مؤسسة (أم أي سي تي) الإعلامية
Brunnenstraße 9, 10119 Berlin, Germany
mict-international.org

مشروعاتنا الأخرى
afghanistan-today.org
theniles.org
correspondents.org
کوردی
نيقاش: ‎‫پوخته‌یه‌ك له‌ناوخۆو سه‌رانسه‌ی‌ عێراقه‌وه‌‬
نقاش: إحاطات من داخل وعبر العراق
English
niqash: briefings from inside and across iraq
تم تسجيل بريدك الالكتروني

آثار الجنوب بين الإهمال والاحتلال

سليم الوزان- نقاش (البصرة، الناصرية) –…
16.07.2008

في جنوب العراق تطفو الآثار على سطح الأرض وتفيض كالنفط، فتثير شهوة اللصوص وتجار الآثار وعصابات التهريب الدولية. بدأت القصة في عهد النظام السابق، عندما اهتم بعض النافذين في زمن صدام بعمليات سرقة الآثار واستحوذوا على مقتنيات أثرية عرض بعضها في منازلهم على سبيل التفاخر والتباهي، في حين وجد بعضها الآخر طريقه إلى الأسواق. غير أن الأمور اتخذت أبعادا خطيرة بعد احتلال العراق، فاستبيحت مواقع أثرية ذات أهمية تاريخية كبيرة وأهملت مواقع أخرى وانتهكت حرمة التاريخ.

"وجه النظام السابق ضربة المعول الأولى في عملية تخريب آثار أور وسومر الجنوبية من خلال إنشائه مواقع العسكرية على مقربة من تلك الآثار"، يقول أستاذ في مادة الآثار في جامعة البصرة حبذ عدم كشف اسمه، متابعا: " صدام بنى واحدة من أكبر القواعد الجوية في العراق (قاعدة الإمام علي) في جوار آثار أور(15 كم شمال غرب الناصرية)، علما أن هناك أكثر من 16 مقبرة ملكية تعود للسلالات السومرية الأولى مصنوعة من الطين والفخار موجودة في تلك المنطقة، وهناك بيت النبي إبراهيم عليه السلام".

قبل حرب الخليج الأولى تعرضت تلك الآثار للتخريب جراء التوسع في بناء المنشآت العسكرية، وعندما اشتعلت الحرب أتت الأضرار على بعضها بشكل مباشر جراء قصف قوات التحالف لمواقع الجيش العراقي. أما بعد سقوط نظام صدام فأقامت قوات التحالف قواعد عسكرية جديدة على أنقاض السابقة، وشقت الجرافات الأرض طولا وعرضا لإنشاء طرقات. فنالت المواقع الأثرية نصيبها من صواريخ الكاتيوشا وقنابل الهاون التي تطلقها "المقاومة" مستهدفة قوات التحالف، كما حصل مثلا مع موقع )زقورة أور(، حيث توجد أقدم أثار لمعبد مكتشف في التاريخ .

وهناك "حقيقة خطيرة -يقول أستاذ التاريخ- هي تعرض العديد من المقتنيات الأثرية في موقع زقورة أور للسرقة، مع أنها تحت حماية القوات الإيطالية والأجنبية الأخرى"، ويتابع:"الآثار المنهوبة موجودة اليوم في المتاحف الإيطالية وجامعة UNC Ashevilleالأمريكية".

حسنا، وماذا عن المواقع الأثرية الأخرى "غير المحتلة" عسكريا؟

يؤكد لنا الأستاذ المختص أنها تمتد على مساحة مدن الجنوب وتتوغل في "الهور" حيث بقايا الحضارة السومرية. يصفها بالمناطق "بالغة الأهمية"، لكنه يشير إلى أنها "مواقع مكشوفة وبعيدة عن أعين السلطات ومهملة من الناحية الأمنية خاصة تلك الواقعة بين قصبتي (الفجر) و(الرفاعي)".

