لا أتذكر تلك الأحداث الأليمة.

 

نقاش: يقال بأنك حضرت حفلاً لعقد قِران الملك؟

الجعيفري: نعم بالفعل نظمنا في قاعة الملك فيصل الثاني في باب المعظم وسط بغداد حفلاً لعقد  قران الملك على الأميرة التركية فاضلة، وكنت حاضراً ومشاركاً في تلك الاحتفالية، حيث كان من المقرر أن يتزوج الملك في يوم الانقلاب نفسه، لكن الموت كان أسبق.

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.