مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

أن تكون كهلاً في العراق عام 2008

فارس حرّام
حين حدثت الحرب بين العراق وإيران…
8.08.2008  |  النجف

"نعيم عبد الحسن" هو الآن –وقد اقترب من الخمسين عاماً- صاحب عربة يدوية، يدفعها في ازقة النجف، ويستأجره الناس لنقل أغراضهم. وجدته ينتظر نزول ركاب إحدى سيارات نقل الزوار الايرانيين، متدافعاً مع أمثاله من اصحاب عربات يدوية أخرى - وكانوا شباناً يصغرونه بأكثر من ثلاثين عاماً- للحصول على زبائن. غير إن ما جعل تدافعه بينهم "نشازاً" هو الفارق الواضح في العمر. يقول "نعيم"، ذو الوجه المجعّد، مبتسماً عن أسنان متثلمة سوداء: "كانت خطة حياتي تتجه - في الأقل- الى ان اكون صاحب متجر لا بأس به، أو ربما كان ممكناً ان أدرس في إحدى الكليات، الا ان الحرب قد اخذت مني ثماني سنوات لا حقة، قبل ان يتسبب احتلال الكويت والحصار الذي بعده، بضياع سنوات أخرى، في الحرب، والفقر".

ملايين التغييرات

وفي الوقت الذي لا تبدو فيه قصة "نعيم" حالياً فريدة في ثنايا المجتمع العراقي. الا انها تكشف مقدار التغييرات الكبيرة التي تعرضت لها حياة جنود الأمس- كهول اليوم، الذين تسنى لهم أن يبقوا أحياء بعد حروب توالت على بلادهم أيام حكم صدام حسين. وهي تغييرات أجبروا عليها، في ظل نظام سياسي خيّرهم بين القتال أو الإعدام. وهي – من ثَمّ- تغييراتٌ تتلون فيها قصص الخسارات من كل جانب: البدني والنفسي، مع الاقتصادي والاجتماعي، الى غير ذلك.

منطق الخسارة في هذا الأمر واضح: أن تكون شاباً في العراق عام 1980 يعني إنك ستخسر ثماني سنوات في المعارك قبل أن تصل حياً الى نهاية الحرب عام 1988. وهو يعني ايضاً انك ستستمر جندياً احتياطيا في سلام ما بعد هذه الحرب أكثر من سنة، قبل ان تبدأ الحكومة العراقية نهاية 1989 ببرنامج تسريح الجنود الاحتياط، الذي سيتوقف عام 1990 مع دخول صدام الكويت، واستدعاء من تسرحوا، من جديد، إلى الجيش. بمعنى إنك ستعود جندياً مرة اخرى (اذا كنتَ متسرحاً) حتى أواخر عام1991، حين بدأت الحكومة مرة أخرى ببرنامج تسريح جديد للجنود الاحتياط، تأخرت بموجبه بعض المواليد في التسرح لغاية عام 1995. والمحصلة الاخيرة انك ستكتشف فقدانك في الأقل 12 عاماً من حياتك بصورة إجبارية، بين المعسكرات والقتال.

يقول "حميد وداعة" (46 عاماً- عامل بناء): "بعد تسرحي من الجيش عقب انتهاء الحرب مع ايران، تفرغت في منزلي، في أحد أرياف الكوفة، لأعمال الزراعة، ولم يكد يمر موسم زراعي واحد حتى تمت دعوتي مرة اخرى للجيش لأشارك في معارك الكويت". ويضيف "حميد" - الذي يظهر في الصورة- في نبرة تهكم مرتفعة: " مع بداية التسعينات بدأ وضع الناس بالتحسن قليلا، بسبب التجاء الحكومة الى برنامج اكتفاء ذاتي في المحاصيل الغذائية الأساسية، الا انني لم اتمكن من العودة الى الزراعة الا مطلع العام 1994، حين تسرحت من الجيش".

كان تسرُّح "حميد" متأخراً. إذ كان الحصار الاقتصادي في عراق منتصف التسعينات على أشده، وألقى التضخم المالي بظلاله على حياة ملايين العراقيين ليصيبها بالشلل. ما جعل "حميد" يفقد ثقته بقدرة الزراعة على تأمين احتياجات اسرته، ويكمل: "عام 1995 قررت ان اعمل في المدينة عامل بناء غير ماهر (صانع) – وهو عملي حتى الآن- بأجر يكاد يغطي احتياجات الطعام فقط، لأسرتي ذات الأفراد الثمانية".

