مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

دور السينما في بغداد تتحول إلى ورشات ومخاز&#1

أحمد السعداوي
مع انتشار الصحون اللاقطة (الستلايت)…
27.10.2008  |  بغداد

المكان المحيط بسينما "غرناطة" تملأه الازبال والنفايات بسبب سوق البضائع وبيع الملابس القريب، وكذلك بناء السينما نفسها من الداخل والأثاث، كلها متهالكة وقديمة. أما الواجهات الإعلانية عن الأفلام في مدخل قاعة العرض فهي تستعرض لقطات مثيرة لأجساد ممثلات، تعود لأفلام تركية وأجنبية وعربية، ليست هي التي يشاهدها المتفرجون داخل القاعة.

كاظم الكناني مدير سينما "غرناطة"، يتحسر على "أيام الثمانينات التي ولّت من غير رجعة" ويصفها بـ "أيام ذهبية" شهدتها صالته. يقول الكناني: " قبل أن يطوقنا الحصار، كنا نعرض أفلاما من انتاجات محلية، بالتوازي مع أفلام عربية وأجنبية حديثة، وكانت المقاعد تمتلئ مع تشغيل الشريط السينمائي، وكان حضور العائلات العراقية جزء من المشهد الليلي لصالات العرض كأمر تقليدي وشائع". ويتابع الكناني: "الداخلين اليوم الى سينما غرناطة في منطقة الباب الشرقي وسط بغداد يعدون على الأصابع، لكن الرغبة بالاستمرار في هذه المهنة، لدي ولدى العاملين في سينما غرناطة، هو ما يدفعنا لفتح أبواب السينما، وليس رواج العمل".

أفراد قلائل تجدهم اليوم، اغلبهم من الشباب حديثي السن، يجلسون على مقاعد متفرقة من الصالة، ويتابعون أحداث فلم عراقي قديم، يعود إنتاجه إلى عشرين سنة مضت أو أكثر.

سينما "الخيام" (سابقا) التي لا تبعد كثيرا عن سينما "غرناطة"، تحولت بعد عام 2003 إلى ورشة لصناعة الأثاث. صورة لا تقارن بصورة الخيّام حين أنشئت في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، حين كانت تمثل ذروة التطور في صالات العرض السينمائي في الشرق الأوسط.

يقول باسم هاشم أحد العاملين في سينما "غرناطة": "لقد تم استيراد أحدث التجهيزات والأثاث لها من ايطاليا والولايات المتحدة".

السينمات الأخرى تسير على نفس الطريق نحو الإغلاق والتحول إلى ورش صناعية، فالمتفرجون قلة، والأفلام قديمة، والبنايات متهالكة، وحتى العاملون في قاعات العرض هم أيضا كهول.

هاشم قضى أكثر من خمسين عاماً على حد تقديره في العمل كمشغّل سينما، ومرّ خلال هذا العمر الطويل على اغلب سينمات بغداد، ومازال يعمل خلف آلة التشغيل في سينما "غرناطة" حتى الساعة.

كريم عبد الأمير العامل في سينما "المشرق" يضع المسؤولية على عاتق وزارة الثقافة، "فهي لم تلتفت للعناية بدور العرض السينمائي التي تشكل جزءاً من ذاكرة بغداد الحضارية" على حد قوله. ويكشف كريم أن "بعض دور العرض السينمائي باتت تشغل أفلاما جنسية من أجل جذب الشباب للدخول إلى قاعات العرض، مستغلة ضعف الرقابة على عملها".

وفي الحقيقة من يدخل إلى سينما "المشرق" نفسها أو غيرها من السينمات العاملة حتى الآن سيشاهد أن جل الأفلام المعروضة تركز على موضوعات الإثارة جنسية وإن لم يكن المعروض أفلاما جنسية صريحة. حيث يجري طبع بعض المشاهد الجنسية المثيرة على بوسترات وإلصاقها على اللوحات الإعلانية في مداخل دور العرض.

