مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

«غزوة الكرادة».. خطوة ٌفي طريق الصراع بين المالكي والصدر

حيدر نجم
تشعر النخبة البغدادية المثقفة بنوع من السخط العارم بسبب إجراءات مُشتركة اتخذتها السلطات المحلية بالتعاون مع مجاميع أهلية قامت على أثرها بإغلاق مقاهي حديثة الطراز في منطقة الكرادة وسط بغداد بدعوى مخالفتها للقوانين…
25.07.2013  |  بغداد
One of the signs posted by cafes in Karada, Baghdad.
One of the signs posted by cafes in Karada, Baghdad.

حنق المثقفين تجاه ما وصفوه بـ" الغزوة" على الكازينوهات له مبرراته إذ صبّ بعضهم جام غضبه على السلطات المحلية والقوى الأمنية التي يقع على عاتقها حماية الحريات العامة المكفولة دستوريا، لكنها شاركت في هذه الانتهاكات المُستنكرة.

أحد أولئك الساخطين هو الكاتب والصحفي مشرق عباس الذي رأى إن مثل هذه الأحداث تُشكل "نقطة الفصل بين توجّه العراق ليكون نسخة مكرّرة من إيران أو أفغانستان، أو أن يكون دولة مدنيّة حديثة".

وفي مقال نُشره قبل أيام أنتقد عباس ما وصفه بـ "غزوات دينية لمحاصرة الحريات الشخصيّة للفرد العراقي".

واستغرب عباس من "مشاركة السلطات المسئولة عن تطبيق الدستور كالقوى الأمنيّة والحكومات المحليّة والحكومة المركزيّة في مثل هذه الانتهاكات وبشكل مُعلن".

حادثة إغلاق المقاهي أو "الاعتداء" عليها كما يحلو تسميتها من قبل بعض النُشطاء المدافعين عن مدنية الدولة العراقية لها أسباب أخرى، إذ تأكد من مصادر مختلفة إن إغلاق "المقاهي العصرية" لم يكن سببه مخالفة قوانين الشُغل أو تعليمات إجازة العمل الاستثنائية التي تُمنح خلال شهر رمضان، والتي يقتضي بموجبها فتح أبواب هذه المحلات الترفيهية أمام الزبائن بعد موعد الإفطار وليس قبل ذلك.

بل إن السبب الرئيس يعود إلى بلاغات وشكاوى قدّمها جمع من وجهاء أهالي الكرادة ضد تلك المقاهي التي تنتشر بكثرة في منطقتهم التي تُعد من أبرز المناطق التجارية في بغداد بدعوى أن "تجارة مخفية للمخدرات ومخالطة غير شرعية بين الفتيات والرجال تتم هناك" وهو ما اعتبرته عشائر المنطقة أمراً مخالفا للدين والأخلاق وخروجا على الأعراف الاجتماعية.

الحملة الحكومية العشائرية بدأت ليلة الأربعاء قبل الماضي وجاءت بعدما قام بعض سكان المنطقة بتعليق لافتات اعتبروا فيها عمل الفتيات في هذه المقاهي الشبابية مخالفا للآداب العامة والدين في ضوء شُبهات تضمنتها الشكاوى تفيد بممارسة بعضهن الدعارة، وهو ما أعتبروه تأثيراً سيئاً على سمعة المنطقة التي تقطنها عائلات ساسة بارزين ومسئولين حكوميين كبار.

مصدر في مركز شرطة "المسبح" حيث قُدمت شكاوى الأهالي أكد إن بعض النادلات العاملات في المقاهي التي تم إغلاقها مؤخراً "متورطات في ممارسات غير أخلاقية حيث يقمنّ بجذب زبائن يبحثون عن الجنس من خلال عملهن في تلك المقاهي الذي يمثل واجهة لعملهن الحقيقي كمومسات ضمن شبكات للدعارة".

مصدر أمني فضّل عدم الكشف عن اسمه أوضح لـ"نقاش" إن "بعض العاملات في شبكة الدعارة واللائي سبق لهن العمل في الكازينوهات والمطاعم الراقية تم تصفيتهن جسديا قبل حادثة الإغلاق، وأن بعض ممن وردت أسمائهن الأولى فقط داخل محاضر التحقيق مجهولات الإقامة حالياً.

ومؤخرا أفادت تقارير أمنية نقلتها وسائل إعلام محلية بمقتل عدد من النسوة والفتيات اللائي يعشنَّ بمفردهن في مناطق شرق ووسط بغداد على يد مجهولين اقتحموا منازلهن ليلاً في ظل تكهنات أولية بأن هذه المنازل أو الشقق السكنية التي يقمن فيها الضحايا عبارة عن مواخير وأماكن لممارسة الجنس مقابل المال.

وانطلاقا من هذه التقارير الأمنية والمعلومات الواردة حول تصرفات الفتيات العاملات في هذه المقاهي، والتي اعتبرت منافية "للدين والآداب العامة" تحركت مجاميع أهلية تطلق على نفسها "هيئة أنصار الزهراء" مكونة من شيوخ ووجهاء وشباب منطقة الكرادة الشرقية، تساندها قوات الشرطة الاتحادية المدعومة من أحزاب وشخصيات سياسية نافذة بالهجوم على أربعة من تلك المقاهي الشبابية وفرضت على أصحابها إغلاقها بذريعة المحافظة على الآداب العامة والمحافظة على حرمة شهر رمضان.

