مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

فصليات البصرة.. أعراس الدمّ العشائرية

سليم الوزان
اتشحت كريمة ضمد بالسواد وزفت إلى عريسها بصمت، من دون أية مظاهر فرح.
29.07.2010  |  البصرة

وبعد زهاء عقدين على عقد قرانها، الذي كان بندا في اتفاق لحقن الدماء بين عشيرتين متقاتلتين في البصرة جنوبي العراق، تصف نفسها بـ "الأسيرة حتى الموت".

كريمة هي واحدة من بين مئات النساء العراقيات اللواتي يتم تزويجهن بهذه الطريقة المسمّاة بـ "الفصلية"، حيث تقدم "المرأة الفصلية" من عشيرة القاتل إلى عشيرة المقتول كتعويض عن الخسارة البشرية.

وكلمة الفصلية هنا مأخوذة من “الفصل”، أي الفصل العشائري القاطع للخلاف بين المتخاصمين من عشيرتين مختلفتين.

هذه المرأة الثلاثنية كانت قد زُوِّجت في قضاء القرنة في البصرة مطلع التسعينات من القرن الفائت ولم تزل حينها قاصراً، إثر مقتل أحد أقارب زوجها على يد قريب لها. بعد ذلك، تزوج زوجها من أخرى من عشيرته.

"ليست لي أية حقوق زوجية واعمل كخادمة للجميع"، تقول كريمة، التي لديها أربعة أبناء، وزادت "أعاني من كل شيء والعقدة الكبيرة في حياتي وحياة أبنائي انهم لا ينادوني باسمي بل بالفصليّة حيث كتب علي أن لا أطلق وأبقى أسيرة حتى الموت".

ويجري زواج الفصلية وفق الأعراف العشائرية بغياب أية مظاهر احتفالية. وتقول الجمعية العراقية لحقوق الإنسان إن عدد حالات النساء “الفصليات” في البصرة وصل إلى أكثر من 800 منذ مطلع العام الجاري.

حالة كريمة لا تختلف عن زينب، التي تزوجت بذات الطريقة، وهي في سن الحادية عشرة، من رجل طاعن في السن في منطقة الحيانية، بعد مشاجرة بالسلاح وقعت بين العشيرتين.

اليوم، وبعد أن توفي زوجها تاركا لها ولدين، تتذكر زينب حياتها الزوجية قائلة "كان (زوجي) يعاملني كالبهيمة وأتعرض الى أنواع الضرب وخاصة في كل ذكرى سنوية لمقتل ابنهم". وتضيف "أهل زوجي ينظرون إلي الآن على أني عدوتهم التي قتل أهلها ولدهم".

ويتناقل الناس في البصرة رواية مفادها أن إحدى النساء اللاتي تم تزويجهن على طريقة الفصلية أقدمت على الانتحار بإضرام النار في جسدها العام الفائت في قضاء الزبير.

وفضلا عن الفصلية؛ المرأة التي تمنح كزوجة لعائلة القتيل، هنالك الديّة، وهي مبلغ من المال تدفعه عشيرة القاتل لعائلة الضحية. ومؤخرا، باتت العديد من النساء "الفصليات" يعدن إلى عوائلهن بعد دفع مبلغ آخر من المال.

وتضم البصرة أكثر من 45 عشيرة كبيرة إضافة إلى "الأفخاذ" وهي امتدادات لهذه العشائر، وتسكن بعض أهم هذه العشائر مثل تميم وكنعان والسعدون في مناطق مركز المدينة وضواحيها، في حين تنتشر عشائر أخرى في مناطق الاهوار والقصبات البعيدة كعشائر المعدان وبني مالك والخليفات.

ولا تُسجّل معظم زيجات الفصلية رسميا لدى دوائر الدولة، الأمر الذي يبقي أطفال أولئك النسوة في مأزق غياب الأوراق الثبوتية، على ما يقول هاني الأسدي رئيس الجمعية العراقية لحقوق الإنسان.

