مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

محاكم ثقافية

فارس حرّام
وانا أطالع مذكرة إلقاء القبض على السيد طارق الهاشمي في الموقع الإلكتروني للشرطة الدولية (الإنتربول)، وفي الوقت الذي لن يعرف أحد ما إذا كان بريئاً أو مجرماً حقاً إلا بعد إصدار القرار النهائي من المحاكم العراقية،…
23.05.2012  |  النجف

آنذاك، وبعد إلقاء القبض على الدكتاتور، كانت أصوات لعدد قليل جداً من المثقفين العراقيين ارتفعت عالياً، تطالب بأن يضاف إلى محاكمته القانونية نوع من الاستجواب والمحاكمة يكون على الدكتاتور وقتها أن يجيب على التساؤلات المباشرة وجهاً لوجهٍ، من مجموعة مختارة من أرامل العراق وفقرائه، ومضيعي الأعمار تحت قبضته، ومعاقي حروبه الكثيرة؛ وسيتلقفه حينها نخبة متقدمة من المثقفين والأكاديميين وعلماء الاجتماع والنفس والاقتصاد، وربما حتى رجال الدين ورؤساء العشائر، في نقاش مباشر قل نظيره في التاريخ.

نعم، فقدنا فرصتنا الذهبية للقيام بفتح هذا النقاش العلني على الملأ، بما فيه من تطهير نفسي سيشاهده العراقيون جميعاً، وسيكون حينها محاولة تاريخية كبرى لإشباع رغبة الانتقام لدى الضحايا، تلك التي لا تزال تغلي لدى الكثير منهم بعد أربعة أعوام من إعدامه. هذا ما نسميه بالضبط: "الحلّ الثقافيّ"، بالمعنى الواسع، أي الانثروبولوجي، لمفردة "ثقافيّ" هنا، هو ما يتعلق بالتقاليد والقيم والأفكار السائدة والديانة والفلكلور الشعبي والأزياء وغيرها.

وحتى حين لم يكن ممكناً (لأي من الأسباب) القيام بمحاكمة صدام ثقافياً، كانت تساؤلاتنا عن السبب في ضياع الفرصة تلو الفرصة للقيام بهذا الأمر مع مجرمي ما بعد 2003، وقد ارتفعت الكثير من جرائمهم لتنافس نوعية جرائم صدام نفسه، بل إن جرائم سرقة المال العام نفسها لمرحلة "العراق الجديد" ستكون مادة خصبة لنقاش علني مع مرتكبيها أمام شعبهم، لاسيما إن الكثير منهم صعدوا على أكتاف الشعور الديني لبسطاء الناس، بوصفهم "متديني" هذا العصر، و "زهّاده"، فكيف سيكون التأثير الإعلامي – الثقافي لمشهدٍ تظهر فيه أسرة عراقية بسيطة تحاسب "وزيراً" أو "مديراً عاماً" على سرقة قوتهم؟

لقد دخلت جنوب أفريقيا تجربة "الحلّ الثقافيّ" لماضيها الدمويّ، عبر جلسات الاستماع العمومي لمعرفة ما حدث، وخرجت منها بنجاح باهر. كان جلادو النظام يتعرضون في تلك "المحاكم الثقافيّة" إلى سيل غير منقطع من اللوم والتعذيب المعاكس الذي كان يقوم به الضحايا وأُسَرُهم، حتى تطهّر الضحايا أنفسهم من رغبة الانتقام، ليس الحاضرين منهم في الجلسات، حسب، وإنما حتى الذين تسنى لهم متابعة هذا النوع من الاستجواب في وسائل الإعلام، وكان الجلادون يصلون إلى مراحل متقدمة من الانهيار، والبكاء، والسقوط مغشياً عليهم تحت ضغط الخجل أو الشعور بالذنب أو صحوة الضمير.

أما في عراق ما بعد 2003، فإن محاكمة ثقافية من هذا النوع ستكون، بلا شكّ، واحدة من أكبر الخطوات نجاحاً لتأسيس مجتمع عراقيّ صحيّ، خالٍ من العنف والفساد الإداري والمالي، ورغبات التقاتل، وفنون الإقصاء المختلفة. وفي الوقت الذي انشغل العراقيون آنذاك، سياسيين وإعلاميين وعامة من الناس، بالعروض البهلوانية التي كان يقدمها صدام ومن معه، في المحكمة الجنائية العليا، فإن الرهان الأكبر برأينا أن يتم تعريض الجلادين إلى أشعة الشمس أمام المجتمع، أشعة النقاش المفتوح حول ما تم تخريبه آنذاك من قيمنا النبيلة، من عادات مجتمعنا الإيجابية الرائعة، من الصدق والحب والسلام والتواضع والنزاهة والوطنية، وقد تخربت جميعها في خنادق الحروب، وعصابيات الكره والتحاقد وتقسيم البلاد إلى طبقات وشرائح، يتم الثقة ببعضها، في حين إنّ البعض الآخر "خونة".

