مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

سؤال للمهاجرين:
هل ستعود إلى الموصل إن حلّ فيها السلام ذات يوم؟

نوزت شمدين
قد يعتقد الانسان انه بمجرد مغادرته المكان الى آخر أفضل سينسى أيامه وتأريخه الطويل في وطنه وسيتأقلم سريعا مع المكان الجديد، لكن الذكريات القديمة تبقى تجوب في الاذهان.
13.10.2016  |  النرويج
سوق الموصل عام 1932 (الصورة: الموسوعة الحرة)
سوق الموصل عام 1932 (الصورة: الموسوعة الحرة)

 مات فيَّ ذلك الأحمق الذي اعتقد أن الموصل يمكن نسيانها بمجرد أن أحمل حقيبتي وأرحل بعيداً عنها. فها هو ذا عام غربتي الثالث يكاد ينقضي وما زلت أجوب بذاكرتي شوارعها وأزقتها ومدارسها وبيوتاتها التي ضمت أربعين سنة من عمري.

 

ربما هي ليست مثل مدينة (Skien) النرويجية الساحرة التي أقطنها الآن مع عائلتي الصغيرة، فالموصل التي كانت في مقدمة المدن العراقية عقوداً طويلة عاقبتها الحروب العبثية المتلاحقة وخنقها الإرهاب بوحشيته فتراجع التعليم وتوقفت حركة الاقتصاد وأحيلت دور السينما والمسارح الى التقاعد واعتقلت المرأة في سجن المنزل وصار الموت عقوبةً لأبسط مخالفة أو مجرد فكرة تغيير تخطر في البال.

 

 لكنه الوطن يشدني إليه بأسلاك غير مرئية ويبقيني دائراً في فلكه، هذا هو الجوهر وباقي الأشياء مجرد قشور فوق بعضها راكمتها الظروف وربما أخطاؤنا كمواطنين سمحوا لكل ذلك أن يحدث ثم أداروا ظهورهم ورحلوا ببساطة.

 

ولطالما اعتقدت بأنني أكثر شخص موصلي يعاني من اضطرابات دوار المهجر وأنني الوحيد الذي اكتشف أن الحبل السري بين المدن وأبنائها لا ينقطع أبداً غير أنني أدركت خطأي الفادح يوم حضرت جلسة أقامها المركز الثقافي العراقي في أوسلو للروائي الموصلي محمد المفتي.

 

الروائي المذكور مقيم في النرويج منذ (17) سنة ومع ذلك بدا كأنه وصل للتو فقد كانت تفوح منه روائح باب السراي والمناطق الشعبية في لحظات ما قبل مدفع الإفطار وتنطلق من بين يديه أسراب حمامات الغابات وفراشات السهول الربيعية الملونة وتقطر من عينيه دموع النازحين في مخيمات الحزن والباقين في معتقلات الأسر تحت نير احتلال داعش.

 

 علمني المفتي يومها وهو ينقل بحماسة ثائر معاناة أهله أن الوطن ليس مجرد شعار نرفعه ونلصقه على جدران منازلنا وكتبنا المدرسية، بل هو مختوم على جباهنا ومخبوء في قلوبنا وضمائرنا وملتصق بأرواحنا وأينما امتدت بنا خطوات الرحيل سيظل ساكناً فينا. 

 

قلت له بخجلٍ مثل تلميذ في درسه الأول: "هل تعود الى الموصل إن حل السلام فيها ذات يوم؟". فكر قليلاً قبل أن يجيب: "أليس علي أن أغادرها أولاً"؟.

 

شعرت بأنني حشرت انفي في خصوصيته وجاوزت خطاً إنسانياً أحمر، ففي النرويج لا يمكن أن تسأل الغرباء عن أشيائهم الخاصة وتدور الحوارات في الغالب عن الطقس وقضاء العطل والطعام.

 

المفتي شطب كل ذلك وأعادني من شرودي بقوله: "علينا أن نرد للموصل دينها الذي في أعناقنا".

 

التقط سريعاً علامة الاستفهام المرسومة على وجهي وتابع: "يجب أن نبقيها ضمن الإطار العراقي ونقطع الطريق على من يريد فصلها بعد تحريرها من داعش بذريعة تحويلها الى إقليم وغيرها من المشاريع التي يجري تداولها بين السياسيين ويقيمون لها المؤتمرات والندوات ويروجون لها في وسائل الإعلام لكن دون أن يأخذوا رأي مواطني المدينة المعزولين في الموصل بسبب قطع وسائل الاتصال عنهم من هواتف وانترنيت ومنع استخدام أجهزة الستلايت التلفزيونية".

 

"أليس تحويلها الى إقليم حلاً لمنع تكرار ما جرى في الموصل من تجاهل بغداد لملفاتها الأمنية والاقتصادية والاكتفاء بمشاهدتها سنوات وهي تعاني من سرطان الإرهاب ثم تركتها لقمة سائغة له بسحب سلطتها الأمنية"؟.

 

قاطعني بهدوء وهو يضغط بيده على كتفي: "السيناريو المطروح الآن هو تحويل نينوى الى عدة محافظات على أساس عرقي وطائفي وهذا يحمل في طياته خطراً مستقبلياً كبيراً".

 

سألته مجدداً: "هذه هي طبيعة الأقاليم مجموعة من الناس تجمعهم انتماءات وتتشكل في ضوئها وحدات إدارية"، حرك أصبعه نافياً: "هذا لن يستقيم مع نينوى لأن مكونات المحافظات المفترضة مصابةٌ أصلاً بجرح عميق أحدثه داعش وأسباب الخصومة ستظل باقية ولا يمكن جمعها ببساطة في إقليم بل سيفضل بعضها الاندماج مع الجيران كقضاء سنجار مثلا ومدن سهل نينوى وأرى انها لن تتردد أبداً في طلب الانضمام لإقليم كردستان بدلاً من الدخول في نظام إداري غامض بلا حماية أو مصدر تمويل واضح إن رفضت بغداد إقراره ودعمه من الموازنة العامة".

 

انتابتني مجدداً أعراض دوار المهجر وأنا أحاول فك الاشتباك الذهني بين الأمنيات وواقع الحال فلا مناص أمام المدنيين غير الدخول في دوامات الصراعات السياسية ولا يكادون يخرجون من أزمة حتى يجدوا الأخرى تفتح أذرعها الأخطبوطية لهم.

 

قلت كمن يحدث نفسه: "الأمر متوقف على ما سيقرره الناس "، أبتسم محمد المفتي وفرش كفه في حركة استباقية لما سيقوله لكنني واصلت: "رد الدين لمدينتنا يكمن في الوقوف مع الناس لتقرير مصيرهم بأنفسهم بدلاً من أن يقرره الآخرون عنهم‘ علينا أن ننصت لهذا الصوت فقط وننقله للعالم لكسب التأييد والدعم".

 

هز رأسه متفهماً فجذبتني أسلاك الوطن غير المرئية بقوة ورحت أقول: "على أهالي نينوى أن يستفيدوا من الدرس القاسي ويفتشوا عن المشتركات ذاتها التي جمعتهم من قبل وجعلت أجراس الكنائس تدق في الموصل الى جوار تكبيرات الجوامع في سلام عاشه معاً وذاق طعم حلاوته العرب والكرد والتركمان والإيزيدية والشبك".

 

أفرج عن ابتسامة عريضة وسألني ناظراً في عيني: " هل ستعود الى الموصل إن حل السلام فيها ذات يوم؟ "فأجبت على الفور مقلداً لكنته: "أليس علي أن أغادرها أولاً"؟.

 

 

 

 

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.