مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

منضدة واحدة في الشارع وكرسيّ

فارس حرّام
لم تعرف مدينة النجف من قبل نشاطا كالذي بدأه فارس حرّام منذ أكثر من عام بصحبة مجموعة من أصدقائه الكتّاب. الشاعر العراقي اختار أحد أرصفة مدينة النجف لإحياء قراءات أدبية وفكرية أسبوعية والتفاعل مع الجمهور وجها لوجه…
12.10.2011  |  النجف


أراد حرّام من هذه "المغامرة الصغيرة"، التذكير بأن هناك صوتا مغيّبا في عراق اليوم هو "صوت المثقفين"، وأن السياسات الحكومية تضع في حسبانها كل شيء سوى الثقافة!


-1-

وأنا أركز في وجه صديقي جيداً، نسيت إننا الآن في مساء صيفيّ عام 2010، نحمل معاً منضدة بقياس مترين، ونحاول إيجاد مكان مناسب لها، في الشارع الذي سيكتظّ بعد قليل بالمارّة وسط مدينة النجف.

نسيت هذا كلّه وأنا أتطلّع في وجه صديقي الشاعر مهدي شعلان، وأحاول التقاط صور سريعة لتجاعيد وجهه. بدا الرجل ذو الخمسين عاماً متحمساً أكثر من ذي قبل وهو يعاود نشاطه الثقافي بعد انقطاع دام أكثر من خمسة عشر عاماً، ترك فيها كتابة الشعر، لأنه "لا يُجدي" بحسب تعبيره، منشغلاً بإعالة أسرته بالعمل في دكان صغير يبيع الكتب.

نسيت وأنا أفكر بتحولات حياة شعلان، وبكمية الزمن الضخمة التي خرجت عن سيطرته طوال محاولاته الجاهدة ليكون شاعراً يقرأه الجمهور في بلاده من جهة ومعيلاً "ناجحاً" لأسرته من جهة أخرى.. نسيت، وأنا أفكر بهذا كله، أن عليّ التركيز معه اليوم في وضع منضدتنا في مكانها المناسب أمام مائة كرسيّ مصفوفة بانتظام وسط المارة، بجوار خيمة تباع فيها الكتب ضمن فعاليات اختيار النجف عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2012.

كانت الفكرة إطلاق حملة للمثقفين العراقيين في الشارع، للنقاش العلني في أسباب تراجع القراءة في مجتمعنا، وانحسار الجمهور الثقافيّ. وكان هذا جزءاً من طموحاتي الشخصية بوصفي واحداً أيضاً من الشعراء "الخاسرين"، لا بالمعنى الفني طبعاً، وإنما بالمعنى الثقافي، أقصد خسارة الجمهور العام والتأثير المباشر عبر الشعر في مجموعة من الناس.

هكذا رأى العديد من أصدقائي إن الندوة التي أود إقامتها في الشارع، بجوار خيمة صديقي شعلان.. لا تعدو كونها "مغامرة" بالإشارة إلى أوضاع العراق اليوم.

-2-

ظلّ العراق، قبل سقوط نظام صدام عام 2003 وبعده، خالياً من أيّ برنامج لأيّ مؤسسة، حكومية وغير حكومية، يتضمن القيام بتنمية ثقافية منظمة وستراتيجية تعيد علاقة الفرد العراقي بالكتاب. وقد أسهمت التقارير الدولية والمحلية، وأرقامها المفزعة حول تردّي القراءة في مجتمعنا بإشاعة حالة إحباط مستمر لدى شعراء العراق، من أنهم سيموتون قبل أن يروا جمهوراً من خارج الوسط الثقافيّ يقرأ قصائدهم أو يحتفي بها.

ولا أزال أعاني من الأرق الذي يسببه لي بين الفترة والأخرى واحد من هذه الأرقام المفزعة: أن معدل قراءة الفرد في أمريكا يبلغ أحد عشر كتاباً في السنة، ويبلغ في انجلترا سبعة كتب، أما في العالم العربي فرُبع صفحة لا غير. وليس بعيداً عن أرقام هذه التقارير أن أهم شعراء العرب اليوم وأكثرهم شهرة لا يطبع الواحد منهم أكثر من خمسة آلاف نسخة للكتاب الواحد.

