مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

الموسيقى في سرداب مظلم:
لماذا لا يحارب "داعش" البلابل؟

نوزت شمدين
ليس من السهل أن يعيش الموسيقيون في عصر داعش وفي كنفها وعلى الأراضي التي تفرض سيطرتها عليها لكن احد الموسيقيين في الموصل فعلها وعاش في العصر الداعشي موسيقياً كما كان بعيداً عن التوبة.
10.03.2016  |  برلين

مع هبوط الظلام وانحسار تواجد عناصر تنظيم داعش في شوارع المدينة يتنقل الشاب أحمد بخفة مدربة بين أزقة الأحياء القديمة مانحاً لرجليه حرية ماراثونية للحصول على أكبر قدر من التمويه مع لحظات إبطاء أمنية يتلفت خلالها للتأكد من أنه غير مرصود ومع وصوله إلى الهدف يطرق الباب ثلاث طرقات خفيفة فينفرج على الفور ليدخل مسجلاً خرقاً جديداً في جدار داعش الأمني.

 

خلف الباب ينتظر أسعد عزيز كل يوم في مثل ذلك الوقت طرقات أحمد المتفق عليها، يراقب قبلها من حديقته المنزلية انسحاب آخر خيوط الضوء ليرتفع بعدها المستوى البياني للقلق وهو يخمن تحركات الشاب: "الآن خرج من المنزل وسيبلغ العكيدات بعد لحظات، هو الآن في شارع الفاروق، ربما توقف في باب جديد، سيسرع قليلاً وهو يقطع شارع النبي شيت، قد يمر بشارع الدواسة أو يدور بمكر عبر منطقتي السجن والطيانة ليناور قبل دخوله حي الطيران".

 

يحدث هذا كل مساء، يخترق الاثنان باحة المنزل بهدوء وحذر دون أن يتفوه أيّ منهما بأي كلمة. يغلقان بإحكام أي باب يجتازانه قبل أن ينزلا سرداباً باثنتي عشر درجة تنتهي بمساحة ضيقة ومكتظة بالأشياء الزائدة عن الحاجة المنزلية.

 

يبعدان علباً وصناديق وحقائب ثياب ومقاعد متقاعدة ليلتقطا كيسين سميكين من القماش، يحلان بسرعة ربطتيهما قبل أن يستخرجا آلتي عود، يجلسان متقابلين ونور الفانوس يمشط ملامحهما المبتسمة بينما أصابعهما تدوزِن أوتاراً قاومت بكفاح الثوار قوانين داعش بتحريم العزف وعقوباته المتراوحة بين الجلد أو الإلقاء من أعلى بناية في الموصل.

 

لا يعرف الموسيقي أسعد عزيز غير العود سلاحاً يقاوم به احتلال داعش لمدينته التي قضى فيها عقود عمره الست. رافضاً مغادرتها وهو الأرمل على الرغم من توسلات ولديه اللذين فضلا النجاة بعائلتيهما منتقلين إلى أربيل في شهر الاحتلال الأول، ويعدّ كل يوم تمرينٍ مع تلميذه أحمد معركةً ضمن حرب بدأها منذ أول لافتة سوداء رفعت معلنةً دولة الخلافة الإسلامية التي لم يعترف بها قط.

 

"هم أيضاً فعلوا الشيء ذاته" يقول مشيرا الى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام: "فقد بدؤوا حكمهم بحرب ضد الفن وتحريمه بمختلف أشكاله، فدمروا تمثال أشهر موسيقي عرفته الموصل وهو الملا عثمان الموصلي الذي كان منتصباً منذ سنوات بعيدة أمام محطة القطار في جانب المدينة الأيمن".

 

ويتابع بأسى "ألغوا دراسة الفنون الجميلة موسيقى وغناءً ومسرحاً وتشكيلاً ونحتاً مبقين على رسم الخط وأقفلوا مكاتب الموسيقى والاستوديوهات والتسجيلات ومنعوا إذاعة الأغاني والموسيقى في المقاهي والمركبات والمنازل".

 

التنظيم حدد عقوبات للمدخنين والمتهمين بالزنا والسرقة والتجسس وغيرها من القضايا التي تنظرها محاكمه الشرعية محدداً لكل منها عقوبة منصوص عليها، لكنه ترك أمر عقوبة الموسيقيين بيد القاضي الشرعي فهو من يحدد عدد الجلدات تزيد أو تقل عن 100 حسب قناعته، وقد يتمادى ليصل بالعقوبة إلى ابعد من ذلك.

 

ويحصي أسعد عزيز أربع حالات كان ضحيتها عازفان وصاحب تسجيلات صوتية وشاب صغير تم جلد الثلاثة أمام الناس في أوقات متباعدة ومناطق مختلفة من الموصل لأنهم قاموا بأفعال الكفار ويمارسون مهناً محرمةً شرعاً وفق داعش. بينما تم قطع رأس شاب صغير بسبب القبض عليه متلبساً بسماع الأغاني وهذه التهمة بالذات أدت الى اعتقال خمسة آخرين خلال العام المنصرم لا يعرف عن مصيرهم شيء.

 

يتساءل مستحضراً في ذهنه الكائنات والطبيعة التي تصدر عنها أصوات موسيقية يطرب لها الناس: "لماذا لا يحاربون البلابل ويمنعون عزف الرياح وقرع الرعود وتفاعل أغصان الأشجار وسيمفونية خرير المياه؟".

 

ويتابع: "أليس من الغباء تحريم العزف على العود بينما تترك طيور الكناري تمارس كفرها بستين نغمة مختلفة".

 

السرداب يشكل جزءاً أساسياً من التصميم العمراني للمنازل ولاسيما في أحياء مدينة الموصل القديمة أستخدمها السكان وعلى مدى عقود طويلة هرباً من حر الصيف اللاهب الذي قد تصل فيه درجات الحرارة خارجاً الى نحو 50 درجة مئوية في حين يحتفظ السرداب ببرودته كما أنهم يخزنون فيه مؤونتهم وما يفيض عن الحاجة.

 

وتحول السرداب في أزمنة الحروب الى ملاجئ هرع إليها الأهالي هربا من الصواريخ والقنابل الهابطة من السماء في الحروب التي خاضها العراق خلال أربعة عقود خلت مع إيران والولايات المتحدة الاميركية.

 

هكذا يصف دور السرداب في حياة الموصليين، لكن سردابه تم تحويره بعض الشيء ليصبح كاتماً للصوت، فقد قام في منتصف حزيران 2014 بإغلاق نافذتيه الصغيرتين المؤديتين الى باحة المنزل الخلفية بالطابوق والأسمنت وهكذا يمضي ساعات مطمئنة مع تلميذه الوفي احمد يعلمه بصبر كما فعل مع كثيرين طوال ثلاثين سنة من مشوار تعليم العزف.

 

قال لأحمد ذات مرة وهو يفرش أصابع يده اليمنى في الهواء: "هنا يكمن السر"، ثم قام على الفور بشطب علامة الاستفهام التي تضخمت في ملامح تلميذه وشرح له "داعش دمرت في مجزرة كبيرة الآلاف من آلات الموسيقية الوترية والهواية واعتقدت أن عقوباتها وترويعها سيجعل الفن ينقرض".

 

 وبعد لحظات صمت ثم قال وهو يمد الريشة ليهز بها الأوتار "أسلحتنا الحقيقية هي أصابعنا".

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.