مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

الغبار المقدس

عباس سرحان
عند نافذة صغير تقع داخل الصحن الحسيني في مدينة كربلاء، وقريبا من أحد الأبواب التاريخية للصحن، يعرف بباب السدرة، يتجمع العشرات من الأشخاص يوميا، ومن مختلف الأعمار بهدف الحصول على أكياس صغيرة تحتوي على قليل من الغبار.
8.06.2010  |  كربلاء

هذا الغبار ليس غبارا عاديا بالنسبة لزوار المرقد، بل إنه "غبارٌ مقدسٌ" كما يسميه الحاج مجاهد مهدي مجيد رئيس قسم الهدايا والنذور في العتبة الحسينية، و"قدسيته نابعة من قدسية مرقد الإمام الحسين عليه السلام".

وحسب مجيد فإن الغبار "يجمع شهريا من الضريح الشريف للإمام الحسين والمنطقة المحيطة به، ومن غبار المكتبات الموجودة في الصحن، لكننا نحصل عليه بشكل رئيسي من السجاد المفروش على أرضية المكان في كل مرة ينظف فيها".

وبرغم أن الكثير من الأشخاص الذين يزورون المراقد المقدسة في كربلاء وفي سواها من المدن العراقية الأخرى، التي تضم مزارات دينية، يبدون حرصا على اقتناء قطع من الأقمشة الخضراء التي يطاف بها حول الأضرحة المقدسة، بعد شرائها، بهدف التبرك، إلا أن الزوار الذين يصطفون عند النافذة الصغيرة يبتغون بدرجة أساسية الحصول على بركة الغبار "المقدس".

ويعتقد زائروا العتبات المقدسة أن التراب الذي مشى عليه الإمام الحسين حفيد الرسول محمد (ص) يجلب الشفاء والسعادة لهم. ويتناقل الناس العديد من الحالات التي يسمونها بالمعجزات، والتي تحكي قصة شفاء بعض المرضى بعد التبرك بغبار العتبة الحسينية.

ويلفت مجيد الى أن للاستشفاء بالغبار المقدس مراسيم خاصة "فبعد قراءة سور من القرآن الكريم، وعدد من الأدعية المأثورة على الغبار، يتم الاغتسال به، أو شطف العضو المصاب بالماء الممزوج بالغبار المقدس، وقد يذهب بعضهم الى مضغ قليل من الغبار طلبا للشفاء".

ويبدو أن رجل الدين الشيخ علي الفتلاوي وهو مسؤول عن قسم المكتبة والمخطوطات في العتبة الحسينية، يعتقد هو الآخر بمعجزات التراب المقدس، ويؤكد الفتلاوي في حديثه لـ"نقاش" أن آثار الأنبياء والأولياء تحوي كرامات ولها مآثر، ويقول إن "التاريخ يذكر لنا قصصا عديدة عن شفاء أشخاص عجز الطب عن علاجهم، بعد توسلهم بالأئمة المعصومين".

ولا تختلف تصورات، السيدة رقية إبراهيم الميالي عن تصورات آخرين يؤمنون ببركة الغبار المقدس، فأكدت وهي تنتظر دورها في الحصول على أحد أكياس الغبار إنها تلجأ إلى التربة الحسينية طلبا للعلاج، وتقول "في مرات عديدة عجز الأطباء عن تخليصي من الآلام التي أشعر بها في معدتي، أو في رأسي. لكن هذه الآلام تزول ببركة الغبار المقدس الذي أحرص على أن يكون في بيتي دائما".

ويقول رئيس قسم الهدايا والنذور في العتبة الحسينية إن "معدل ما يتم توزيعه من أكياس الغبار المقدس شهريا يزيد على الثلاثة آلاف كيس". ويؤكد أن الأشخاص الذين يحرصون على الحصول عليه هم من جنسيات مختلفة، ففيهم العراقيون والعرب والإيرانيون والهنود وغيرهم.

ومنعا لتزاحم الزائرين وضمان حصولهم على الغبار للتبرك به خصصت إدارة العتبة وقتا محددا لتوزيعه من الساعة الواحدة ظهرة ولغاية الساعة الخامسة عصرا.

وكانت إدارة العتبة المقدسة قد اشترت قبل سنة تقريبا جهازا خاصا لتصفية وتعبئة وتغليف الغبار بعد جمعه. ويقول مجيد "استلمنا الجهاز بعد أن تم تصميمه في إيران وتم وضعه وتنصيبه في مخزن الهدايا والنذور وهناك أربعة منتسبين مختصين للعمل على هذا الجهاز يعملون بوجبتين لتوفير الكميات المطلوبة من أكياس الغبار يوميا".

ولا يحرص زوار كربلاء، ممن يقصدونها من مناطق بعيدة على العودة بقليل من غبار العتبة الحسينية فقط، فهناك المسبحات المصنوعة من طينة كربلاء، والترب الطينية التي تستخدم للسجود عند الصلاة.

ولاشك أن كربلاء هي المدينة الوحيدة في العالم التي يباع طينها وينتقل من مكان لآخر وتحظى الهدايا أو "الصوغات" المصنوعة من الطين، والتي يعود بها الزوار الى بلادهم بمكانة كبيرة عند أقرباء الزوار وأصدقائهم.

وتباع المصنوعات الترابية في محلات محيطة بالحرمين وسط كربلاء، وتشكل موردا مهما بالنسبة للكثير من الأشخاص سواء أولئك الذين يقومون بصناعتها، أو من يقومون ببيعها.

ويشير الحاج مجاهد مهدي أن الغبار لا يباع ولا يشكل مورد دخل للعتبة المقدسة، انما يقدم على سبيل الخدمة او الهدية للزوار، لكن هذا لا يمنع بعض المحلات المحيطة بالعتبة من بيعه.

وتعتمد العتبات الدينية في كربلاء، في وارداتها المالية على ما يخصص لها من الحكومة الاتحادية وديوان الوقف الشيعي، ففي هذا العام 2010 خصص لتطوير العتبة الحسينية ستة مليارات دينار عراقي (حوالي 5 مليون دولار). وإلى جانب هذه التخصيصات هناك مورد آخر مهم للأموال، وهو مورد التبرعات.

ولا توجد إحصائية دقيقة حول أموال التبرعات هذه، أو مسارات إنفاقها. لكن القائمين على إدارة العتبتين المقدستين يؤكدون أن هذه الأموال تنفق في مجالات تقديم الخدمات لملايين الزائرين يقصدون المدينة طوال العام، وفي تطوير العتبات المقدسة.

ويقول مجيد أن الأمانة العامة حرصت على توفير خدمة "الغبار المقدس" كواحدة من الخدمات الكثيرة التي تزودهم بها.

يشار إلى أن زيارة العتبات الدينية بكربلاء تشكل ظاهرة لافتة منذ سقوط النظام السابق، حيث يقصد المدينة أعداد كبيرة من الزائرين من داخل وخارج البلاد طوال العام. وبالرغم من عدم توفر إحصائية دقيقة عن عدد الزائرين لكربلاء خلال العام الواحد إلا أن الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة ومسؤولين محليين يقدرون عدد من يقصدون كربلاء بهدف السياحة الدينية، بأكثر من 30 مليون زائر سنويا.