ثغرة في جدار المنزل

صورة أخرى لقصص كهول الحروب في العراق اليوم، يقدمها الشاعر والناقد "تومان غازي" (50 عاماً). فالرجل كان في جبهة المعارك منذ اليوم الأول من الحرب مع ايران، وحين انتهت الحرب كان "تومان غازي"، الحاصل على بكالوريوس فيزياء، ضابطاً برتبة رائد، لأن الخيارات الضيقة ايام الحرب قد أجبرته على أن يسجل نفسه متطوعاً، فمن يتطوع حينها ولديه شهادة البكالوريوس يصبح ضابطا. يقول "تومان": "ذلك أفضل من أن تستدعى للجيش بصفة جندي.. أصبحت ضابطاً لانني رأيت الطريقة التي ينسحق فيها الجندي في الحرب، ليس من الموت الذي يحيط به من كل جانب، وإنما أيضاً من قلة احترام الحكومة له آنذاك مقارنة بالضابط . إن أكل الجندي، ودوامه، وراتبه، وحركته، والنظر الى شخصه، كلها تختلف بصورة فارقة عما كان يحدث مع الضابط".

لكنّ خيار "تومان غازي" بأن يكون ضابطاً قد انتهى به الى ان يكون متقاعداً بصورة مبكرة من عمره بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، بسبب وقوعه في الاسر، إذ القانون يتيح آنذاك للاسير العائد ان يُحال على التقاعد. ويكمل: "بعد ان تقاعدت بسنة واحدة حدث تضخم مالي كبير في البلاد، بسبب الحصار الاقتصادي، اكتشفت حينها إن راتبي الذي كان ممتازاً، لا يستطيع الآن الوصول بأسرتي الى منتصف الشهر، فقررت أن اعمل، وهكذا احدثت ثغرةً في جدار منزلي عام 1993، جعلت منها مخبزاً، وبقيت خبازاً بعدها قرابة عشرة اعوام".

البدء من الصفر

غير ان ما جعل قصة "تومان غازي" تختلف عن مجايليه، من مقاتلي الحروب، هو انه لم "يستسلم" لقدره. فقد دخل منتصف التسعينات كلية الآداب بجامعة الكوفة، على الرغم من الصعوبات المالية الخانقة له ولأسرته، ليحصل على شهادة بكالوريوس في الأدب العربي، حصل بعدها على شهادة الماجستير، التي سرعان ما استثمرها عام 2003، ليكون مدرساً براتب جيد في إحدى الكليات الأهلية التي تكاثرت في النجف بعد سقوط نظام صدام. كما انه الآن يحضّر لنيل الدكتوراة في جامعة الكوفة. "تومان" كان يتأمل في ذاكرته صور أشباهه، الذين صادفهم في أكثر من معسكر، والذين هم –مثله- كهولٌ اليومَ، ويقول: "لا أدري اين ذهبوا، وماذا يفعلون الآن، لكنني متأكد من ان اكثرهم قد انحرفت حياتهم بسبب الحرب، بصورة لا يستطيعون فيها العودة مرة اخرى لخياراتهم الأولى في ايام الشباب". "تومان غازي" شدد على إن عدم وجود رؤية خاصة للدولة العراقية تجاه هؤلاء يمثل "ثغرة أخلاقية كبيرة في نظامنا السياسي الجديد"، بحسب قوله؛ ويضيف: "لا توجد تشريعات قانونية تعيد اليهم الاعتبار، نفسياً أو اجتماعياً أو مالياً، لقد أضاعوا أجزاء عزيزة من حياتهم من دون اختيار منهم، وعليهم وقعت الصدمات المباشرة للحروب، بينما كانت غير مباشرة على غيرهم من الناس، ومع ذلك انتهى الامر بأكثرهم أن يكونوا صنّاعاً في المحلات، أو عمالَ بناء، أو حراسَ مدارس وعمارات، وبأجور زهيدة علينا ان لا نكتفي بالأسف لها".

وإذا جاز لنا أن نضيف الى ما يقوله "تومان غازي"، فإننا لن نجد أبلغ مما قاله "نعيم عبد الحسن"، وعيناه تتأملان لافتة كبيرة في الشارع تدعو الى الاشتراك في انتخابات المجالس البلدية القادمة: "في الحقيقة انا الآن لا اقوم بأفضل مما كنت اقوم به في الجيش أيام المعارك، الأمران سِيّان عندي، كنت أقاتل قتالاً شرساً تحت شمس الظهيرة، دون أن أعرف لماذا؛ وأنا الآن أدفع عربتي دفعاً شاقاً تحت شمس الظهيرة، دون ان اعرف لماذا أيضاً، وكلا الأمرين أقوم بهما بصورة "إجبارية" لكي أظل حياً، لا أكثر".

نرحب بإعادة نشر مقالات موقع "نقاش" بشرط ذكر المصدر. نرجو إعلامنا بإعادة النشر من خلال إرسال رسالة بريدية.