مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

يستقطب المثقفين:
مسرح المقهورين يدفع الجمهور للمساهمة في الحلول

أحمد ثامر جهاد
على الرغم من حداثة التجربة التي بدأت منذ اكثر من عام لكن تجربة "مسرح المقهورين" باتت ملفتة للانتباه وتجذب الجمهور المثقف المتمرد على الواقع في مدينة الناصرية جنوب العراق.
24.08.2017  |  ذي قار

 في مشهد غير مألوف اصطفّ العشرات من أهالي مدينة الناصرية (365 كم جنوب بغداد) وهم ينظرون بدهشة إلى مجموعة ممثلين خرجوا من قاعة مسرح النشاط المدرسي متنكرين بأزياء مختلفة بينهم مهرج ورجل دين وعامل تنظيف ومثقف وشيخ عشيرة وصحفي وامرأة كادحة.

 

الممثلون الشباب يتقدّمهم مخرج العمل يحملون لافتات تحاكي لافتات المتظاهرين في ساحات الاحتجاج، توجهوا نحو ساحة عامة محاذية لنهر الفرات لتقديم ثاني عروض جماعة مسرح المقهورين أمام حشد من الجمهور العام.

 

مسرح المقهورين الذي يعرّفه صاحب المشروع، المخرج والأكاديمي ياسر البراك بأنه مسرح الجمهور لأن الأخير هو الفاعل الرئيسي في إكمال لعبة العرض وتحقيق أهدافه، لم يكن معهودا من قبل في مدينة الناصرية التي عرفت المسرح منذ عشرينيات القرن الماضي لكنه بات يقدم عروضاً في الهواء الطلق اليوم.

 

يقول البراك لـ"نقاش" إن "الجديد في هذا الاتجاه المسرحي الذي ظهر للمرة الأولى عالميا على يد المخرج البرازيلي اوغستو بوال هو انه يخالف إلى حد ما مجمل تقاليد المسرح الكلاسيكي، ذلك ان العرض من الناحية الدرامية غير مكتمل والمهمة الاساس متروكة للجمهور".

 

في مسرح المقهورين تنتهي المسرحية -عن قصد- عند ذروة صراعها الدرامي دون الوصول الى حل لعقدتها. وهنا يُطلب من الجمهور إعادة صياغة نهاية العرض المسرحي بما ينسجم مع وعيه ورغبته في التحرر من حالات القهر الاجتماعي والسياسي والديني والنفسي التي غالبا ما يقع المتفرج تحت وطأتها.

 

يقول البراك "نحن في عرض المقهورين رهن تفاعل جمهور المتفرجين مع أفكارنا ومدى حماسه للتعاطي مع لعبتنا المسرحية من دون أوهام وتأثيرات عاطفية. انه ضرب من التفاعل العقلاني بين المسرح وجمهوره نبتغي من خلاله اخراج الاخير من حالة المشاهدة السلبية نحو المشاركة في صياغة العرض".

 

عمار نعمة جابر كاتب وممثل مسرحي في جماعة الناصرية للتمثيل واحد اعضاء مسرح المقهورين يؤكد ان ما جذبه لهذه التجربة هو "الخوض في حالة المسرح التفاعلي والتشابك المباشر مع الجمهور الذي يملك الاستعداد لهجر صالات المسرح، للذهاب الى العرض في أماكن تواجده سواء في المصنع والشارع والكراج والسوق وهو ما ينتج عنه في النهاية تجارب فاعلة ومؤثرة في وعي الناس".

 

ويقول "على المستوى الشخصي ساعدني العمل في مسرح المقهورين على اختبار قدراتي في الاداء التمثيلي من خلال فعل الارتجال الذي تتطلبه التجربة، حيث يستدعي العرض خارج مسرح العلبة الايطالية إمكانيات فردية للمواجهة والاسترخاء وقبول المتفرج كممثل ومتدخل مباشر في سير الأحداث".

 

بدأت تجربة مسرح المقهورين اواخر شهر اب 2016 من خلال إقامة ورشة تدريبية على مدى أسبوعين لمجموعة من الشباب الهواة تجاوز عددهم العشرين مشاركا بينهم ممثلة واحدة. وتضمنت الورشة تقديم محاضرات نظرية عن هذا الاتجاه المسرحي مع تدريبات عملية على منهج (اغستو بوال).

 

وكان العمل الأول للمقهورين هو (الفيل يا ملك الزمان) عن نص للكاتب السوري سعد الله ونوس، حيث جرى تكييف النص بما يتناسب مع الواقع العراقي وتم عرضه على مدى ثلاثة ايام كانت استجابة الجمهور فيها حماسية وغير متوقعة.

