مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

خطوة جديدة في العراق:
أكاديميون يعالجون الأمراض النفسية بالمسرح

سار ة القاهر
اتجه بعض الأكاديميين العراقيين نحو العيادة النفسية في المسرح، ومع أن مثل هذا التوجه له تجارب عالمية سابقة، لكنه جديد في العراق والوسط الأكاديمي اقتصر على تدريس المادة النفسية في المسرح فقط.
16.11.2017  |  بغداد

 يبدو أن ظهور حالات كثيرة من الإصابة بالأمراض النفسية جراء الانفجارات والظروف الضاغطة عند العديد من الأشخاص، خاصة ممن تعرضوا للحروب والغازات السامة بات من أهم عوامل تنشيط العيادة النفسية في المسرح العراقي.

 

يسعى الأكاديمي المسرحي جبار خماط إلى العيادة النفسية في عمله المسرحي بوصفها مقترحا لعلاج هموم الناس، مؤكدا من خلالها على إرادة الإنسان وقدرته على صنع مستقبل جديد يؤسس من حاضر التجربة العلاجية مستقبلا قابلا للتداول بين الناس.

 

 يقول الأكاديمي خماط في حديثه لـ"نقاش": انه "يمثل المجتمع العراقي بطبقاته ومكوناته طاقة العيادة النفسية المسرحية التي تسعى لمعالجة الأمراض من خلال تبني القدرة على صناعة مستقبل جديد من خلال العيادة المسرحية".

 

ويضيف أن "العيادة المسرحية مقترح علاجي يهدف إلى إنتاج عروض مسرحية لها القدرة على التداول والتفاعل مع الجمهور باختلاف المكان والزمان".

 

وتقوم فكرة العيادة المسرحية على معادلة الذهاب إلى الجمهور في الأماكن التي تعاني من أزمات يراد حلها بطرق تتكفل بعلاجها والتخفيف منها قدر المستطاع، مثل السجناء والمدمنين والمصابين بالسلاح الكيمياوي.

 

واللافت ان الممثلين في العيادة النفسية المسرحية هم (المرضى أنفسهم) وهم الذين يعانون قسوة الظروف التي حولتهم الى بشر لا يمكن التواصل معهم، بل عزلهم مثل السجناء والمدمنين، فيما يكون مسرح العرض هو المكان الذي يتواجد فيه المرضى مثل المستشفيات والسجون.

 

 تتجاوز العيادة المسرحية النمطية وتعيد الثقة للمرضى وتتواصل معهم وتحولهم إلى مبدعين، وكل هذا يتحقق من خلال فن التمثيل الذي يتطلب مهارات وقدرات صوتية وجسدية، فضلا عن الخيال والتركيز والاسترخاء.

 

يؤكد خماط انه اكتشف من خلال تجربة العيادة المسرحية مع السجناء والمدمنين أن المشاركين يؤمنون بالتمثيل ويتفاعلون معه، لأنهم يكتشفون أنفسهم من جديد وهو ما يتطلب منهم الإرادة على صنع خبرة مستقبلية يقومون بتأليفها بمعنى أنهم يصنعون بخيالهم وتصوراتهم عجينة المستقبل.

 

ويضيف أن الممثلين يؤلفون نصاً من واقع حياة الناس وليس حياتهم ويقدمون خبرة جديدة للناس من خلال عرض مسرحي يقومون بتمثيل شخصياته المسرحية، أما النص الذي يمثله المشاركون في العيادة المسرحية؛ فيكتبونه بطريقة جماعية وبإشراف مدرب مسرحي.

 

وفي عرض مميز للعيادة المسرحية شارك فيه احد مدمني المخدرات كان يعاني من عزله اجتماعية شديدة وأزمات نفسية خانقة لكنه وبعد خروجه من السجن تدرب في العيادة المسرحية في محاولة للخروج من عزلته والظهور أمام الناس فاجأ الجمهور بعزف موسيقي جميل على آلة العود.

 

كان العزف هو الهواية المفضلة له حين كان صغيرا لكن الظروف المعقدة التي عاشها جعلته يهرب من نفسه ومن الحياة ويدمن المخدرات.

