مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

صورة يهود بغداد بالأبيض والأسود

خلود رمزي
في سن الخامسة والسبعين لا تملك مارسيل عزرا إحدى النساء المعدودات من الطائفة اليهودية في العراق سوى ذكريات جميلة عن حبيبها صهيون الذي رفضت أن تغادر العراق من أجله وبقيت للزواج به، لكنه قتل لاحقا في مشاجرة عارضة…
7.10.2008  |  بغداد

مارسيل التي تعيش بمفردها في منزلها في منطقة البتاوين في وسط بغداد وتعتمد على احدى العائلات المسيحية لتلبية احتياجات تعجز امرأة في سنها عن القيام بها، كانت تعمل مدرّسة في مدرسة (فرنكي عين) في منطقة 52 وسط بغداد، وهي واحدة من اشهر المدارس اليهودية في العاصمة العراقية والتي تحول اسمها لاحقا إلى المدرسة النظامية، وعندما وصلت عزرا إلى سن التقاعد تركت التدريس وعاشت منزوية في بيتها الذي لم تخرج من بابه منذ سنين، حيث تكتفي بالنظر إلى ازهار حديقته الواسعة من نافذة غرفتها.

تقول المرأة المسنة التي غزت التجاعيد ملامح وجهها واختفت نصف اسنان فمها المحاط بخطوط عميقة، ان رامي وشقيقته ريتا يقومان بخدمتها منذ سنوات، ويساعدانها في قضاء حاجياتها من أغراض منزلية وينظفان لها المنزل ويهتمان بالحديقة، ويطهوان وجبات الطعام العراقية التي تحبها.

وتضيف وهي تستذكر لحظات جميلة عاشتها بين افراد عائلتها المهاجرة وتقلب بين يديها صورا باللونين الابيض والاسود تعود الى خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي "لم يبق لي احد من عائلتي، ولا من أقاربي اليهود فالجميع غادروا البلاد.. شقيقي وأبناء شقيقتي ومعارفي وبقيت وحيدة، كنت أظن انني سأتزوج من صهيون ففضلت البقاء لكن القدر لم يمنحني هذه الفرصة وخطفه مني في مشاجرة عابرة مع فلسطيني كان يسكن قريبا من منزلنا"تقول مارسيل ان تلك المشاجرة وقعت في بداية ثمانينات القرن الماضي بسبب خلاف بسيط بين صهيون واحد جيرانه من الفلسطينيين حول خبر ظهر على شاشة التلفاز في نشرة الاخبار وادى الى شجار بين الطرفين انتهى بطعن صهيون بسكين وانهاء حياته.

وبرغم كل شيء لم تفكر مارسيل بالذهاب إلى إسرائيل، بل هي تصر على البقاء في العراق، وتقول لـ (نقاش): "لا شيئ يدعوني للهجرة.. جميع جيراني يعلمون بديانتي اليهودية لكن لم يؤذني احد" مضيفة: "لا أريد الموت بعيدا عن مكان ولادتي الذي عشت فيه اجمل سنوات عمري".

وتحتفظ المرأة الشقراء التي لم تستطع سنوات الحزن ان تطفئ بريق عينيها الزرقاوين باشياء خاصة في صندوق خشبي صغير تمتنع عن فتحه امام الغرباء لكنها اوصت رامي وشقيقته بدفنه معها بعد وفاتها .

ويقول الفتى الذي اعتاد العناية بالعمة مارسيل حتى بات من اقرب المقربين لها ان العجوز منحته قبل ايام بعض مصوغاتها الذهبية التي تعود الى عقود مضت وطلبت منه ان يبيعها ويتزوج وخطيبته بالنقود وان يعيشا معا في بيتها. ويضيف رامي " هي فكرة رائعة، إذ لا احد يعتني بالعمة مارسيل سوا أنا وشقيقتي ريتا، لكن المشكلة أن خطيبتي ترفض فكرة العيش مع السيدة العجوز".

وتشير الاحصائيات الاخيرة التي اعلنتها الوكالة اليهودية المشرفة على هجرة اليهود من انحاء العالم الى اسرائيل، الى وجود 34 يهوديا فقط في العراق غالبيتهم من كبار السن، اشرفت الوكالة على تسفير ستة منهم الى اسرائيل فيما رفض 28 منهم مغادرة البلاد وتمسكوا بالبقاء في العراق ومنهم مارسيل. فعقب نهاية الحرب في 2003 في العراق تتبعت الوكالة مسار اليهود العراقيين الباقين على قيد الحياة لمعرفة ما إذا كانوا يرغبون في العيش في إسرائيل حسبما يقضي قانون العودة الإسرائيلي الذي يمنح يهود العالم الحق في الاستقرار في إسرائيل. ولم تعثر الوكالة سوى على 34 شخصا فقط من الطائفة التي يعود تاريخها في العراق إلى اكثر من 2500 عام والتي وصل تعدادها في أوج مجدها إلى 130 ألف يهودي.