دور السينما البغدادية لا تخلو من منافسين حتى في هذا المجال، فعلى مقربة من سينما "المشرق" التي تقع مقابل سوق الهرج الشهير وسط الباب الشرقي ببغداد، يعرض العديد من الباعة الشباب على بسطات متجاورة فوق الأرصفة أقراص (DVD) إباحية يطلقون عليها أسماء لفنانات مشهورات بغية جذب الزبائن. هذه التجارة ازدهرت بشكل صريح في هذا المكان عقب سقوط النظام السابق، حيث كان الباعة يتنافسون بالصوت العالي لجذب الشباب المار بالسوق، وكان بالإمكان مشاهدة مقاطع من أفلام البورنو على جهاز عرض الـ (DVD) قبل شرائها. كما أن العديد من مقاهي شارع السعدون كانت تفرض تعرفة إضافية على شرب الشاي لقاء فلم جنسي صريح يعرض في المقهى. لكن هذه الأخيرة انحسرت الآن بسبب الملاحقة الأمنية، مع بقاء قضية بيع الأقراص الجنسية حتى الآن.

البسطات نفسها، وبالإضافة إلى تجارة أقراص البورنو، تقدم لزبائنها أفلاما عالمية وعربية شهيرة مازالت تعرض في دور العرض السينمائي حول العالم، وبعضها حديثه جدا، تدخل إلى العراق عن طريق القرصنة، وسط غياب القوانين الضابطة لهذه التجارة غير المشروعة، فماذا بقي لدور السينما؟

يبدو أن الإثارة الجنسية هي الطاقة الوحيدة التي تبقي دور العرض الخمس الشغالة في بغداد حالياً في غرفة الانعاش، مع تدهور واقع هذه الدور بشكل كبير، فالتدهور ابتدأ من عقد التسعينيات وفرض العقوبات الدولية، فتقلصت عمليات شراء الأفلام من الخارج، وانسحب الجمهور التقليدي المكون من العوائل والأسر العراقية من الدخول إلى قاعات العرض السينمائي، لتصبح السينمات أماكن موبوءة أكثر فأكثر، ثم جاءت الحرب الأخيرة لتقضي بشكل نهائي على تقاليد العرض السينمائي، وأقفلت أغلب الدور أبوابها. خصوصاً مع تسيد العنف في الشارع العراقي، وغياب الحياة المدنية بشكل كامل في بغداد وغيرها من المدن والمحافظات. أحد الشباب الذين يدخلون إلى دور العرض السينمائي كشف بشكل صريح عن دوافعه لدخول السينما، بأنه يريد مشاهدة الممثلة التركية الحسناء "هوليا"، التي تستعرض مفاتنها في الكثير من مشاهد الفلم المعروض، وهو فلم يعود إلى أكثر من عشر سنوات مضت.

الكثير من قاعات العرض السينمائي الآن، في بغداد والمحافظات، تحولت إلى مخازن للحبوب وورش فنية لمختلف الأعمال، مثل سينما "البيضاء" في بغداد التي تحولت إلى "معمل نجارة البيضاء". ويقول صاحب معمل النجارة: "أنا حزين لتدهور حال هذه الدار، وقد احتفظت باسم السينما كاسم لمعملي اعتزازاً بهذه الدار العريقة"!

ويأسف المخرج العراقي هادي ماهود لهذه الحال التي انتهت إليها دور السينما، والتي يرى أنها "كانت تشكل معلماً للحياة المدنية في العراق، وجزءاً من أماكن الترفيه الأساسية لدى العائلة العراقية"، بل إنها، يضيف ماهود، "كانت تربي لدى الإنسان العراقي نوعاً من السلوك الحضاري". ويختم ماهود كلامه قائلاً: "لا افهم عراقاً جديداً دون دور للعرض السينمائي".

يبدو أن تحسن الأوضاع الأمنية داخل العاصمة بغداد قد يجعل من موضوعة بث الحياة من جديد بدور العرض العريقة في بغداد مطلباً ثقافيا حيوياً، ولكن لا برامج ولا خطط وطنية لذلك حتى الآن، ولا شيء عند أصحاب دور العرض ومحبي السينما غير الذكريات عن أيام جميلة مضت إلى غير رجعة.