 

يقول البراك عن عمله هذا "في لحظة ما يكون الممثلون -عن قصد- عاجزين عن تقديم الحلول او قول الحقيقة امام الملك المستبد مما يحفز الجمهور الى تجاوز مخاوفه والتدخل لاقتراح الحلول المنطقية الناجعة لمسار العرض المسرحي".

 

في حين كان العمل الثاني للمقهورين بعنوان (مفتاح الفرج) عن نص للكاتب عمار نعمة، وقد قدم في مكان مفتوح بما يشبه التظاهرة لدفع الجمهور الى المشاركة وتهيئته للدخول الى فضاء العمل المسرحي بما له من محمولات سياسية تهم الراهن العراقي".

 

ومع ان بعض المتفرجين قد تحفظ على فكرة المسرحية معتبرا أنها تلمح الى ان التظاهرات في العراق ممارسة غير مجدية، او أن الاطراف الدينية تسعى لإفشال التظاهرات في العراق لأنها تضر بمصالحها، لكن هدف المسرحية قد تحقق بحسب القائمين على العمل لأنه في الاساس لا يدعو الى آراء معينة وانما يسعى الى إعادة فتح الحوار بشأن طبيعة الحراك الجماهيري والنظر في معوقاته وإمكاناته الفعلية.

 

محمد نوري طالب في معهد الفنون الجميلة بذي قار يرى ان تجربته في مسرح المقهورين من أهم التجارب التي عمل بها منذ دراسته في قسم المسرح.

 

ويقول لمراسل نقاش "العمل مع جماعة المقهورين منحني كممثل ثقة كبيرة في تنمية قدراتي ومهاراتي والتعرف عن قرب على تقنيات التمثيل الحديث، فضلا عن تمكيني من التعامل مع الجمهور دون تردد".

 

ويضيف "ربما الاهم النسبة لي هو ان مسرح المقهورين يتوجه بشكل مباشر لمعالجة قضايا اجتماعية وسياسية من صلب الواقع العراقي بشكل فني يدفع الجمهور للتفكير بوضع الحلول المناسبة لها من دون ان تأتي هذه الحلول جاهزة من قبل المؤلف أو المخرج".

 

الممثلة والناشطة صابرين الحسيني التي تتحدى الضغوط الاجتماعية في مدينة مثل الناصرية تقول ان "تجربة العمل في مسرح المقهورين كانت تجربة فريدة بالنسبة لي لأنها غيرت الكثير في شخصيتي وفي طبيعة تعاملي مع الآخرين، لاسيما مساعدة الجمهور في تخطي الظروف القاهرة من اجل الوصول إلى حلول يختارونها بأنفسهم ولا تفرض عليهم قسرا".

 

وحول الرأي الذي يذهب الى ان مسرح المقهورين يحمل في جوهره أصداء مسرح التغريب الألماني، يوضح البراك "إذا ما أردنا اقتراح مرجعية فكرية محددة لمسرح المقهورين فربما الاقرب اليه هو مسرح المخرجين الألمانيين (بريخت وبيسكاتور) فمسرحهما يعمد لاستفزاز وعي المتلقي وتحريضه على التغيير".

 

ويضيف "مسرح المقهورين يختلف عن ذلك في انه يجعل من الجمهور ممثلا في العرض ولا يكتفي بفعل التعليق والتفاعل الجزئي بل يشجع الجمهور على ان يصبح فاعلا رئيسا في إعادة إنتاج العرض".

 

يقول المسرحي العراقي المغترب حيدر عودة إن "عروض مسرح المقهورين الجديدة على الجمهور العراقي وجدت تفاعلا أسرع من غيرها من العروض المسرحية الأخرى، لأنها تناقش المشكلات اليومية مع مسحة من السخرية لذلك هي تقترب من تجارب الفنون الأدائية منها إلى العروض المسرحية التقليدية".

 

ويضيف ان "عروض المقهورين وفقا لخطابها التحريضي لا تهتم كثيرا بجماليات العرض المسرحي في مقابل هيمنة الخطاب السياسي والاجتماعي النقدي وهو ما يجعل هذه العروض شكلا مسرحيا أكثر منها عروضا مسرحية".

 

تجارب اخرى لمسرح المقهورين ظهرت في وقت سابق في قرقوش في الموصل وفي مدينة كركوك، فضلا عن تجربة للمخرج الفلسطيني الاصل ادوارد المعلم بمعية عدد من الممثلين الكرد عام 2006 وكانت تحت مسمى مسرح المضطهدين.

 

كما قدم المخرج ليث عبد الغني تجربة واحدة في قضاء الشطرة بمحافظة ذي قار، في حين اقام المخرج المغترب عامر الازرقي ورشة تدريبية حول مسرح المقهورين في كلية الفنون بجامعة البصرة.

 

 

 

 

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.