مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

مشاهدات من داخل المدينة
الموصل تعيش سكون ما قبل العاصفة

خاص
لا يختلف إثنان على أن الذهاب إلى الموصل اليوم يمّثل مغامرة كبيرة، فمنذ التاسع من حزيران/يونيو الجاري تحتضن ثاني أكبر مدينة عراقية مسلحي داعش المتشددين. هناك لا سلطة للحكومة بتاتاً لكن مشاهدة ما يجري عن كثب ربما…
20.06.2014  |  الموصل
A military vehicle burning in Mosul last week, when extremists first took over the city.
A military vehicle burning in Mosul last week, when extremists first took over the city.

Tweet
//


على بعد 200 متر عن المدخل الشرقي للمدينة أوقف السائق الكردي سيارته التي أقلّتنا من أربيل وقال " كما قلت لكم مسبقاً هنا تنتهي مهمتي لن أتقدّم متراً واحداً بعد".

ترجلنا أنا وشابان أحدهما طبيب والثاني طالب جمعنا هدف الوصول إلى الموصل فهما يريدان الوصول إلى عائلتيهما وأنا أبحث عن حقيقة ما يجري.

كانت الطريق سالكة. استقلينا تاكسي إلى المدينة بشكل سريع وكانت الصدمة حينما شاهدنا معالم التغيير الهائل، وعند أول نقطة تفتيش يسيطر عليها مسلحون ملثمون ظهرت أمامنا لافتة كبيرة كُتب عليها "ولاية نينوى ترحب بكم".

"لا تخافوا إنهم لا يعترضون طريق أحد" حاول السائق بث الطمأنينة في نفوسنا حينما شاهد الخوف بادياً على وجوهنا.

تنفسنا الصعداء ونحن نمر بسلام وكانت جميع مقار وأبراج القوات الأمنية سويّت بالأرض، وعلى قارعة الطريق تكدست مدرعات وعجلات مدمّرة وملابس عسكرية مبعثرة هي من بقايا القوات العراقية الهاربة.

السائق أشاد بالعهد الجديد من حيث الشعور بالأمان الذي قال إنه يشابه الوضع الأمني في المدينة قبل عام 2003 ، فالطرقات مفتوحة بالكامل وعندما سأله رفيقنا الطبيب عن الخدمات الأساسية مثل الوقود والكهرباء والماء وغيرها أجاب "الله يدبرها".

وصلنا المدينة وكان المسلحون يتحركون بشكل منظّم بسيارات مدنيّة رباعية الدفع ترفرف عليها رايات سود. وبحسب أبو أحمد السائق الخاص لأحد الأمراء تم تقسيم المحافظة إلى قواطع يرأس كل واحد منها أمير ويتلقى توجيهاته من مساعدي الوالي بشكل مباشر.

أبو أحمد (28 عاماً) التقى بالأمير في إحدى المعتقلات العراقية وبعد عام خرج من السجن وانضم إلى داعش وتلّقى تدريبات مكثّفة في صحراء الجزيرة.

وبحماس شديد كان يتحدث لمجموعة شبان انضموا حديثاً للتنظيم "إخوانكم المجاهدون يقاتلون الآن على مشارف بغداد فوالله لنفتحنَّ مدن العراق كلها ونقيم عليها دولة الإسلام العادلة" ثم رددوا جميعاً وبصوت عالٍ "دولة الإسلام باقية".

يوم واحد لا يكفي للإطلاع على أحوال مدينة تضم مليون و700 ألف نسمة لكنني بقيت مدة أطول واستثمرت الأمان النسبي السائد في المدينة ومعرفتي الجيدة بطرقاتها وأزقتها وأهلها لجمع المزيد من المعلومات عن المكان.

الناس مازالوا مترددين في ممارسة حياتهم الطبيعية حيث اجتمع مجموعة من الأصدقاء في مقهاهم المعتاد لأول مرة منذ سقوط المدينة بيد التنظيم، في ذلك اليوم لم يهتموا أو يتناقشوا حول كأس العالم في البرازيل بل شغلتهم أحداث المدينة والمستقبل المجهول وكانوا يفكرون بتأمين ملاذ آمن لعائلاتهم فالأوضاع لا تبشر بخير بعد ما حدث.

الجالسون تهامسوا فيما بينهم بمزاح تشوبه مخاوف حقيقية "ربما هي المرة الأخيرة التي ندخن فيها الأركيلة سمعنا إنهم سيحرّمون التدخين وأشياء كثيرة أخرى".

محاولاتي لرؤية المسلحين العرب والأجانب القادمين من الصحراء باءت بالفشل لأنهم تقدّموا باتجاه صلاح الدين وديالى وبغداد تاركين نينوى وإدارتها للمسلحين من سكانها.

ويقول عضو فاعل في حزب البعث بإن داعش هي صاحبة اليد الطولى في المحافظة مع تواجد خجول لفصائل مسلحة أخرى.

