مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

النجف
من المقابر إلى الفنادق

فارس حرّام
ما أن تطأ قدمك اليوم أرض مدينة…
23.09.2008  |  النجف
030408-N-5362A-002Al Najaf, Iraq (April 08, 2003) - - The holy Shiite Muslim mosque Dareeh Ali Mam Ali sits peacefully in the Iraqi city of Najaf.OPERATION IRAQI FREEDOM is the multinational coalition effort to liberate the Iraqi people, eliminate Iraq's weapons of mass destruction and end the regime of Saddam Hussein.U.S. Navy photo by Photographer's Mate 1st Class Arlo K. Abrahamson.Photograph cleared for public release by LT John Gay, Combined Press Information Center. (CPIC)
030408-N-5362A-002Al Najaf, Iraq (April 08, 2003) - - The holy Shiite Muslim mosque Dareeh Ali Mam Ali sits peacefully in the Iraqi city of Najaf.OPERATION IRAQI FREEDOM is the multinational coalition effort to liberate the Iraqi people, eliminate Iraq's weapons of mass destruction and end the regime of Saddam Hussein.U.S. Navy photo by Photographer's Mate 1st Class Arlo K. Abrahamson.Photograph cleared for public release by LT John Gay, Combined Press Information Center. (CPIC)

فمنذ سقوط نظام صدام عام 2003، والمدينة تشهد تصاعداً مليونياً في أعداد زائري المدينة، بعد رفع القيود التي كان يقيمها النظام السابق على زيارات جماعية كان يقوم بها آلاف الشيعة العراقيين إلى مدينتهم المقدسة في المناسبات الدينية الكبرى، خشية قيام تمرد شعبي ضده؛ فضلاً عن القيود المقامة أصلاً على الزائرين الأجانب.

يقول "حسين أحمد"، صاحب محل بيع عطور قرب ضريح الإمام علي: " عدد زوار المدينة قبل عام 2003 لم يكن يتجاوز بضعة آلاف شهرياً، وكانوا جميعاً تقريباً عراقيين قادمين من مدنٍ أخرى، وكان أكثرهم يأتون إلى هنا لدفن موتاهم في مقبرة المدينة، الواسعة، مروراً بزيارة ضريح الإمام علي، لقد كانت مدينتنا، تلك السنوات، مدينة للمقابر".

والمقابر التي يتحدث عنها "حسين احمد" هي ما يشكل جزءاً من المركز الديني- الاجتماعي لمدينة النجف، في العراق وخارجه. فالمسلمون الشيعة في العراق، وكذلك أعداد كبيرة من الشيعة في العالم، قد اعتادوا، منذ مئات السنوات، وحتى الآن، أن يدفنوا موتاهم في مقبرة "وادي السلام" الشهيرة، قرب ضريح الإمام علي بن أبي طالب، تبركاً به، ما جعل النجف محاطة من الشمال بـ"بحر" من القبور، متداخل بعضها ببعض، بتكاثر عشوائي، وخطوط جغرافية ارتجالية، وبلون ترابي واحد.

باروميتر القبور

وخلافاً لتوقعات اغلب العراقيين في يوم 9/4/2003 -من إن البلاد مقبلة على عهد رخاء واستقرار- فإن دفن الموتى العراقيين في النجف لم يشهد انحساراً بعد حروب صدام وحصار التسعينات الاقتصادي؛ وإنما على العكس من ذلك، جاء زمن عراقي آخر اتسعت فيه مقابر المدينة، لتشمل –فضلاً عن القتلى معروفي الهوية- آلافاً من الحفر التي دفن فيها مجهولون، ذهبوا ضحية أعمال عنف، في مدن مختلفة من البلاد، "لاسيما في العام الأشد عنفاً: 2006 ". والعبارة الأخيرة هي لـ"علي أبو صيبع" أحد متعهدي الدفن في المدينة، الذي أضاف: "كنا في أيام الحرب مع إيران ندفن ما معدله 300 قتيل شهرياً، باستثناء أيام المعارك الكبرى، أما ما بين عامي (2004-2006) فقد كان يردنا آلاف القتلى كل شهر".

صورة قاتمة للمدينة يرسمها كلام "علي أبو صيبع"، وهو يتحدث ويشير بكلتا يديه إلى مساحات شاسعة من المقبرة، التي تغطي مساحة ما يقرب من ثلثي المدينة، والتي تُعد أكبر مقبرة إسلامية في العالم، وثاني اكبر مقبرة بعد مقبرة الوسدروف في مدينة هامبورغ الألمانية. لكن على الجانب الآخر يظهر وجه آخر لمدينة النجف، يرسمه التطور العمراني الذي أخذ بالازدياد في السنتين الأخيرتين، على خلفية استقرار أمني ملحوظ، تمثل فيه الفنادق العلامة العمرانية الأبرز.

