مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

حفاظاً على مواشيهم وأطفالهم:
"البتار" قرية صغيرة أجبرت الحكومة على تحديد سرعة السيارات

محمد الزيدي
قد يبدو الحديث على فرض إجراءات حكومية على المواطنين أمراً طبيعياً في بلد مثل العراق وبلدان أخرى أيضا، لكن أن تفرض قرية صغيرة ما تريده على الحكومة هو امر غريب بالفعل.
21.12.2017  |  واسط
 (الصورة: الموسوعة الحرة )
(الصورة: الموسوعة الحرة )

على بعد (160) كم تقريباً جنوبي بغداد تقع قرية البتار، (400) منزل بنيت بطريقة عشوائية قبل سنين طويلة بمحاذاة الشارع الرئيس الذي يربط العاصمة بغداد بمحافظة واسط ومركزها الكوت، شيئاً فشيئاً أخذت القرية بالتوسع

 

تمتهن العائلات الساكنة فيها تربية الجاموس وتعتاش على ما يستخرج منه كالحليب ومشتقاته، أكثر ما يقلق العائلات القاطنة فيها هو كثرة حوادث الدهس التي يتعرَّض لها أبناؤهم الصغار، حينما يذهبون لمدارسهم الواقعة في الضفة الأخرى من الشارع الرئيس فضلا عن حيواناتهم التي تتعرض للخطر ذاته.

 

ولم تتوقف مخاوف القرية عند حوادث دهس الأطفال، بل تعدى الأمر لمواشيهم التي يربونها فقد صارت هي الأخرى عرضة لحوادث دهس مماثلة، حسبما يقول (علي الكعبي) أحد سكنة القرية.

 

الكعبي يوضح لــ"نقاش" بأنه فقد اثنين من الأبقار الكبيرة التي تعد غالية الثمن وفريدة النوع بسب سرعة أصحاب المركبات، مضيفاً أن مثل هذه الحوادث " تقع بين الحين والآخر".

 

وبحسب الكعبي فان أهالي القرية قدموا شكاوى عدة للحكومات المحلية المتعاقبة، لكنهم لم يجدوا اذاناً صاغية.

 

"محاولة استحداث شوارع خدمية تكون مروراً لمواشيهم" مقترح كان سكنة القرية يتطلعون لتنفيذه ، لكن انحسار موارد المحافظة بسبب الحرب على داعش حال دون تنفيذه يقول (علي حسن) وهو مواطن آخر من سكان القرية .

 

خمسة آلاف شخص ونيف عدد سكان هذه القرية، بَدَأوا يفكرون بالبحث عن حلول لحماية أبنائهم من حوادث السير المتكررة، فلم يجدوا إلا حلاً يتمثل بمحاولة تقليل سرعة المركبات عبر وضع مطبات اصطناعية عشوائية في الشارع الرئيس ،وبدلاً من رغبتهم إبعاد الأذى وايقاف شبح الموت عن عائلاتهم، تحولت المطبات التي وضعوها إلى "كماشة موت" تحصد أرواح العديد من مستخدمي الطريق.

 

ومع ارتفاع حوادث تصادم السيارات وموت العديد من الأبرياء، تحول موضوع المطبات إلى خلاف بين الحكومة المحلية وسكان القرية، وبات هاجساً مقلقاً للحكومة والأهالي على حدِّ سواء، وقبل ما يقرب على عام أصدر محافظ واسط السابق (مالك خلف وادي) توجيهاً يقضي بإزالة المطبات الموجودة على طريق كوت – بغداد، معتبراً في حينها أنَّ المطبات "وضعت دون موافقة الدوائر المعنية" لكن الغريب بقاء المطبات على حالها، دون أن ينفذ أمر المحافظ.

 

وأمام واقع ينذر بارتفاع أعداد ضحايا هذه المطبات، ورفض قاطع من البتاريين برفعها، لم تجد مديرية المرور في محافظة واسط خياراً سوى إقرار قانون يتضمن تحديد سرعة المركبات الداخلة إلى المحافظة والخارجة منها.

 

"نحو عشرين راداراً محمولاً على مركبات خاصة تجوب الطريق الرئيسة في المحافظة على مدار الساعة، مهمتها تسجيل المخالفين الذين يسيرون بمركباتهم بسرعة أكثر من (120 كلم) في الساعة " يقول العقيد رياض بدر مدير إعلام مرور واسط لــــ"نقاش".