 

لم يكن الخروج من العزلة ومواجهة الناس أمرا سهلا بالنسبة لهذا الرجل الذي اعتاد العزلة بعد ان نبذه الآخرون ولكن من خلال تلقيه التدريبات المسرحية بما فيها من حركات جسدية وصوتية منحته قوة المواجهة والخروج من أزمته فكان هذا العرض الذي تفاعل معه الجمهور يمثل بوادر الشفاء للعودة مجددا للاندماج بالحياة العامة.

 

وألّف المصابون بالسلاح الكيمياوي نصا مسرحيا تفاعل معه الجمهور حين مثلوا في مسرحية "أنا موجود" على قاعة مديرية صحة حلبجة التي تعرضت سابقا للقصف بالغازات السامة.

 

ويبدو أن قيمة العيادة المسرحية تنبثق من الجمهور خلال رؤيتهم لأول مرة إخوانهم وأصدقاءهم من المصابين يمثلون بمهارة ويقترحون حلولا لبعض المشكلات التي يعانون منها.

 

وتسعى العيادة المسرحية إلى ايجاد الممثل الذي يمتلك التعبير البسيط والذي يتفاعل معه الجمهور، والممثل في العيادة المسرحية هو الذي يأخذ جرعة التدريب ويصنع منها علاجا وهو يبدأ من الذات وينتهي بالآخر.

 

تحقق العيادة المسرحية أهدافها العلاجية من خلال الطاقة التي يمتلكها (المرضى) وتستند الى المعالج المسرحي وهو مدرب في العيادة المسرحية، ويشترط فيه القدرة على التأليف والإخراج والتمثيل كي يكون مقنعا ومؤثرا في تواصله مع المشاركين في العيادة المسرحية. كما أن الجرعات العلاجية في العيادة المسرحية هي مجموعة من التدريبات الصوتية والحركية والقدر آت على ابتكار النص المسرحي والتمثيل.

 

ويبدو أن المشاريع القليلة للعيادة المسرحية التي تسعى لحل مشكلات المجتمع الذي يعاني من هيمنة الحروب وأثرها دفع الهيئة العربية للمسرح للاهتمام والتواصل مع العيادة المسرحية إذ تلقى مؤسس العيادة المسرحية دعوة من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي للمشاركة في فعالياته.

 

جبار خماط لا يخفي الصعوبات التي تواجه العيادة المسرحية، وأبرزها غياب التمويل الحكومي والجهات الدولية الداعمة وغياب العنصر النسوي وافتقار العيادة المسرحية إلى مركز متخصص للعلاج بالتمثيل المسرحي يتدرب فيه من يرغب أن يكون معالجا مسرحياً.

 

ومع هذه المعوقات قدمت العيادة المسرحية ثلاثة مشاريع كان الأول في سجن الأحداث بهدف حل مشكلات السجناء الأحداث وتحويل طاقتهم السلبية إلى طاقة ايجابية، أما المشروع الثاني فكان مع متعاطي الكحول والمخدرات وهؤلاء دخلوا العيادة المسرحية وتدربوا على مهارات مسرحية وتدريبات صوتية وجسمانية مكثفة.

 

فيما كان المشروع الثالث مع مصابي السلاح الكيمياوي الذين يشعرون بالعزلة والاحباط وصعوبات في التنفس، اذ دخلوا العيادة المسرحية وتدربوا وأنتجوا نصا مسرحيا قاموا بتمثيله في قاعة صحة (حلبجة) بمحافظة السليمانية.

 

واللافت ان تسخير الفنّ في علاج المرضى النفسيّين بدأ منذ أرسطو لكن المؤسسات الفنية والثقافية في العراق لم تتفاعل معه رغم الحاجة له بل اقتصرت على تدريسه في المؤسسات الأكاديمية فقط.

 

ويبدو أن فكرة العيادة المسرحية التي تتبنى علاج المرضى بفن التمثيل جاءت بعد عجز الطب عن شفاء الأمراض المتراكمة جراء الظروف المختلفة، فانبثقت هذه الفكرة لتتخذ من المسرح عاملا محفزا للآخرين وقادرا على مساعدتهم وبعث الأمل فيهم من جديد.

 

 

 

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.