هذا الإغلاق الذي تم دون توجيه السلطات لإنذار مسبق وأسفر طبقاً لشهود عيان عن مقتل شاب وجرح آخرين وهو ما أكدته أيضا وزارة حقوق الإنسان التي اعتبرت تلك الممارسات "خرقاً للدستور ولحقوق الإنسان وتمثل تهديداً للسلم الأهلي وتعرضه للخطر".

واُعتبرت هذه الإجراءات "التعسفية" التي سبق أن حصل مثيلاً لها قبل عامين تقريبا عندما أغلقت السلطات المحلية السابقة نوادي ترفيهية وملاهي ليلية، محاولة حكومية قديمة للتضييق على الحريات العامة تجاه سكان العاصمة الذين يعانون أصلاً من قيود اجتماعية فُرضت عليهم بفعل سيطرة الأحزاب الدينية على الحكم من جهة، وسطوة الجماعات المتشددة من جهة أخرى لكن الجديد في الأمر هو دخول جهات عشائرية على الخط.

وإثر هذه الإجراءات "التضييقية" انتقد مثقفون وناشطون مدنيون "غزوة المقاهي" وشبهوها بحملات عسكرية نفذتها حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي قبل سنوات قليلة ضد خارجين على القانون ومليشيات مسلحة في البصرة سميت آنذاك بـ"صولة الفرسان".

المنتقدون للاعتداء على أربعة من مقاهي الكرادة ألقوا المسئولية على عاتق علي التميمي محافظ بغداد الجديد المنتمي للتيار السياسي الذي يتزعمه رجل الدين الشاب مقتدى الصدر، مطالبين إياه تقديم توضيح لملابسات إغلاق تلك المقاهي الحديثة سيما وأن كتلته السياسية طرحت نفسها كمدافع عن الحريات العامة والدولة المدنيّة.

التميمي ومقربون منه، نفوا نفياً قاطعاً ما وجّه إليه من "اتهامات مُغرّضة" بالوقوف وراء حملة الإغلاق هذه.

وفي محاولة منه لإبعاد التهمة عن كاهله أعلن التميمي عن تأسيس مجلس استشاري لـ"التنمية العمرانية والثقافية" هدفه كما يقول "الارتقاء بالمجتمع البغدادي والسّير به نحو حياة حرة كريمة".

كما أكد المسؤول المحلي الشاب الذي لم يمض على تسلّمه المنصب سوى شهر واحد، في تصريحات صحافية كررها خلال لقاءات رمضانية متلفزة، سعيه من أجل "صيانة الحريات العامة والحرص على أن تكون بغداد بلا ميليشيات ولا طائفية".

لكن هذه الخطوة من قبل التميمي والتي لا زالت في طور التأسيس قوبلت من قبل بعض المثقفين والناشطين بـ"التشكيك" في قدرته على مجابهة "التيارات المتشددة والأصولية الدينية التي تمارسها جهات سياسية نافذة".

جمع المثقفين والناشطين صوبوا سهام انتقاداتهم أيضا للمسؤولين المحليين والأمنيين الذين أكدوا أن عشائر الكرادة ووجهائها هم من نفذ حملة إغلاق الكازينوهات وليس السلطات المسئولة.

هذه الحملة المشتركة حظيّت بمن يباركها وهؤلاء هم قرابة (1500) شخص من سكان الكرادة الذين سجلوا تواقيعهم على عريضة شكاوى لإغلاق هذه الأماكن التي وصفوها بأنها "فاسدة ولا أخلاقية" في لافتات عُلقت على أبواب وجدران المقاهي المُغلقة، مُدعين في لافتاتهم أن الإغلاق يمثّل مطلباً شعبياً.

وما يثير الاستغراب في الموضوع هو إن كازينوهات وصالات ترفيهية على ذات الشاكلة تقع في مناطق أخرى من العاصمة، لا زالت أبوابها مفتوحة أمام الزبائن الأمر الذي عزاه بعض النشطاء إلى عدم امتلاك "الجهات الأصولية والعشائرية لذات السطوة والنفوذ في المناطق التي لم يتم فيها إغلاق المقاهي".

وإلى أبعد من الأسباب المُشار إليها في حملة الإغلاق ثمة سبب سياسي يكمن ورائها يرجعه بعض المطلِّعين على خفايا السياسة إلى "الصراع" القائم بين الصدر والمالكي، والذي تفاقم بعد خروج ائتلاف الأخير من "مولد" توزيع المناصب في مجلس الحكم المحلي لبغداد خالي الوفاض.

حتى أن المالكي وفصيله السياسي بدا منتشياً بعد الهجوم العنيف والانتقادات اللاذعة التي صوبت تجاه التميمي وجماعته من قبل أوساط المثقفين، هذا الانتشاء كان واضحاً من خلال توعُّد المالكي لما أسماها بـ"المليشيات والعصابات التي تتجاوز على حريات الناس وفرض آرائها الفاسدة على الآخرين بحجج مختلفة".

مؤكداً في بيان له إن "الدولة هي المسئولة عن تطبيق القانون ومعالجة ظواهر التجاوز على الآداب العامة إن حدثت".

المالكي وفي رده على سؤال بشأن ما تعرضت له بعض المقاهي في بغداد بدعوى التجاوز على الآداب العامة أكد اعتقال المسئولين عن هذه الحوادث وإخضاعهم للتحقيق.

أوساط الطبقة المثقفة بدأت تشعر بالقلق أزاء التضييق على ملف الحريات كما أُثيرت المخاوف في نفوس البغداديين الذين يرون أن السلطات المحلية ومعها مليشيات وجماعات أصولية تسعى جاهدة لقمع حرياتهم العامة والتدخل في حياتهم الخاصة.