 

وفي الوقت الذي يؤكد المعنيون البدء بفرض غرامات مرورية متكررة على جميع المخالفين لنظام السير، يوضح مدير إعلام مرور واسط أن جلَّ ما يطمحون إليه هو "وضع حدِّ لحوادث السير التي تقع بشكل مستمر، بالاعتماد على جملة من الإجراءات في مقدمتها تحديد سرعة مستخدمي الطريق".

 

ومع أن المحافظ الحالي لواسط يشدد على ضرورة تطبيق القانون، واحترام سيادة الدولة، وإزالة كلَّ التجاوزات على أملاك الدولة، لا تزال مطبات القرية على حالها.

 

ويقول المحافظ محمود الملة طلال لــ" نقاش" إن "حكومة واسط سعت منذ البدء بتطبيق قانون تحديد السرعة إلى وضع مفارز مرورية مجهزة بأحدث الآليات عند مداخل ومخارج المحافظة والمناطق المهمة التي عادة ما تشهد حوادث سير".

 

محافظ المدينة يوضح أنَّ حكومته "لن تتهاون في تطبيق القانون بحق المخالفين، خصوصاً من أصحاب سيارات الصالون الحديثة".

 

وما أن بدأ سريان القانون حتى حرص محافظ المدينة على مراقبة تنفيذه بنفسه، وعرضت له وسائل الإعلام مقطعاً فيديوياً، وهو يوبخ أحد السائقين الذي كان يقود سيارته بسرعة فائقة.

 

"المطبات خلفت وراءها أعداداً هائلة من حوادث السير التي يذهب ضحيتها الأبرياء، وليس من المعقول أن تفرض قرية صغيرة قناعاتها على حكومة تمثل عامة الناس " يقول لــ" نقاش" مواطن واسطي غاضب، متسائلاً عن "سر سكوت الحكومة المحلية عمّا يجري".

 

علي الباوي سائق واسطي في الخمسين من عمره يتمنى أن لا تسهم المصالح الانتخابية في تنفيذ بنود القانون".

 

ولأن "مصائب قوم عند قوم فوائد" فما أن أعلنت حكومة واسط عن تطبيق قانون تحديد السرعة، حتى سجلت ارتفاعاً بمبالغ الغرامات المالية المفروضة على المخالفين من أصحاب المركبات" يقول العقيد منعم هويدي مدير مرور واسط لــ" نقاش".

 

ويعزو هويدي ارتفاع مبالغ الغرامات الى ما يسميه "التراخي في تطبيق القانون من قبل السائقين"، مبيناً أن "الشوارع الرئيسة باتت ساحة سباق لكشف مواهب سائقي المركبات".

 

وكما تنوعت واردات الدوائر المعنية في المحافظة نتيجة لهذه المخالفات، فقد تنوعت معها طبيعة المخالفات وتعددت أشكالها، خصوصاً بعد أن وجد سائقو المركبات أنفسهم أمام تطبيق حرفي لقانون جديد.

 

حسن الفريجي وهو سائق يقول "خضعت خلال أسبوع واحد لغرامتين متتاليتين بواقع ثلاثين ألف لكل غرامة" وعن سبب هذه الغرامة يضيف "اعتدت أن أسير بسرعة (180 كلم) وليس بمقدوري التأقلم على القانون الجديد بسهولة".

 

وكثرت في الآونة الأخيرة حوادث السير على الطريق الرابط بين واسط مع العاصمة بغداد ذهب ضحيتها العشرات من المواطنين، كان آخرها حادث تصادم سيارتين على الطريق العام في منطقة البتار ، اسفر عن  مصرع (17) شخصاً بينهم نساء وأطفال.

 

ورغم ما قيل ويقال، فأن الحديث عن قانون ينظم سرعة المركبات يعدُّ أمراً طبيعياً في الدول المتحضرة، لكن تبقى حكاية كيف تتمكن قرية صغيرة من فرض إرادتها على أجهزة الدولة أمراً في غاية الغرابة، في دولة تتطلع لتنفس عبير الديمقراطية واحترام القانون.

 

 

 

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.