مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

أقدم ساعي بريد في البصرة:
مجنون خطف الرسائل مني وأستعدتها بساندويش

سليم الوزان
في حجرة خلفية ضيقة في بناية البريد والاتصالات المركزية بالعشار يواصل ساعي البريد إياد عبد الله محمد عمله اليومي بجرد الرسائل وتدقيقها والتأكد من عناوينها قبل الشروع في جولته اليومية على دراجة نارية صغيرة متهالكة.
10.05.2018  |  البصرة

 

برغم التعب الذي يبدو على اياد إلا أن الابتسامة لا تفارق محيّاه وهو يستقل دراجته بتأنٍ مواصلا عمله الذي شغف به منذ كان هاويا للمراسلة حتى تحوله الى ساعي بريد.  موقع "نقاش" أجرى معه لقاءً عن عمله ومتاعبه ومهنة ساعي البريد.

 

- منذ متى بدأت العمل كساعي بريد وكيف كان يوم عملك الأول؟

- في منتصف التسعينيات تقريبا. في أول يوم عمل لي رافقت ساعي البريد القديم وذلك لاجتياز الاختبار أي أني في أول يوم وضعت قدمي فيه بالبريد خرجت للتوزيع وكنا نقود دراجتين هوائيتين، وقد تفاجأ باني اعرف المناطق الأربعة التي شملت تجربتي الأولى. كانت لدي موهبة معرفة جميع الأماكن والشركات والدوائر وكل ما يخطر في البال. وعندما عاد قال اني أعرف المناطق أكثر منه وسأنوبه عند تقاعده وهو ما حدث. الحقيقة أني اكتسبت الخبرة منذ كنت جنديا في الحرب العراقية الإيرانية بالثمانينات، وكانت لدي هواية المراسلة فأحببت دائرة البريد ووجدت ان مستقبلي حينذاك كان في الحصول على وظيفة ساعي بريد.

 

- تقول إنك  كنت من هواة المراسلة؟

- كنت رئيس رابطة هواة المراسلة العراقية ورئيس رابطة العناق للمراسلات العربية وكنت أتلقى رسائل كثيرة من أنحاء العالم. راسلت شخصيات عالمية وعربية مشهورة، كالممثلة صوفيا لورين وتلقيت منها ردا بالايطالية. راسلت الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي وقد لبى رغبتي بحضور مؤتمر حول العولمة في ليبيا عام 1987 لكني كنت عسكريا وممنوعا من السفر. كما راسلت المرحوم الشيخ فهد الأحمد رئيس اللجنة الاولمبية الكويتية قبل غزو صدام للكويت ومقتله، فكان يرد على رسائلي بخلق عظيم، وراسلت فيما بعد عدي صدام حسين، وقد هنأته بمناسبة زواجه، وتفاجأ إني كنت أول العارفين بخبر زواجه فأرسل بطلبي وكنت خائفا فلم أذهب، لكنه أرسل لي فيما بعد بطاقة تهنئة مكتوبة بخط ذهبي.

 

- هل كوّنت صداقات أو علاقات حميمة عبر المراسلة؟

-  كدت ان أتزوج مرتين من صديقات بالمراسلة، واحدة عراقية وأخرى مغربية. المغربية التي توطدت علاقتي بها طلبت مني الزواج ويكون زواجنا عند عمتها في فرنسا. كانت فرصة جيدة لبدء حياة جديدة وقتها. لكن رسالتها التي كان يفترض ان تحدد الأمور ضاعت في البريد وتبدلت ظروف العراق بشكل سريع وحين تراسلنا مجددا كنت قد تزوّجت. أما الصديق الذي ساعدني فكان فلسطينيا مقيما في قطر، أرسل لي ما قيمته (400) دينار عراقي وقد أرسل النقود في الرسائل نفسها دون ان تفقد. ثم أرسل لي مبلغ (2000) دينار كي اصدر جواز سفر إذ  تدبر لي عقد عمل مع مكتب بريد الدوحة. اتفقنا على كل شيء. لكن صدام غزا الكويت وتوقف السفر. فراسلته بعد سنة عن طريق صديق بالأردن فجاءني الجواب من ابنه بأن أباه توفى في مصر أثناء إجراء عملية جراحية.

 

- هل احتفظت بالرسائل؟

- كنت أحتفظ بآلاف الرسائل في صندوق خشبي كبير. ذات يوم فتحت الصندوق ففوجئت بوجود أفعى كبيرة ملتفة فوق أكداس الرسائل، ويبدو أنها استخدمت الصندوق كمكان للعيش، وقد تركتها دون ان أمسّها بسوء وكانت تشاطرني غرفتي البسيطة، هي في الصندوق وانأ على سريري، وكأنها حامية لكنزي الثمين من المتطفلين، لكني بعد زواجي ونتيجة الظروف والتنقلات من مسكن لآخر إضافة إلى ان هوايتي لم تعد مقبولة من زوجتي أقدمنا على إتلاف خزين الرسائل واعتبرها خسارة شخصية كبيرة. وقد انقطعت عن المراسلة منذ (18) عاماً.

