مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

الموصليون يريدون إسترجاع \\\'الطوب\\\'
طعم آخر للإفطار على صوته

عادل كمال
إستعان مروان بخبرة خاله الضابط في الجيش العراقي السابق، وتهوّر إثنين من أصدقائه المراهقين لصنع صاروخ العاب نارية وإطلاقه في موعد الإفطار، لتذكير أهالي مدينة الموصل بمدفع إفطارهم الذي فقدوه بعد عام 2003.
2.08.2012  |  الموصل

مروان وأصدقائه كتموا أنفاسهم لحظة الإفطار في ثالث أيام رمضان، وتزامناً مع أصوات الآذان التي ارتفعت من مكبرات الصوت في الجوامع، كان صاروخ المدفع المحلي الذي صنعوه يرسم توقيعاً بلون أحمر في سماء الجانب الأيمن لمدينة الموصل.

وعلى الرغم من أن القوات الأمنية المنتشرة بكثافة في المكان، تجاهلت الأمر، أو ربما ظنّت أنه يخص احتفالا رسمياً ما، إلا أن والد مروان، تعامل بحذر أبوي بالغ وعاقب أبنه الذي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره بالحبس في المنزل لمدة أربعة أيام.

ويؤكد الوالد الذي يعمل محامياً، أنه يتحمل جزءاً من المسؤولية حيال مغامرة أبنه الصاروخية التي كان يمكن وبسهولة ان تعرضه لمشكلات صعبة، تماما مثلما تعيش مدينته نينوى حياتها في إطار المادة الرابعة من قانون الإرهاب التي تم إعتقال الكثيرين بسببها لأسباب غير منطقية.

مسؤولية الأب عن مغامرة إبنه ناتجة عن حديثه المستمر حول مشاهداته الطفولية لمدفع الإفطار الذي كان يوضع عند مدخل جسر المدينة الحديدي، وكانت العائلات الموصلية تترقب إطلاقته على بعد عدة كيلومترات من مركز المدينة وهي تتجمع حول موائد الإفطار الرمضانية.

وكان المدفع ذاته يطلق أطلاقة أخرى قبيل الفجر للإعلان عن الإمساك وبدء يوم جديد من الصيام.

الباحث والمؤرخ عبد الجبار الجرجيس ذكر في حديث لـ"نقاش" إن الكثيرين مثل مروان يطالبون بإعادة إحياء تقليد مدفع الإفطار أو ( الطوب ) كما يسميه أهالي المدينة، ويربطون ذلك بعودة المدينة الى حالتها الطبيعية بعد أكثر من تسعة أعوام من سوء الأوضاع الأمنية.

"هذا جزء من التراث ولا ضير إستعادته، فالموصليون يحبون الإلتصاق بماضيهم، لذلك ما إن خرجت القوات الأمريكية من الموصل والعراق عموماً وهدأت الأوضاع الأمنية بشكل نسبي حتى تعالت الأصوات المطالبة بإحياء التراث.

مجلس أمناء التجديد الحضري للموصل القديمة الذي يضم أساتذة جامعيين وباحثين ومؤرخين وممثلين عن دوائر حكومية عدة، يعتقد بعدم كفاية ترميم وإعادة تأهيل الأبنية، وإنما يتوجب بث الروح في الكثير من الفعاليات والعادات المتوارثة في المدينة ومن بينها مدفع الإفطار.

المفاوضات بشأن إعادة المدفع إلى وظيفته بدأت في رمضان الماضي، وكان وفد أهالي المدينة يضم رجال دين ومثقفين، أما الجانب الأمني فمثله ضباط في الجيش العراقي أعلنوا تخوفهم من إستخدام المدفع لأغراض إرهابية، لكن المفاوضات إستمرت أياماً ولم يتم الكشف عنها رسمياً حتى عيد الفطر دون أن يتوصل الطرفان إلى حل توافقي.

هذا العام عاد وفد الأهالي بمقترحات العام الماضي ذاتها، وهي أن تتولى قوات الجيش العراقي المنتشرة في عموم مدينة الموصل بشوارعها وأحيائها السكنية مسؤولية المدفع، وأن يُطلق تحت إشرافها فضلاً عن وضعه في مقراتها كبادرة لحسن النية.

مقترحات إضافية قدمها المتفاوضون تضمنت بناء جدار كونكريتي حول المدفع وتوجيه فوهته نحو السماء كي لا يصبح مصدر تهديد لأي أحد، مادامت وظيفته صوتية فقط.

ولم يعترض المتفاوضون من أهالي المدينة على استيراد مدفع حديث ومتطور بفوهة مغلقة إذا لزم الأمر، بدلاً عن المدفع القديم المصنوع في بدايات القرن الماضي.

مدينة الموصل التي أصبحت تضم المئات من الأحياء السكنية لن يكفيها مدفع واحد، وكان الإقتراح الجديد هذا العام تخصيص مدافع إضافية توزع في انحاء متفرقة من المدينة لضمان توزيع الأصوات بشكل متساو.

ضابط برتبة رائد في الجيش العراقي الذي يقطن الجانب الأيسر لمدينة الموصل، قال إن القوات الأمنية لم توافق على هذه المقترحات، متوقعا وضع مدفع الإفطار في مكانه قرب الجسر الحديدي في حال إعادته للعمل، لكنه لا يستبعد فقدان المدفع القديم أثناء أعمال السلب والنهب التي رافقت أحداث التاسع من نيسان عام 2003.

وأكد لـ"نقاش" إن عملية إعادة تقليد مدفع الإفطار أمر في غاية الصعوبة بسبب التفجيرات بالعبوات الناسفة والسيارات المفخخة التي تشهدها الموصل بين الحين والآخر، وأستغرب إصرار الأهالي في المدينة على أن ينبههم صوت إنفجار على موعد الإفطار، في حين ان هنالك أكثر من 2000 جامع في المدينة، تصدح مكبرات الصوت فيها بالآذان وقت الأفطار.

الكاتب الصحفي والباحث محمد يونس سعيد يرى إن عودة المدفع هو إستعادة لمظهر من مظاهر الحرب بحجة التمسك بالتراث، وقال بان مدفع الافطار تقليد عثماني، إنتقل الى الكثير من الدول العربية منذ نحو 150 عاماً.

مدنا عراقية عدة كانت تعرف مدفع الإفطار بـ"الطوب" ولم يقتصر التقليد على الموصل فحسب، حيث حرّص النظام العراقي السابق على إيلاء اهتمام رسمي بالمدفع بسبب الحروب التي كان يعيشها العراق، ولم يكن المدفع يعلن عن نفسه في رمضان فحسب بل كان يطلق 21 أطلاقة متوالية في مناسبات وطنية كثيرة في تلك المرحلة من حياة العراقيين.

سعيد يقول أنه بدلاً من إسترجاع رمز من رموز زمن الحروب ومحاولة بث الروح مجدداً في تقاليد ميتة، يتوجب على أهالي مدينة الموصل تأسيس ثقافة جديدة غير إنفجارية بمبادرات شعبية رمضانية وغير رمضانية مبنية على التسامح وحب الوطن، بلغة متحضرة بعيداً عن السلاح.