ربما تكون أزمة الشعر عالمية، في ضوء تزاحم الفنون وعالم الرياضة على استقطاب الناس، إلا أنها –جوهرياً- ليست نابعة عن أزمة عامة في المطالعة اليومية كما هو الحال في العراق والدول ذات الأوضاع المشابهة. إن أبناء وادي الرافدين - على اختلاف مستوياتهم التعليمية - لا يزالون يعشقون الشعر بصورة تبعث على الدهشة، لكن الشعر الذي يعشقه الغالبية العظمى منهم لا يتعدّى ذلك النوع الشفاهي الذي ينطق به شعراء اللهجة العامية، منتشراً في الاحتفالات الشعبية والتسجيلات الصوتية والأغاني البليدة. أما شعر اللغة الفصحى، لغة الكتابة والتعليم في العراق، فإنه بعيد عن اهتمام الجمهور.

حتى المكتبات المنزلية، هي اليوم نادرة جداً، وبصراحة لن يخجلني القول أنني منذ مطلع شبابي حتى الآن، لم يصدف أن دخلت إلى منزل أحد جيراني أو أقاربي، أو معارفي من خارج الوسط الثقافي، سواءً في النجف أو بغداد، فوجدت لديه مكتبة منزلية ذات كتب متنوعة، باستثناء تلك البيوت الدينية، أو التي لدى أفرادها نزوع للثقافة الدينية، وهي مكتبات –أولا وأخير- ليس فيها ثقافة عامة بالمعنى الحقيقي.

-3-

لقد كان من أسباب تدمير الجمهور الثقافي في العراق، ومنه جمهور الشعر، أن الطبقة الوسطى التي تضمن نشر المعرفة وقيم الجمال في المجتمع، قد جرى تدميرها بصورة منهجية أيام حكم نظام صدام. مثال على ذلك: ذهاب عشرات الآلاف من الموظفين العاديين والأطباء والمهندسين والمحامين وأساتذة المدارس والجامعات إلى الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)؛ وعاد غالبية من نجا منهم من الموت أو الأسْر يحملون صوراً مشوشة عن الحياة.

مثال آخر: آلاف الشهادات الجامعية التي تم منحها دون استحقاق، في ظل انهيار التعليم في العراق وقت الحصار العالمي عليه (1990-2003)، وكان طبيعياً أن يتحول "الأساتذة الجدد" إلى جزء جديد من المشكلة، ذلك أنهم نقلوا للشبان ابتعادهم هم عن التثقيف الذاتي وحب القراءة.

أكثر الأمثلة مأساوية: شعراء صدام.

كان نظام صدام يقدم للجمهور شعراءه الخاصين به، وباستبداده، في دعايات إعلامية واسعة، وكانوا في الغالب شعراء من الدرجة الثالثة والرابعة، اكتسبوا شهرة لاعبي كرة القدم والمغنين، وأصبحوا بالفعل شخصيات عامة، بسبب ظهورهم اليومي تقريباً في الصحف وشاشات التلفاز. ينشرون أو يقرأون قصائدهم التي يظنها الجمهور العام - بسبب التركيز الإعلامي- أنها "الشعر الحقيقي". كان بعضهم يلبس الزيّ العسكريّ، وتظهر من خلفه صور الحرب الملونة بلوني التراب والدم.

فكانت صورة الشاعر عبر هذه التراجيديا المعكوسة مقرونة بالبهلوانيّ، واكتسب الناس حينذاك عادة النظر إلى الشعراء بوصفهم "حرّاساً" للنظام، ليس أقل. في حين توارى عن الأنظار تماماً ذلك الموقع الحيّ للشعراء الأحرار في مجتمعاتهم حين يكونون مشهورين، أن يكونوا - باختصار - كثيراً من الروح مقابل الكثير من المادة التي تحيط عالمنا المعدنيّ الكبير. وكان من أكثر الأمور صعوبة في أيام صدام أن يستطيع الشعراء الحقيقيون (وكانوا في الغالب مغمورين ولا يعرفهم أحد) أن ينشر أحدهم قصيدة يمكن أن تخلّد مشاعر الوجود الأساسية لجيل كامل من الناس، أو أن تلبي فعلياً التعطش الروحي للمجتمع.

