مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

11 ألف طريقة للعيش في النجف

فارس حرّام
في وسط الزحام الشديد للأجسام…
25.05.2009  |  النجف

انتصار، التي فقدت ستة من أبناء أسرتها في حروب العراق، واحدة من بين مئات الأشخاص المتجمعين في حي السلام بمدينة النجف لتلقي مساعدات عينية تخصصها منظمة الهجرة الدولية (I.O.M).

وتخصص المساعدات للذين نزحوا من بغداد وعدد من المحافظات، في سنوات التوتر الطائفي، البالغ ذروته عامي 2006 – 2007، وتشرف على توزيعها دائرة الهجرة والمهجرين في النجف.

تبدي "انتصار" امتعاضها بينما تتأمل الأحرف الانكليزية الثلاثة على كيس الشراشف (I.O.M) وتقول: "حصتي هذه تكاد تكون ربع ما قد تم توزيعه قبل ساعتين لنازحين آخرين!".

وتضيف: "كانت حصة المساعدة عبارة عن ثلاثة أفرشة وثلاث بطانيات ووعاء محكم لحفظ ماء الشرب (ترمس)، وعدة شراشف، مع أغراض متعددة أخرى". ولا تعلم انتصار - كما صرحت بذلك- شيئاً عن أسباب تقليل حصص المساعدات بهذه الطريقة، إلا أنها تقول: "موظفي دائرة الهجرة في النجف تسلّموا حصصهم كاملة دون نقص".

أما صابر حسين، النازح الآخر من بغداد، الذي يسكن الآن في أحد الأحياء الفقيرة غربي المدينة، فقد ترك لنفسه أن يشرح بصوتٍ عالٍ ومتشنج، ما أسماه : "إهمال الحكومة" لمتطلبات عيش المهجرين في النجف، بـ"أقل مستوى ممكن من الكرامة"، بحسب وصفه، ويقول: "إن المهجرين مسحوقون هنا، يعيشون على المساعدات القليلة، وباستطاعتي أن اذهب معكم إلى أناس ينامون على التراب، ومع ذلك لم نجد مختاراً يدق بابهم أو منظمة، أو حزباً، أو أي دائرة حكومية أو غير حكومية".

وتقول دائرة الهجرة والمهجرين في النجف، إن المساعدات التي توزع على نازحي المدينة، تقدمها جهات حكومية ممثلة بوزارة الهجرة والمهجرين؛ وأخرى غير حكومية عراقية مثل منظمة الإغاثة العراقية (I.O.R) ومنظمة الإغاثة الإنسانية العراقية، فضلاً عن منظمات دولية مثل الإنترسوس، و"أيادي الرحمة"، و"الهجرة الدولية"، و"الهيأة الطبية الدولية" .. وغيرها.

ويشير ماهر مكي العميدي، مسؤول وحدة البرامج الميدانية في الدائرة، إلى أن هذه المساعدات تنقسم على نوعين، الأول شامل لجميع النازحين، كالمنح الشهرية المقدمة من مجلس الوزراء، عبر وزارة الهجرة والمهجرين، وهي تعادل مائة وثلاثين دولاراً لكل أسرة نازحة؛ والثاني انتقائي وغير منتظم، كالمساعدات التي تقدمها المنظمات إلى مجموعة من الأسر المحددة والمنتقاة، "بحسب أوضاعها المعيشية"، طبقاً لقول العميدي.

ولدى سؤال من "نقاش" حول المعايير التي تنتهجها دائرة الهجرة والمهجرين في النجف، لتزويد المنظمات ببيانات الأسر المستحقة للمساعدات "الانتقائية"، أجاب العميدي بأن دائرته على اتصال مباشر بعدد من الأسر النازحة، فضلاً عن اعتماد الدائرة على شهادات مختاري المحلات السكنية حول نازحين يعانون في مناطقهم من ظروف معيشية سيئة.

ويشدد العميدي على إن هذه الطريقة "وإن كانت لا تخلو من خروق ممكنة" فإنها "تعد لدينا أفضل الطرق الآن، في ضوء غياب مسوح ميدانية دقيقة لأحوال النازحين والمهجرين في المحافظة"، ويعلق العميدي على شكوى انتصار قائلا: "من حق موظفي الدائرة من النازحين أن يكونوا في طليعة المستفيدين من المساعدات المنتقاة، فهم نازحون أيضاً".

