مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

يخشون التصفية:
شباب الإيمو والمثليين: ظاهرة شكليّة أم ميول نفسية مضطربة؟

أحمد ثامر جهاد
البعض يسمّيهم (إيمو) وآخرون عدّوهم مخنثين، وهم أنفسهم لا يبدون معنيين كثيراً بتصنيف وضعهم ولا بوجهات نظر الآخرين بهم، قدر اهتمامهم بمظهرهم والعيش بالطريقة التي ترضيهم برغم المخاوف والمحاذير.
13.07.2016  |  ذي قار
 (الصورة: Diego DeNicola / Wikimedia Commons)
(الصورة: Diego DeNicola / Wikimedia Commons)

 لا يتردّد نورس (17 عاما) وهو طالب اعدادية خلال تجواله في مدينة الناصرية عن وضع مسحة خفيفة من أحمر الشفاه وارتداء قلادته السوداء التي تتوسطها جمجمة فضية، مرتدياً بنطلونا أسود ضيقا وقميصا خفيفا ببضعة أزرار مفتوحة.

 

اعتاد نورس بوسامته المميزة، التحرشات العابرة من قبل أناس تزدحم بهم أرصفة الأسواق، كلمات نابية ومزدرية وأخرى مثيرة لا يتردد البعض في توجيهها إليه، أما إذا كان بصحبة احد أصدقائه الحميمين فمسلسل المضايقات لا ينتهي.

 

وهو يدعي أنه اعتاد تلك المضايقات ولا يراها مختلفة عن حالات التحرش بالفتيات الجميلات. ويقول لـ"نقاش" انا "اشعر بالإطراء والإثارة أحيانا لسماعي الكلمات التي تمتدح وسامتي، لكن ثمة نوع متجهم من الناس يخيفونني بنظراتهم التي تعبر عن غضب دفين وعدم رضا".

 

هؤلاء (المتجهمون) هم من يشير إليهم إحسان (22عاما) بخوف وهو يداعب خصلات شعره التي تخفي جزءا من وجهه الأنثوي مستذكرا المدة العصيبة التي فقد فيها اثنين من اعز أصدقائه الذين كان يتواصل معهم عبر الانترنت.

 

فتصفية أمثالهم التي حدثت في بغداد قبل سنوات من قبل مجموعات دينية متطرفة ما زالت ماثلة في ذهنه.

 

ويقول لـ"نقاش" انه "لشهور عدة لم أغادر البيت بعد أن فقدت اثنين من أصدقائي في أحداث بغداد، احدهما من منطقة الدورة والآخر من بغداد الجديدة على يد جماعات متشددة وعناصر من الشرطة شرعت بحملة على الشباب المخنثين والايمو دونما رادع، حينها شعرت بخوف شديد وكذلك بقية أصدقائي، ومن يومها فكرت جديا بالسفر خارج العراق".

 

احسان لم يستطع السفر بسبب اعتراض ذويه وإرغامه على العمل في محل العائلة للهواتف النقالة. "حلم الهجرة لم يفارقني أبدا" يقول بشيئ من الاصرار.

 

أسوة بالعديد من مدن الجنوب والوسط، يبدو الأمر غير مألوف في مدينة مثل الناصرية تخضع للتقاليد المحافظة وسيطرة الأحزاب الدينية المتشددة، فهؤلاء الشباب باكسسواراتهم وملابسهم وحركاتهم الغريبة ينتشرون اليوم حتى في أقضية ونواحي المحافظة، وربما أتاح انشغال الجميع بالأوضاع الأمنية والاقتصادية مساحة من الحرية لهم.

 

يلتقي نورس أصحابه في احد مقاهي الناصرية الذي افتتح منذ ثلاث سنوات ولا شيء يميزه عن سائر المقاهي. مكان صغير يضم قاعة مستطيلة وعددا محدودا من الكراسي قبالة واجهته.

 

على هذا المكان يتدفق الشباب المخنثون والآخرون الذين يعتبرون أنفسهم ايمو، ومعظمهم منشغلون بتدخين الاراكيل وشرب الشاي والقهوة وسماع الأغنيات الشعبية واللعب بالهواتف النقالة، ومنهم من يجد فرصة سانحة للقاء حميم أو التعرف على أصدقاء جدد.

 

لكن حمودي والملقب بـ(كروز) وعمره (22 عاما) ينفي أن يكون جميع رواد المقهى ايمو ويقول "نحن شباب ستايل والبعض منا لديه ميول مثلية وهناك من يميلون للجنسين معا، فصعوبة الاختلاط المباشر بالفتيات في واقع مدينتنا تدفع البعض للتقرب من المخنثين".

 

ولا يخفي (سجو ) - هكذا يدعوه أصدقائه – وهو من مواليد 1997- انجذابه لأبناء جنسه منذ أن كان في المدرسة التي اضطر لهجرها بسبب تعثر مستواه الدراسي ومضايقات الطلاب وسخرية بعض المدرسين من مظهره الأنثوي.