ولو استعنّا بالتاريخ والواقع، فإن العزاء الحسيني (جوهرياً وبغض النظر عن بعض تطبيقاته المغلوطة) يمثل واحدة من أكثر المحاكم الثقافيّة انتشاراً وانتظاماً في العالم، ففيه يتم إعادة بناء الإنسان "المظلوم"، وتحت وقع فعالياته المختلفة يتم تعريض قيم التسلط والظلم والقتل والكذب والتكبر إلى سيل مستمر من الاستجواب "الضمني"، لكشف خواء هذه القيم، وخواء من يتلبسها، فضلاً عن إن هذه الفعاليات شكلت دائماً عملاً مضاداً لـ "الغسيل الثقافيّ" الذي عرَّض إليه يزيد وأتباعه مجتمع مسلمي الشام آنذاك، لتسويغ وجوده في السلطة، وكان ما ينقص العزاء الحسيني ليكون محاكمة ثقافيّة متكاملة أنه لم يتسنّ للمسلمين فيه من محاكمة يزيد ومن معه بصورة مباشرة، والحديث المباشر إليه بوصفه "متهماً في محاكمة".

ولن نكون افتراضيين لو قلنا إن حقبة صدام قد مارست من أجل الوجود في السلطة "غسيلاً ثقافيّاً" طال قيمنا وتقاليدنا، وغيّر رؤية الإنسان العراقيّ إلى نفسه وإلى العالم، وجزّأ الأسرة العراقية إلى مجموعة خائفين من بعضهم البعض خشية "زلات اللسان"، وأسهم بإنشاء جيلين أو ثلاثة من الناس مفقودي العلاقة بالحياة الطبيعية المسترخية، مشوَّشي الذهن. بل مرت علينا في التسعينيات فترة كان فيها "تلفزيون الشباب" ينسف ذائقة الشباب أنفسهم، ويغير رموز الأدب والفن لديهم بصورة منتظمة، وأسهمت برامجه الساذجة، لكن المخطط لها بعناية، بتفتيت حتى ذلك المستوى المتوسط من الثقافة لدى الجمهور، وانهار إتقان اللغة العربية الفصحى بين المتعلمين، حتى الأكاديميين منهم، بل ظهرت أعداد كبيرة من الأكاديميين السطحيين، الحاصلين على شهاداتهم بمقاسات بدلاتهم الأنيقة.

كان على عراق ما بعد 2003 أن يقضي على "التخريب الثقافي" بمشروع معاكس، لابدّ أن يبدأ من إنشاء هذه المحاكم الثقافيّة، بدلاً من الاقتصار على آليات تشريعية وقانونية بطيئة ومعقّدة، لتغيير الواقع العراقيّ، وتنقيته من التلوث الذي أصابه عشرات السنين. إنّ الضحايا لا ينتظرون دائماً، ولابدّ للمدقق في التاريخ أن يفسر ما حدث من توتر طائفي بعد 2003، بأنه انعكاس لانعدام شعور الجلادين بالندم، الذي تبعه الإيغال أكثر في تعذيب العراقيين، إذ لم يناقشهم أحد أمام الملأ، ولم يحرج منطقهم الدمويّ أمام شاشات التلفاز أي واحد من ضحاياهم، حتى قرر الضحايا أنفسهم أن يدخلوا لعبة التقاتل والدم، لان رغبتهم بالانتقام لم يشبعها شيء يريحهم.

اليوم وفي ضوء التهم الموجهة إلى الهاشمي، نخشى أن يتكرر الخطأ القاتل نفسه، إذا قرر القضاء أخيراً إدانته، نخشى أن لا نمنح الفرصة لنوجه إليه أسئلة حياتنا التي تذبل من عام إلى آخر، وسط قتال الكره المتبادل، وفساد القيم وآفاق تفتيت هذا البلد. أما إذا ظهر الهاشمي بريئاً فإننا نخشى أيضاً من أن يتوارى المتسببون بهذه الأزمة وافتعالها خلف الكواليس، وسيكونون حينها بحاجة أشدّ إلى هذا النوع من المحاكمات. مؤسف جداً أنّ من عادة الحكومات المتعاقبة والسياسيين في عراق ما بعد 2003، أنهم لا يمنحون الحلّ الثقافيّ أهميته الكبيرة، في ضوء مرحلة مؤلمة من الأمية الثقافية والأبجدية، نعيشها اليوم.

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.