عددا من النازحين أبدوا لـ"نقاش" امتعاضهم من المعايير المتبعة في تنظيم قوائم الأسر المستحقة للمساعدات الانتقائية، ذاهبين إلى أنهم يعرفون أسراً ميسورة أصبح إدراجها "مزمناً" ضمن قوائم هذه المساعدات، فضلاً عن ظاهرة استبدال أسماء جديدة بالأسماء المثبتة مسبقاً، مشككين في الوقت نفسه في صحة أو قدرة وصول جميع مختاري النجف إلى النازحين في مناطقهم، والاطلاع على أحوالهم قبل إعداد قوائم المساعدات.

ويشير الشيخ "كريم الحيدري"، النازح من بغداد، إلى أن مختار محلته "حي العسكري" لم يقم أبداً بزيارة أسرته للاطلاع على مدى احتياجها للدعم. بينما أكد "عباس نجم"، النازح من بغداد أيضا، إن مختار محلته "الحويش"، في قلب المدينة القديمة، لم يزرهم يوماً ما بصفتهم نازحين.

مكتب المفتش العام في دائرة الهجرة والمهجرين في النجف، قال لـ"نقاش" إن أغلب المساعدات الانتقائية أو الشاملة، المقدمة من جهات غير حكومية، تتم من دون علم وزارة الهجرة والمهجرين أو دوائرها في المحافظات. ويضيف جواد الحبوبي مدير المكتب: "إن القليل من المنظمات غير الحكومية تطلب منا مساعدتها عبر تزويدها بقاعدة بيانات النازحين في المحافظة".

ويشير الحبوبي إلى أنه "في حال حصول خروق في عملية التوزيع، فإن دور مكتب المفتش العام يتمثل في إعلام وزارة الهجرة والمهجرين ووزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني، إضافة إلى المنظمات المعنية نفسها".

ويقطن النجف الآن أكثر من أحد عشر ألف أسرة نازحة، يعيش عدد كبير منها في ظروف معيشية صعبة، بينما يقتات معظم أفرادها من مهن بديلة عما اعتادوا القيام به في مدنهم التي نزحوا منها.

ويقول "حميد"، بائع خضار، إنه كان يعمل في مجال بيع المبيدات الزراعية في بغداد، قبل أن تجبره الحياة في النجف على أن يفترش احد أرصفة المدينة بصناديق الخضار، ويكمل "حميد" وهو يقوم بترتيب صندوق تفاح اخضر: "تركنا أعمالنا ومنازلنا في بغداد، وظننا في البداية أننا سنعيش هنا من خلال المساعدات التي ستقدم لنا لأننا ضحايا حرب، قبل أن نصحو من هذا الوهم ونبدأ بالعمل، ومن ثم التعود والبقاء".

بينما يذهب "أبو صالح"، صاحب أفران صمون، إلى انه لم يضع في ذهنه مسألة الاعتماد على المساعدات في حياته الجديدة في النجف، مشيراً إلى انه قد شرع منذ نزوحه هنا بالعمل نفسه الذي كان له في ديالى، منتهياً إلى أن العمل في النجف أفضل بكثير من العمل في أغلب محافظات العراق، وأنه "حتى لو تحسنت الأوضاع في ديالى فإنني سأبقى هنا" كما يقول أبو صالح نفسه.

وتعكس عبارات "حميد" و"أبو صالح" رغبة أعداد من النازحين في المحافظة، بالاندماج في المجتمع النجفي، الذي شهد في السنوات الثلاث الأخيرة استقراراً أمنياً ملحوظاً، وانتعاشاً اقتصادياً. بينما تؤكد دائرة الهجرة والمهجرين في النجف لـ"نقاش"، على لسان مصدر مسؤول فيها رغب عدم الكشف عن اسمه، إنها بصدد القيام هذا العام بمسوح ميدانية دقيقة للوقوف على الظروف التي يعيش فيها نازحو النجف جميعاً، فضلاً عن رغباتهم، سواءً بالعودة إلى ديارهم أو البقاء هنا، ومن ثم إغلاق ملفاتهم بوصفهم نازحين، بصورة نهائية.

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.