هكذا تظهر النجف في صورة المكان الذي يجمع المتناقضات، ففي الوقت الذي اتسعت فيه مقبرة "وادي السلام" أفقياً، تتطاول المدينة عمودياً عبر الفنادق، بحيث إن بإمكان المقيم في أعلى فندق - شمالي المدينة- أن يرى أكثر من غيره أبعد نقطة في المقبرة. المقيم في الفنادق يلحظ أيضا فارقاً كبيراً بين عهدين سياسيين: صدام وما بعده، مع ما شهده العهد الجديد من تسهيلات ترافق حركة وإقامة الزائرين العراقيين والأجانب، وإقامة عدد كبير من الفنادق، أو كما يعبر "أبو زهراء"، أحد أهالي النجف: "أصبحنا نعتقد إن كل بناء يتم تهديمه في هذه الأحياء، سيبنى في مكانه فندق جديد".

وفيما يبدو: إن أغلب أصحاب رؤوس الأموال في المدينة يفضلون اليوم الاستثمار في مجال الفَنْدَقة أكثر من أي مجال آخر؛ ولاسيما في أحياء المدينة القديمة التي تحيط بضريح الإمام علي، سواءً عبر تشييد فنادق أو عبر إعادة تشكيل منازل قديمة ليكون كل منها "مسافر خانة" بالتعبير العثماني المتداول هنا، أي منازل مؤقتة مفروشة للزائرين. وبحسب "ميسم الأديب"، مدير إدارة فندق "الفائز" في المدينة القديمة، فإن بناء الفنادق أصبحت عادة الميسورين هنا، ويقول: "حتى لو كان ذلك في مساحات ضيقة. فمثلاً: ما كنتَ تراه منزلاً من 100 متر مربع قبل عام ، تجده اليوم فندقاً من أربع طبقات! والقصد الدائم هو الاستفادة قدر الإمكان من الزخم الكبير لأعداد الزائرين الأجانب، وفي مقدمتهم الزائرون الإيرانيون".

ويرد المدينة حالياً بحسب التقديرات الرسمية حوالي 10 ملايين زائر سنوياً، يأتون من بلدان مختلفة كإيران وأفغانستان وباكستان والهند والخليج العربي. وقد قدرت هيئة الاستثمار العراقية، في بيان لها قبل أيام، أن يصل عدد زائري النجف بحلول عام 2015 إلى 25 مليوناً سنوياً.

وكان طبيعياً، من الناحية التجارية، أن تتأثر المدينة إيجابياً بهذا التنامي السياحي، يقول "عبد الله مناف" (صاحب محل بيع أقمشة قرب ضريح الإمام علي): "لا يمكن المقارنة بين عملنا قبل ثلاث سنوات واليوم، الاستقرار الأمني الآن يسمح لنا بالبيع لأوقات متأخرة من الليل، وأحياناً حتى الصباح". لكن - بالرغم من ذلك- فإن طموح "عبدالله" في النجاح يتجه إلى أن يكون صاحب فندق، كما يقول: "امتلاك فندق شيء آخر، أعتقد إنني لكي أؤمِّنَ مستقبلي بشكل ممتاز فعلي أن أمتلك فندقاً هنا".

غير أن البعض من أهالي النجف، يرون في كثرة بناء الفنادق علامة ضعف في الخيال الاستثماري لذوي الإمكانات المالية والتجارية في المدينة، فهم يركزون على المجال الفندقي وحده، ويهملون مجالات استثمارية أخرى، يمكن لها إذا تمت بصورة ناجحة أن تعود عليهم بفوائد وأرباح توازي ما تجنيه المجالات الفندقية. ويرى البعض إن تركيز أصحاب رؤوس الأموال على الاستفادة من الزائرين، أنساهم ما يمكن أن يخدم أهالي المدينة. فهي "تخلو من أماكن تسوق كبرى ذات طراز حديث، تشبه ما نراه عبر التلفاز في مدن عربية أخرى". كما تقول "داليا عبد الزهرة" ( ربة بيت). بينما يرى الشاب "علي الفتلاوي" (خريج كلية إدارة واقتصاد) إن ما ينقص المدينة هو أماكن الترفيه. ويتساءل "هل رأيت في مدينتنا مطعم وجبات سريعة على الطراز الحديث؟" ويضيف: "لا مقاهيَ هنا كبرى ومتطورة، لا توجد مطاعم وكافيتريات ذات أسلوب خاص، ولا ملاعب لرياضات ترفيهية وسباقات عامة، لا توجد متنزهات أو حدائق حيوانات... هذه كلها مجالات استثمارية ممتازة لا يراها أغنياؤنا المهتمون بالفنادق فقط".

وإذا كان مألوفاً للنجف – بوصفها مدينة سياحية- أن تمتلئ بالفنادق وبيوت الزائرين، فإن ما يميزها الآن عن باقي المدن السياحية في العالم، هو إنها تعيش في منعطف استثماري. ربما سيكون بمقدورها أن تغادر زمناً كانت فيه مكان تكاثر لقبور العراقيين، أملاً في استقبال زمنٍ آخر تكون فيه مكان تكاثر للفنادق، ومرافق السياحة. غير إنها –على كل حال- لا تزال في مرحلة انتقال، كما يعبر بعض أهاليها، ولا تزال حتى الآن كأنها في حوار صامت بين المقابر والفنادق، أو كما يعبر "عبد المنعم القريشي"، أحد أدباء النجف: "إن المدينة تقدم الآن خدمتين في آنٍ واحد: "المقبرة" إلى العراقيين، والفنادق إلى الزائرين".

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.