مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

الأطفال أيضاً يخوضون حربهم

عادل كمال
طفل يلهو بلعبة على شكل مسدس في مكب للنفايات وسط مدينة الموصل. تصوير مراسل "نقاش"
7.11.2011  |  الموصل

قبل أيام من وصول عيد الأضحى، أكملت محال بيع لعب الأطفال والبقالة في أسواق وأحياء مدينة الموصل السكنية، ترسانتها من الأسلحة البلاستيكية، وأخذت تزود وبشكل علني أولياء الأمور بما يفاجئون به أبناءهم صباح العيد، رغم قرار كان مجلس محافظة نينوى قد اتخذه قبل عام بحظر تداول هذه الألعاب لخطورتها، وتأثيراتها السلبية على نفسية الأطفال.

قرار المجلس هدد بفرض غرامات مالية على المتاجرين بلعب الأطفال التي على شكل أسلحة، وأمهلتهم حتى نهاية العام 2010، لتصريف اللعب الحربية التي كانوا يعرضوها، غير أن عملية بيعها لم تتوقف يوماً، لارتفاع الطلب عليها، ولتعدد المنافذ التي تستورد منها.

رقابة المجلس منصبة فقط على المعبر الحدودي في ربيعة بين نينوى وسوريا، وفيما يخص باقي المنافذ وهي متعددة، فما زالت قرارات الرقابة حبراً على ورق، وفق مصادر في مجلس المحافظة.

الطفل كان يحمل لعبة أطفال على شكل قاذفة، وبدا من بعيد وكأنه تهديد حقيقي.

قاذفات صواريخ، بنادق ومسدسات متنوعة، رمانات يدوية هجومية ودفاعية، أجهزة لاسلكي، مناظير نهارية وليلية، أصفاد، وذخيرة مختلفة الأنواع، يمكن وبسهولة تامة العثور على أكداس منها في أسواق الموصل.

تلك الألعاب تلقى رواجاً كبيراً في السنوات الماضية، رغم أن الوضع العام في المدينة يشير إلى رغبة في نسيان الحرب، ولاسيما بعد الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من نينوى في السابع عشر من شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.

الباحث الاجتماعي د. وعد أمين، ينفي أن تكون الأسلحة البلاستيكية، بدعة دخلت مع الاحتلال الأمريكي إلى العراق في عام 2003. وقال رداً على من يتحدثون في هكذا أمر أن العراق تحول إلى معسكر كبير منذ أول صفارة إنذار في الحرب العراقية - الإيرانية في عام 1980، وتجيش كل شيء بدءاً من الدوائر الحكومية مروراً بقطاعات الرياضة والصناعة وصولاً إلى الجامعات. "حتى الطفولة ارتدت ثوب الحرب، وصارت تقاتل في المنازل والشوارع".

ويلفت أمين إلى تراجع الاهتمام بألعاب الأطفال في سنوات الحصار الاقتصادي الذي فرضه مجلس الأمن الدولي على العراق بين عامي 1991 و2003.

"فانخفاض دخل الأسرة العراقي على نحو كبير، وشيوع الفقر لدرجة أن كثيراً من الآباء كانوا عاجزين عن شراء الدواء لأطفالهم، جعل من الطبيعي أن لا تتوفر لعب الأطفال في الأسواق".

لكن الشغف بأدوات الحرب لم يكن قد انتهى. ويؤكد الباحث الاجتماعي أن الأطفال في تلك الفترة وجدوا بدائل رخيصة وعملية، فلجؤوا مثلا إلى نزع الكبريت عن أعواد الثقاب، وأخذوا يجمعوها في أوراق الألمنيوم التي يغلف بها باطن علبة السجائر، فتصبح كرات صغيرة، ينهالون عليها بالحجارة أو المطارق، فتحدث أصواتاً تشبه أصوات الألعاب النارية أو حتى إطلاقات النار العادية، وهو أمر شائع لغاية الآن.

شوارع مدينة الموصل بأكملها تشهد تواجداً مكثفاً لقوات الجيش، وهناك نقاط تفتيش ممهورة بها مداخل الأحياء السكنية، والجميع مدججون بالسلاح. والأطفال كما يؤكد خبراء في علم النفس، مهووسون بتقليد الآخرين. ومنظر الجندي وهو يحمل حراباً ورمانات ومخازن عتاد وبندقية ومسدساً وأصفاداً، وجهاز لاسلكي لا يتوقف عن الثرثرة، جاهز للتقمص بالنسبة للطفل، وقد أدى ذلك إلى نتائج كارثية في الموصل.

فقد سجل مركز شرطة في حي النبي يونس في الجانب الأيسر لمدينة الموصل، شكوى تقدم بها أحد أولياء الأمور عام 2007 ضد القوات الأمريكية، مدعياً أنها أصابت طفله البالغ من العمر خمسة سنوات بإطلاقة نار في ساقه.