واعترفت الوكالة ذاتها ان شمس الطائفة اليهودية غابت في العراق بعدما هاجر شبابها الى اسرائيل ولم يتبق الا كبار السن الذين عاشوا بالقرب من المسيحيين واخفوا ديانتهم خوفا من الاستهداف، في حين يطالب مهاجرون في اسرائيل عراقيو الأصل باستعادة ممتلكاتهم القديمة التي خلفوها ورائهم في شارع السعدون والبتاوين وغيرها من المناطق.

ويعد يهود العراق من أقدم الطوائف اليهودية في العالم، ويرجع تاريخ وجودهم إلى عهد الإمبراطورية الآشورية الأخيرة 911-612 ق.م، وتروي الأدبيات اليهودية أن الأشوريون قاموا بعدة حملات على فلسطين ونقلوا اليهود منها إلى أماكن جبلية نائية شمال العراق. ولما قضى الكلدانيون البابليون على الآشوريين وأسسوا دولتهم في بابل 612-359 ق.م كان من أهم أعمالهم -حسب المرويات اليهودية- القضاء على مملكة يهوذا في فلسطين، وسبي يهودها إلى بابل على يدي نبوخذ نصر الثاني الذي حكم فيما بين 605-562 ق.م.

واشتهرت الجالية اليهودية في العراق بممارسة الحرف، وعمل غالبيتهم في صياغة الحلي الذهبية والتجارة والخياطة، لكن عدد من يهود العراق دخلوا مجالات أخرى مختلفة مثل الفن والسياسة وكان اول وزير للمالية في الحكومة العراقية الحديثة التي تشكلت عام 1921 يهوديا هو ساسون حسقيل.

وبعد إعلان "دولة إسرائيل" عام 1948م تصاعدت الحساسيات الاجتماعية بين اليهود في العراق وجيرانهم. لم تسمح الحكومة العراقية لليهود في البداية بالسفر إلى اسرائيل، لكنها أصدرت فيما بعد قراراً يسمح لليهود بالسفر بشرط إسقاط الجنسية العراقية عن المهاجرين منهم. وهاجرت غالبية الطائفة من العراق خلال عامي 1949 و 1950م في عملية سميت "عملية عزرة ونحمية". وفي بداية الخمسينيات بقي 10 آلاف يهودي في العراق من أصل 115 ألف نسمة عام 1948م. وعند وصول عبدالكريم قاسم الى السلطة رفع قيود السفر والقيود الأخرى عن اليهود المتبقين في العراق وبدأت اوضاعهم تتحسن. لكن عند استلام حزب البعث للسلطة شهد اليهود تمييزا ضدهم وحظرا على تحركاتهم وسفرهم من قبل النظام البعثي، وفي عام 1969م أعدمت الحكومة العراقية عددا من التجار معظمهم من اليهود بتهمة التجسس لإسرائيل مما أدى إلى تسارع حملة الهجرة بشتى الطرق في البقية الباقية من يهود العراق والتي شهدت ذروتها في بداية السبعينات.

وبعد دخول القوات الاميركية الى العراق في نيسان ابريل عام 2003 م كان مجموع اليهود المتبقين في العراق أقل من 100 شخص معظمهم يسكنون بغداد وكردستان والغالبية العظمى منهم من كبار السن والعجزة.

وسكن غالبية يهود العراق المدن الرئيسية مثل بغداد والبصرة والموصل والسليمانية والحلة والناصرية والعمارة والديوانية والعزير والكفل وأربيل وتكريت. وحتى النجف، المدينة التي يقدسها الشيعة، احتوت على حي لليهود سمي بـ (عكد اليهود) فيما سكنت فئة قليلة منهم في المناطق الريفية شمال العراق.

واعتنق بعض الباقين من الديانة اليهودية في العراق الدين الاسلامي لاسيما اولئك الذين يسكنون مناطق متشددة. ولايزال الأهالي في بعض مدن بغداد يلقبون هؤلاء بأصولهم حيث يقولون فلان ابن اليهودي او ابن اليهودية. ولازالت منازل اليهود في مناطق البتاوين وابو سيفين وشارع الرشيد والباب الشرقي تحمل اثارهم فضلا عن معبد اليهود (الصورة) وهو المعبد الوحيد المتبقي في منطقة البتاوين وسط بغداد وتشرف عليه هيئة الاوقاف.