-4-

وسط هذه الوقائع والأفكار الموجزة، والمذكورة هنا بوصفها نماذج لأخرى أكبر، وأكثر تعقيداً... أجد نفسي في محلّ جواب لسؤال: كيف يسهم الشعراء العراقيون اليوم في إعادة إعمار بلادهم؟

وليس غريباً على شاعر مثلي لا يعرف شعره الجمهور العام، أن يفكر في إن الإجابة على هذا السؤال لا يمكن أن تكون عبر الشعر نفسه. إذ لن يكون بمقدوري أن أسهم بحلّ مشكلات بلدي بنشر نوع خاص من الشعر، أو كتابة قصائد على الجدران ومنحدرات الطرق، حتى لو كان موجهاً إلى الجمهور العام، فهذا الأمر الذي سيسعدني كثيراً القيام به لن يكتب له النجاح في ضوء انحدار قيم الجمال وعادات المطالعة في بلادي.

هذه الحقيقة التي تخلخل وجودي كلّ يوم، هي بالضبط ما يدفعني ويدفع الكثير من أصدقائي الشعراء إلى أن نفكر بالإسهام بإعمار بلادنا عبر طرق أخرى، أكثر سرعة وبداهة وانتشاراً من الشعر، ككتابة العمود الصحفي، والورقة البحثية، والمقال، فضلاً عن الظهور في البرامج التلفزيونية والإذاعية للحديث في شؤون البلاد وتحليل الوقائع، والمشاركة في الندوات التي تقيمها مؤسسات متنوعة، والحديث المستمر إلى أقرب الناس. كانت غايتنا – نحن الشعراء- في هذا النشاط "اللاشعريّ" تكاد تكون مشتركة بيننا جميعاً: إعادة إعمار الروح في مجتمعنا.

يؤسفني أن لا يستطيع الشعر الآن أن يقوم بهذه المهمة بصورة مباشرة، بسبب غياب الجمهور الثقافيّ. ولهذا كانت مسؤوليتي اتجاه مستقبل بلادي تحتم عليّ التفكير بمشكلة إعادة تشكيل الجمهور الثقافيّ نفسه، وسط غياب أي مبادرة حكوميّة أو غير حكومية لذلك. وقد ساعدني انتخابي رئيساً لاتحاد الأدباء والكتاب في النجف في تموز عام 2010 على أن أقوم بعد شهر واحد بتنفيذ واحدة من أكثر أفكاري جرأة: أن أضع منضدة بطول مترين في شارع بالنجف مزدحم بالمارة، وفي جوار معرض صغير للكتب لصديقي الشاعر "السابق" مهدي شعلان، لكي أتحدث في مكبرات الصوت عن الوسائل التي يمكن أن يستعيد فيها الفرد العراقيّ المتعلم علاقته بالمطالعة.

وفي الوقت الذي كانت فيه هذه المبادرة تنمو وتتكرر بنجاح، حتى آخر محاضرة أقمناها في الشارع يوم أمس (21/9/2011) للبروفيسور عبد علي الخفاف عميد كلية الآداب في جامعة الكوفة.. وعلى الرغم من الاهتمام الإعلامي على مستوى العراق كلّه بابتكار هذه الفكرة، ونجاحها في استقطاب رموز ثقافية مهمة لإلقاء محاضرات في الشارع دون أي فاصل عن المارة.. إلا إنني لا أستطيع أن أقول إنها مبادرة "حاسمة" في إعادة تشكيل الجمهور الثقافيّ. ذلك إنها تجربة ذات طابع "رمزي" بالدرجة الأساس. أردنا فيها أن نعيد التذكير بان هنالك صوتاً غائباً (أو مغيباً) في أحداث العراق اليوم وترتيبات خطط المستقبل: هو صوت المثقفين.

أما المبادرات الحاسمة لبناء مجتمع معرفي متميز يستطيع فيه الشعراء أن يعيشوا بوصفهم "شعراء"، فإنها مبادرات لابد أن تكون على مستوى الدولة، وأن تكون ستراتيجية وجذرية، ولابد أن يكون للمؤسسات الثقافية وجود حقيقي في صياغة رؤية الحكومة نفسها في عمليات التنشئة الاجتماعية، وأن تكون الأرض الأولى لهذا التغيير قطاعات التربية والتعليم، وأن يتم فيها صياغة مفهوم جديد للعراق نفسه، ذلك البلد الذي لم تقم فيه دولة بالمعنى الحقيقي منذ زوال الاحتلال العثماني مطلع القرن العشرين، حتى الآن.

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.