مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

في الموصل «مدفع الإفطار» قاتل

الشمس بدأت بالمغيب وعلى غير العادة يبدو حي الإصلاح الزراعي الشعبي خالٍ من الناس، وحدها الحاجة أم ياسين ذات السبعين عاماً كانت تتمايل وهي تسير في الشارع كبطة سمينة، تحمل وجبة الإفطار إلى الجيران مثلما اعتادت في…
18.07.2013  |  الموصل

صحيح أن تبادل الطعام أيام الصوم من العادات التي ما زالت تتمسك بها العائلات الموصلية مثلما تتمسك بعدم الجهر بالإفطار حتى لو كانت غير مسلمة، لكن عادات رمضانية أخرى ذهبت مع الريح مثلا المسحراتي الذي ينادي عند الفجر ليوقظ الصائمين لتناول السحور والذي اختفى تماماً ليس بسبب التدهور الأمني فحسب بل بسبب التكنلوجيا الحديثة.

تقول الحاجة أم ياسين "طيلة عقدين كاملين كنت أجول المحلّة وأطرق الأبواب كي أوقظ الجيران على السحور، أما اليوم فكل شيئ تغيّر وانتفت الحاجة إلى أمثالي بعدما بات كل فرد يمتلك هاتفاً محمولاً يقوم بدور المسحراتي".

الوضع الأمني ساهم بشكل كبير في إبادة هذه الطقوس إذ أن حرية التجوال مسلوبة في الليل المتأخر، لكن هذا العام ولأول مرة تقرر رفع حظر التجوال نهائيا بمناسبة شهر الصيام "للتخفيف عن كاهل المواطنين وإشاعة أجواء الأمان والاطمئنان" بحسب التبرير الذي نشره محافظ نينوى اثيل النجيفي على صفحته على الفيسبوك.

عملياً الحظر قائم على نطاق واسع، ويبرهن ذلك الإعلامي أحمد الحمداني عندما تحدث عن منعه ومدنيين من المرور على جسر الحرية بعد منتصف الليل ويقول "قيادة عمليات نينوى تعلن في الإعلام شيئاً وتنفذ على الأرض شيئاً آخر".

لكن الأهالي لم يستسلموا للأوضاع ويخرجون إلى الترفيه بعد الإفطار، إذ يقصد الشباب والعائلات غابات الموصل والمناطق الشعبية المليئة بالكازينوهات والمطاعم العامرة، يأكلون ويشربون ويدخنون الأركيلة ويتسلون ببعض الألعاب الشعبية، ولا تفوتهم متابعة المسلسلات والمسابقات الرمضانية.

في النهار ثمة حظر من نوع آخر يفرضه الجوع والعطش على الصائمين في نهارهم الطويل والساخن، فغالبية الشوارع المكتضة بالسيارات والمارة تصبح شبة فارغة بارتفاع درجات الحرارة ثم تتحول المدينة إلى الحظر الحقيقي قبل آذان المغرب بقليل.

الأسواق هي من أكثر المناطق تفاعلاً مع هذا الشهر فمنذ اليوم الأول ارتدت حلة جديدة، حيث انتشرت الأكلات الرمضانية على مساحات واسعة بعدما سخّر الكثيرون من الباعة والتجار الصغار محالهم وعرباتهم الصغيرة التي يجولون بها الأسواق لبيع مأكولات المائدة الرمضانية.

أبو محمد لديه مكتب لتجارة القرطاسية في شارع النجفي وسط الموصل يبدو أنه وجد مادة مزاح دسمة تصبِّره على نهار الصيام الطويل الذي يصل إلى 16 ساعة، فهو يشير إلى جاره بائع الأحذية ويقول "لقد ابتكر طاولة عريضة لبيع المعجنات والحلوى بدلاً من بضاعته السابقة.

ويعلِّق بسخرية "العجيب إن الأحذية توضع في عارضة زجاجية معززة مكرّمة بينما حلوى الزلابية مكشوفة في هذا الجو الحار والرطب والهواء الساخن وهي عرضة للذباب".

"لقد طلَّق الكثيرون مهنهم السابقة واتجهوا إلى المهنة الأكثر رواجاً في رمضان وهي بيع الزلابية وشربت زبيب الموصل الشهير والطرشي" يضيف أبو محمد.

هناك في منطقة الدواسة التجارية المزدحمة ثمة مطعم مُجاز في رمضان وهو واحد من مطعمين فقط يُسمح لهما بفتح أبوابهما في رمضان في مدينة الموصل واستقبال الزبائن نهاراً.

واجهة المطعم أُسدل عليها ستار أخفى ما يدور في الداخل، وإلى اليسار يقع مدخل المطعم حيث يتسلل عبره الزبائن خلسة سواء كانوا مسلمين غير صائمين أو غير مسلمين، كانوا كاللصوص لا يريدون لأحد رؤيتهم خشية نظرات التأنيب.

عند المدخل يستقبل رجل خمسيني متأهب زبائنه ويدقق النظّر جيداً في الداخلين إنه مدير المطعم، فمثل هذه الأماكن مهددة بالاستهداف في أية لحظة والإفطار في رمضان مبرر جيد للقتل من قبل الاسلاميين المتشددين.

أصوات عالية وطقطقة صحون وقرقعة علب مشروبات غازية وماء بارد ، إنه عالم آخر مختلف تماماً عما يدور خلف الستار في الخارج.

وفي مكان قريب وقبل خمس دقائق فقط من موعد آذان المغرب كان أحمد الحمداني وإخوانه يحيطون بمائدة فيها كل ما يشتهي الصائم من أطعمة، مدّ أحمد يده إلى تمرة بدت في تلك اللحظة لذيذة جداً قلّبها بين أصابعه بانتظار إعلان انطلاق ماراثون الأكل والشرب، في تلك اللحظة دوى انفجار هائل تسبب في تهشُّم الزجاج وخلع أبواب البلوط فألقى التمرة وركض نحو الأطفال والنساء يطمئن عليهم ويخفف من روعهم.

كان يوما عصيباً، سلسلة سيارات مفخخة استهدفت مقاراً أمنية تتوسط مناطق سكنية، لم ينته الأمر عند ذلك بل وقعت انفجارات مماثلة في أيام لاحقة، لذا يطلق الموصليون اليوم على التفجيرات في رمضان تسمية "مدفع الافطار".

أحمد أرجأ إفطاره في ذلك اليوم إلى الثانية عشر ليلاً، وعاد إلى التمرة ذاتها وأكلها لكنه لم يتلذذ بها أبداً.


أما أم ياسين فلم تتأثر بتلك الأحداث وبقيت تدور على منازل الحي لتوزيع الفطور وتبادل بعض الأحاديث القصيرة معهم قبل أن تعود إلى منزلها لتناول فطورها مع عائلتها.

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.