 

ويقول انه يمضي معظم وقته حاليا بالتعرف على أصدقاء من نوعه عبر الانترنت من خلال صفحة (تجمع ايمو العراق)، ولا يخفي انه يقضي أجمل أوقاته مع عشيقه عبر الكاميرا ويب.

 

ويضيف "اشعر أنني إنسان طبيعي في كل شيء وان كنت امقت معايير الرجولة التي يفرضها المجتمع، الكثير من الشباب اليوم يتشبهون بهيئة الايمو ويقلدونهم في التصرفات، ويتمنون العثور على شخص جذاب يتفهم رغباتهم".

 

هؤلاء الشباب ومعظمهم من المتعثرين دراسيا، يفضلون اللقاء في البيوت، بعيدا عن مراقبة الآخرين ومضايقاتهم، وتكتنف السرية عملية تحقيق رغباتهم الجسدية.

 

يؤكد سجّو انه يحضر في أوقات معينة جلسات خاصة تقام في بيت احد الأصدقاء وتجمعه بأحبته، ولا يتجاوز الحضور أربعة إلى خمسة أشخاص ويقول "قد نرتدي ملابس مثيرة ونرقص على إيقاع الأغاني الشعبية ويتخلل السهرة أحيانا مشاهدة أفلام للبالغين".

 

يقول(فراس) خريج كلية العلوم وهو صديق لبعضهم وينفي أن يكون واحدا منهم، إن موضوع الايمو في العراق خال من المعتقدات والأفكار التي يعتنقها الشباب الغربي، ويضيف "ليسوا من مصاصي الدماء أو عبدة الشيطان كما يتخيل البعض ويهولون الأمر، بل مجرد شباب تجذبهم الصرعات الغريبة، قد تكون هناك ممارسات عاطفية بينهم لكنها محدودة جدا".

 

ويعتقد عبد الرزاق علي الباحث الاجتماعي والناشط في مجال الحريات، انه في حال استبعاد اثر العامل البايلوجي والذي يبقى تأثيره محصورا بفئة قليلة، فان التنشئة الاجتماعية والأنساق الثقافية تلعب دورا بارزا في نمو أو ضمور هذه الظاهرة في السر أو العلن.

 

ويقول "يبدو لي أن البيئات الثقافية والاجتماعية والأخلاقية للمجتمع تؤثر بشكل حاسم في إنتاج تصور الفرد لذاته وتحدد تاليا صفاته، أي إنتاج صورة أولية عن الميول الجنسية وبالتالي إنتاج الهوية الجنسية – الجندر لدى الأفراد ، رجالا ونساء".

 

ويضيف "شاعت هذه الظاهرة بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة في اغلب مدن العراق، لكنها ليست جديدة، فقد كانت موجودة سابقاً ومن ضمن المسكوت عنه في ظل سيادة المفاهيم المحافظة، إلا أنها تتجدد وتبرز إلى السطح متسقة مع التحولات التي يمر بها المجتمع العراقي وتأثيرات وسائل العولمة وشيوع نمط استهلاكي جديد قائم على ثقافة المظاهر والإنفاق والزينة".

 

المبالغة في التزيّن والميوعة هي سمتهم الأبرز، يؤكد "أبو جنّات" صاحب صالون حلاقة، حيث يتردد على صالونه الكثير من الزبائن المخنثين والمثليين، وهو يعتبرهم مصدر رزق جيد.

 

ويقول لـ"نقاش" انه "برغم الحرج الذي يسببه إقبالهم على الصالون، إلا أنني اعتبرهم من بين زبائني المفضلين لكثرة ترددهم على المحل ودفعهم أجورا جيدة مقابل تجميلهم. المشكلة أنهم متطلبون جدا: فيرغبون بتنحيف الحاجب أسوة بالفتيات وإزالة الشعر عن الوجه تماما ووضع مساحيق تجميل وتنعيم البشرة، فضلا عن تسريحة الشعر".

 

ويعزو صالح حسين الباحث في مجال الإرشاد النفسي والتوجيه التربوي شيوع ظاهرة الميوعة والتخنث بين الشباب إلى عدم فهمهم ميولهم، ويقول "لا تبدو المعايير المحددة لهوية الفرد وصورته عن ذاته يقينية تماما في أعمارهم -باستثناء العناصر البايولوجية والتحولات الجسدية الواضحة- لذا تشابهت تلك النوازع الغريبة بين المراهقين في مجتمعات متحدرة من ثقافات مختلفة".

 

حسين يدعو الجهات المعنية إلى الكثير من الشفافية والصراحة للتعرف على دوافع الشباب الذي يغادرون نطاق هوياتهم الجنسية وعدم الاكتفاء بنبذهم أو تصنيفهم حسب المظهر فقط.

 

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.