وبحسب ضابط شرطة كان قد اطلع على أوراق الدعوى، فإن الطفل كان يحمل لعبة أطفال على شكل قاذفة، وبدا من بعيد وكأنه تهديد حقيقي. وقد اكتشفت الدورية الأمريكية خطأها الفادح بعد أن فتحت النار، وأسعفت الطفل فوراً.

حوادث كثيرة وقعت في مدينة الموصل، بين عامي 2006 و2008، ذهب ضحيتها أطفال بالخطأ، بسبب حيازتهم لعباً تبدو وكأنها أسلحة حقيقية.

"لماذا لا تشتكون على مفجري السيارات المفخخة التي تقتل الأبرياء، اليست القنابل مزعجة أيضاً؟"

وفي هذه الفترة تحديدأ كان العنف قد سجل أعلى مستوياته، والموصل برمتها أصبحت ساحة حرب بين مسلحين أشباح يظهرون ويختفون في الشوارع والأزقة، وجنود أمريكيين أو عراقيين غاضبين.

"نقاش" حاولت الحصول على إحصائيات دقيقة بهذا الشأن، غير أن مديرية الشرطة، وصحة نينوى، امتنعتا عن ذلك لعدم توفرها، رغم أن تسريبات من الجهتين أكدت وجود حوادث مماثلة لغاية الآن، أبطالها بعد خروج الأمريكيين، عناصر في أجهزة الأمن العراقية، هم في الغالب قليلو خبرة، يعتبرون وبشكل غريزي كل ما حولهم عدواً، ولا يترددون أبدأ في إطلاق النار.

يؤكد ذلك طبيب مقيم في المستشفى الجمهوري وسط الموصل فضل عدم الكشف عن أسمه، أشرف بنفسه على إسعاف ومعالجة عدد من الأطفال أصيبوا بأعيرة نارية مصدرها جنود عراقيون أو رجال شرطة. بعض هؤلاء الأطفال بحسب الطبيب، كانوا يلهون بمسدسات أو بنادق بلاستيكية أو مزيّفة لحظة إصابتهم.

من ناحية ثانية، يقول الطبيب بأن مستشفاه تتلقى في الأعياد أو الأيام التي تتبعها، العديد من حالات الإصابة التي يتعرض لها الأطفال في أطرافهم، أو في مناطق الوجه والرأس، وكانت هناك حالات حروق بعضها شديدة بسبب الألعاب النارية.

مع أول تكبيرة عيد، تنطلق حرب شوارع الأطفال في مدينة الموصل، وتبدأ في العادة بأصوات المفرقعات التي تعرف شعبيا بالـ "زنبور"، ثم يتطور الأمر إلى تبادل بإطلاق الأعيرة الصوتية، أو البلاستيكية. يحدث ذلك طوال ساعات النهار خصوصا في الأحياء الشعبية، وهي تمثل نحو ثلثي الأحياء في الموصل. ومع ساعات النهار، يحمى الوطيس، وتنتقل الشرارة إلى الأحياء الراقية.

رجال الشرطة يسخرون من الشكاوى التي تردهم حول إزعاج الأطفال بأسلحتهم الصاخبة. وتلقى بعض المشتكين توبيخات هازئة من ضباط، قالوا لهم: لماذا لا تشتكون على مفجري السيارات المفخخة التي تقتل الأبرياء، اليست القنابل مزعجة أيضاً؟.

وفي سؤال وجهته "نقاش" إلى المستشار القانوني لمحافظة نينوى فارس البكوع، حول إمكانية تفعيل القوانين المنصوص عليها في القانون المدني العراقي بفرض غرامات على أولياء أمور الأطفال في حال تسبب أبنائهم بإزعاج للأهالي بسبب الأصوات التي يصدرونها بألعابهم العنيفة، قال بكوع بابتسامة عريضة: "القانون لم يفعل بالنسبة لقوات الجيش والشرطة التي تفتح زحام الطرق بإطلاق النار الحي، أو مكبرات الصوت، أو زعيق منبهات مركباتهم التي تسير عادةً بجنون يثير الخوف والهلع المستمرين".

المتجول في وسط مدينة الموصل في أيام عيد الأضحى، يشاهد سيارات وطائرات حربية بلاستيكية بمختلف الأنواع، وألعاب الكترونية تحدث دوي انفجارات وإطلاق كثيف للنيران.

المكان يضج بأطفال يختبرون ببراءة مواهب القتال الكامنة فيهم، دون أن يعوا تماماً أنها ربما "بروفات" لحروب حقيقية قد يخوضوها كما فعل آباؤهم طول عقود مضت.