"لاشك أنها ترفض اي نشاط خارج راية الدولة الإسلامية لذا شددت منذ البداية على منع امتلاك المدنيين أي قطعة سلاح إنهم يخشون ثورة الناس عليهم" يضيف.

وأدعى العضو البعثي بأن قادة التنظيم المتشدد خدعوا حزبه لأنهم رفضوا ترشيح ضابط كبير في الجيش السابق لإدارة المدينة كما كان متفقاً ويقول "سنتريث حتى يتم حسم أمر بغداد ثم نرى ماذا سنفعل".

أحد مخططاتي كان الوقوف على أحوال المسيحيين بعدما آلت إليه أوضاع الموصل. ففي أربيل التقيت رجلاً مسيحياً فرَّ مع عائلته إلى سهل نينوى الذي يمثل مركز الثقل المسيحي خوفاً من داعش.

مررت قرب كنيسة الآباء الدومنيكان الشهيرة بـ"كنيسة الساعة" وسط المدينة وكان مجموعة من المسلحين يتمركزون هناك بعدما أعلنت مسؤوليتها عن حماية بناية الكنيسة، لكن المفاجأة كانت رؤيتي ثلاث راهبات بزيهن المعتاد كنَّ خارجات للتسوق.

أهالي منطقة الساعة التي عرفت تواجد المسيحييين على مر القرون أكدوا خروج الكثير من العائلات وأنه لم يبقَّ إلا نفر قليل منهم.

وفي مكان ليس بالبعيد عن الكنيسة توقفت حافلة ركاب صغيرة أمام مسجد "عمر الأسود" في منطقة الفاروق وفي هذه اللحظة تقاطر رجال من السيارة إلى الداخل وكانوا جميعاً من القوات الأمنية وجاؤوا ليعلنوا توبتهم بعد العفو العام.

الشرطي واثق خلف (40 عاما) كان أحد التائبين حيث سلّم سلاحه ونطق الشهادة وبهذه الطريقة لم يعد مهدداً بالقتل كالسابق ومثله فعل المئآت من عناصر الأمن والجنود بينهم ضباط برتب مختلفة.

سألته كيف ستعيل عائلتك المكوّنة من خمسة أفراد تردد في البداية ثم قال "لست الوحيد إذ أصبح مئآت الآلاف من زملائي بلا راتب ولا أي مردود مالي".

الحياة مشلولة رغم محاولات إنعاشها، فالدوائر والمؤسسات العامة معطلة وحتى موظفي المؤسسات الصحية والدوائر الخدمية الذين استمروا في أعمالهم. لا أحد يتنبأ حتى متى سيستمرون فلا ضمان لرواتبهم إلا إذا أراد "داعش" التصرُّف بالأموال المودعة في البنوك والمقدّرة بمليار ونصف المليار دولار.

بعض السكان الذين فرحوا بالوضع الجديد بدأوا يعيدون حساباتهم لاحقاً بعد تفاقم أزمة الخدمات فمثلاً الحصول على 20 لتراً من البنزين يستلزم الوقوف في طابور طويل لساعات فيما تضاعف سعر اللتر في السوق السوداء ثلاث مرات عن سعره قبل السقوط.

أما تجهيز الكهرباء من الشبكة الوطنية فلا يتعدى ساعتين في اليوم بينما يحذِّر أصحاب المولدات الأهلية من نفاذ الوقود فضلاً عن انقطاع شبكة الانترنت بالكامل.

ومن خلال التجوال في المدينة شاهدت سيارة مصّفحة بدا عليها آثار طلق ناري أكد أكثر من شخص من المارة أنها تعود إلى القنصلية التركية فالأهالي هنا يعرفونها جيداً.

كما إن موكب القنصل شوهد آخر مرة في الجانب الغربي من الموصل بعد اختطافه من قبل داعش ثم اختفى بعد ذلك، فهم يغيرون مكان المختطفين بين الحين والآخر.

بوادر القلق في تصاعد، فبالأمس أقدم المتشددون على تسوية أحد الشواهد الدينية والذي يعرف بـ"قبر البنت" بحجة إنها منافية للدين الإسلامي الصحيح، وهناك مخاوف من أن يطال الأمر مراقد ذات مكانة اعتبارية كبيرة في نفوس الموصليين مثل مرقد النبي يونس.

بعض المثقفين لديهم المخاوف ذاتها على الإرث الحضاري للموصل خاصة بعد تسرب أنباء عن تهريب مخطوطات نادرة إلى تركيا.

وحتى اليوم الهدوء هو سيد الموقف في مدينة لم تهدأ منذ أحد عشر عاماً، وبالرغم من عودة نسبة لا بأس بها من النازحين مازالت هناك الكثير من البيوت المهجورة أما حركة الأسواق والمراكز التجارية فهي خجولة "إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة" هكذا يردد الناس هنا".