"المرأة ما زالت تتعرض لعدوان الأعراف العشائرية الظالمة"، يقول الأسدي، مضيفا أن الجمعيات المعنية بحقوق الإنسان في البصرة تقوم بمساعدة أولئك النساء في الحصول على الطلاق، ونجحت في ذلك مع العديد منهن.

المحامي إبراهيم العريبي يؤكد أن عقد الزواج في حالة تقديم الفتاة كفصلية "يعد باطلا لتوفر عنصر الإكراه الذي يهدم ركن الرضا" بحسب المادة التاسعة من قانون الأحوال الشخصية، مضيفا أن العقوبة التي يفرضها القانون في تلك الحالة تصل إلى السجن لمدة 10 سنوات كحد أقصى.

لكن العريبي يشير إلى عدم سجن أحد بهذه التهمة، فـ "الأمور تجري بعيداً عن المحاكم وقوانين الدولة"، كما يقول.

وبالرغم من اعتبارهم الظاهرة "محدودة"، إلا أن المسؤولين يقولون إن الدولة "لا تستطيع السيطرة على هكذا ظواهر"، وذلك بسبب عدم توفر معلومات واحصاءات دقيقة عنها.وتقول ناطقة ثامر شياع، مسؤولة لجنة المرأة في مجلس محافظة البصرة "طرحنا مقترح بإنشاء مراكز معلومات ، فبدون توفر معلومات وأرقام دقيقة لا يمكننا معالجة الكثير من الظواهر الاجتماعية السلبية، وكما تعلم فإن هذه الزيجات تتم بعيدا عن المحاكم”.

في حين يرى الشيخ حميد المالكي، وهو رجل دين شيعي، ان في هذه الظاهرة “فيها الكثير مما يعارض الشرع”.

المالكي أوضح قائلا إن "الإسلام ينظر الى المرأة كمخلوق محترم له حقوق.. وزواج المرأة الفصلية يرفضه الإسلام كل الرفض، فلا يوجد في الشريعة الإسلامية أي نص يقول بأن تكون المرأة هدية تعطى". مؤكدا على أن "زواج الفصلية باطل شرعا لان من شرائط العقد أن يوفق كل من المرأة والرجل وبإرادتهما".

لكن شيوخ عشائر يدافعون عن عادة الفصلية، قائلين إنها تهدف إلى التقريب بين القبائل المتخاصمة.

"فالهدف من تقديم المرأة كفصلية في المجتمع العشائري يعود لإقامة علاقة مصاهرة ورحم بين العائلتين والعشيرتين المتنازعتين الأمر الذي من شأنه ان يؤدي الى القضاء على الأحقاد والضغينة في المستقبل"، قال الشيخ سامي ماضي من عشائر السادة الموسوية في قضاء الزبير.

ويعود عرف الفصلية إلى العهود العثمانية وكان يسمى سابقاً "جرمية" ويصل عدد النساء المقدمات كفصليات إلى 8 مقابل كل نفس تقتل، بحسب الشيخ ماضي.

ويضيف ماضي إنه حصلت هنالك حالات قدمت فيها نساء كـ "فصليات" إذا قتل كلب شيخ العشيرة.

"لكن الظروف تغيرت ووضعت أعراف خاصة بالمسألة. فاليوم تعتبر الفصلية جزاءً رادعا للمجرم لكي لا يكرر فعلته، كما أنها عملية إذلال له"، يقول الشيخ.

وتتعرض هذه الظاهرة إلى نقد لاذع من قبل نشطاء حقوق المرأة في البلاد، الذين يخوضون حربا للتخلص من الظاهرة، في مواجهة أعراف عشائرية تضرب جذورها في الأرض.

من أولئك الناشطات نضال الخفاجي، التي ترفض أن تكون المرأة "سلعة"، داعية رجال الدين إلى الافتاء علنا بتحريم هذه العادات.

وقالت الخفاجي إن "لم نسمع أية فتوى دينية تحرم ذلك او تمنع العشائر من وضع المرأة بالمزاد وكأنها في سوق النخاسة تشترى وتباع وتستبدل بالمال". وأضافت إن "هذا الزواج هو اخطر أنواع العنف والاضطهاد الذي يمارسه المجتمع".