 

- كم رسالة تنقل كمعدل شهري وما الفرق قياسا مع أيام زمان؟

- في السابق كان العمل مرهقا لكثرة الرسائل التي تردنا فلم تكن هناك الموبايلات ووسائل الاتصال الحديثة. كنت أوزع أكثر من (70) رسالة في كل دفعة وعندما أعود للبريد أجد العدد نفسه من الرسائل أو أكثر فأعاود التحرك على دراجتي الهوائية. كان الضغط شديدا علينا. وكنا نغطي أنا وزملائي اغلب مناطق البصرة. الآن تراجعت أعداد الرسائل الشخصية بشكل كبير فهناك قرابة (10) بالمئة فقط يستخدمون البريد العادي. لكن لدينا البريد المسجل ويأتي بكثرة وكذلك بريد الدوائر الحكومية وهو بريد يجب توزيعه يوميا.

 

- اليوم صارت الناس تفضل التعامل مع شركات التحويل والنقليات الأهلية لسرعتها. هل أثر ذلك على عملكم؟

- بالتأكيد. منحت وزارة الاتصالات تراخيص عمل لهذه الشركات دون الأخذ بنظر الاعتبار تأثير ذلك على عمل البريد الحكومي. التأخير في ورود البريد دفع الناس للجوء إلى المكاتب الأهلية. لا تتطلب الرسائل عبر هذه الشركات أكثر من أسبوع للوصل لهدفها، بينما تستغرق شهرا أو أكثر عبر البريد الحكومي. فبريدنا يذهب عن طريق إيران في حالة الصادر والوارد وهذا يسبب تأخيرا. لهذا السبب أحتفظ بالرسائل التي ينقصها رقم أو خطأ في عنوانها عسى أن يسأل عنها أحد، وأنشر تنبيهاً على حسابي في الفيس بوك فإعادتها يستغرق وقتا طويلا.

 

- ماهي أجمل الذكريات حول الأخبار التي نقلتها للناس عبر الرسائل التي أوصلتها لهم؟ وهل تشارك الناس أفراحهم وأحزانهم؟

- يحدث ذلك أحيانا. ذات يوم حملت رسالة من الجانب البريطاني لصاحب معرض سيارات أثناء الغزو الأميركي للعراق، وكانت دبابة بريطانية سحقت سيارته فطالب بتعويض، فقال لي انه إذا حصل على تعويض فستكون لي مكافأة ممتازة وإذا لم يحصل على شيء فحصتي لا تزيد على قدح ماء! ولما فتح الرسالة وجد التعويض ففرح كثيرا فأخبرته ان مكافأتي هي من عند الله وأنا أفضل قدح الماء.

 

- هل كنت جزءا من حياة الناس في مرحلة ما من عملك وهل مازلت تعني لهم شيئا؟

- أنا شغوف بعملي. أهالي البصرة اغلبهم يعرفوني. ذات يوم ركض خلفي طفل أثناء خروجه من المدرسة وهو يلوح بكتاب القراءة للصف الثاني ويصيح ساعي البريد! وعندما توقفت قال: هذه صورتك عمو في كتاب القراءة. فصافحته والتقطت معه صورة. وهذا عكس ما يحصل مع المسؤولين الجاحدين. ذات يوم أوصلت رسالة لمسؤول مرشح في الانتخابات البرلمانية السابقة فراح يكيل لي الثناء على عملي والتقط معي صورا وقال انه لن ينسى تحقيق بعض مطالبي لكن يبدو أنها مجرد دعاية انتخابية. فحين قابلته مرة أخرى تملّص عن وعوده فشكرته وذهبت لأني أؤدي واجبي فقط.

 

- ما هي مطالبك؟ وهذا الزي الذي ترتديه هل هو مخصص من الوزارة لسعاة البريد؟

- الملابس التي ارتديها أخيطها على حسابي الخاص وكذلك هذه القبعة حصلت عليها من محال بيع الملابس العسكرية وهي انكليزية كلفتني هي والملابس (90) ألف دينار. نحن لا نتسلم بدل خطورة أو مكافآت بينما أعيل أسرة مكونة من ستة أفراد، وأنا معرض لأي طارئ على دراجتي القديمة. وقد حصلت مكاتبات كثيرة مع الوزارة من اجل الحصول على دراجات وزي خاص، وفي كل مرة يتم اخذ قياساتنا لكن لم نتسلم شيئا. منذ سنتين لم يقم مسؤول واحد بزيارتنا.

 

- واجهت مواقف محرجة أو مضحكة أثناء عملك؟

- نعم. ذات يوم اختطف مجنون إحدى الرسائل في غفلة مني وهرب بها فاضطررت للركض خلفه وتقطّعت أنفاسي وهو يعبر هذا الشارع وذاك إلى أن امسكه بعض أصحاب المحال وقاموا بتهدئته وأقنعوه بإعادة الرسائل بعدما اغروه بساندويش وعصير وبعد مماطلة طويلة تخلى عن الرسالة وكنت أخشى أن يمزقها. لم أتوقف عن عملي كساعي بريد برغم الظروف السيئة. كنت أطوف بالمناطق حتى في ساعات غزو أميركا للعراق واندلاع الفوضى والجنون.

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.