أحد أهالي قضاء الشطرة (45 كلم شمال الناصرية) ويدعى هاشم( 38 عاما) تبرع بمرافقة مراسل "نقاش" في جولة بسيارته عبر تلك المناطق حتى تخوم منطقة الهور المائية، وكان برفقتنا سائقه وهو من أقاربه، واثنين من أخوته كانا مسلحين.

هاشم لاينكر كونه "تاجر صغير" ويبرر ذلك قائلا: "إنه طلب الرزق يا أستاذ"!

بعد ساعة من استقلال سيارته بدا لنا شريط من الطين مرتفع عن الأرض يمتد على طول (3 كلم) شمال منطقة الفجر، وهو ما يطلق عليه تسمية (أيشان)، ويؤكد السكان المحليون أن الموقع "مسكون بالأرواح الشريرة"، وله أسطورة معروفة عندهم، تقول أن (إيشان) اسم لفتاة عاشت منذ زمن قديم وقتلت هي وحبيبها لتجاوزهما الأعراف والتقاليد، وما هذا الشريط الطيني إلا "ضفيرة بقيت من شعرها".

إيشان "تظهر" أحيانا لبعض السكان، و يسمع الأهالي صوت زغاريدها في الأيام المظلمة، لكنها "لا تخيف سوى أولئك البسطاء" كما يؤكد هاشم ضاحكا، فالعين لا تخطئ آثار نبش الأرض والقبور في غير موقع قرب السوار الطيني قادنا إليه دليلنا.

تقطع بنا العربة الطريق وسط لفح ريح وأراض خربة. وفي كل مرة كان هاشم يلفت انتباهي إلى موقع أثري ما.

سألته عن طرق التعامل ببيع الآثار وسبل تهريبها فقال": يقصدنا أشخاص عبر وسطاء محليون نثق بهم للبحث عن المقتنيات الأثرية وشرائها، بعضهم يزعمون أنهم من الدولة (موظفون) مؤكدين أنهم مكلفين بإعادة الآثار إلى المتحف العراقي، نحن لا نصدق مزاعمهم بالطبع، لكننا نبيعهم ويرحلون.. مهتمون آخرون يأتون إلينا من الأردن أو إيران ويشترون ما لدينا".

وعن نوعية الآثار المرغوبة وأسعارها يقول: "هناك التمثال الأسود المكتوف والأبيض المكتوف، وهي مرغوبة ولا يتعدى حجمها (15 سم) وخفيفة الوزن، تلك يبلغ سعر الواحدة منها 4000 دولار، هناك أواني الفخارية وألواح مزخرفة ولكل منها سعرها".

يعيش هاشم في وضع مادي مريح كما تبدو عليه هيئته، وهو يعتبر أن عمله "شريف" طالما انه لا يضر أحدا. لكن أستاذ التاريخ يصف الأمر بأنه "كارثي" ويقول: "إن تاريخ العالم القديم مدفون بأسره في جنوب العراق وهو يتعرض للنهب والتخريب تحت أنظار المسؤولين في الدولة ومنظمات الأمم المتحدة على يد أولئك المخربين الصغار والكبار".

إهمال الدولة لا يقف عند هذا الحد، تابع الأستاذ، فقد "تعرضت مواقع أثرية هامة تعود إلى 2500 سنة قبل الميلاد للجرف المائي على الضفة الجنوبية لنهر الفرات، متأثرة بارتفاع منسوب المياه، وقد جرف قسم كبير من الآثار وتعرضت للكشف مما جعلها تحت رحمة السلابة والمهربين".

بحثاً عن أجوبة حول الانتهاكات التي تتعرض لها آثار العراق ودور الحكومة في معالجة المشكلة التقيت مسؤولا مطلعا في مفتشية الآثار بالبصرة طلب عدم كشف اسمه. المسؤول قال لـ "نقاش": "دورنا محدود جدا سيما أن لم ننل من الحكومة أية مخصصات مالية لهذا العام، ونتعرض إلى ضغوطات ومضايقات من أحزاب مشاركة في الحكم لتسهيل عمليات التهريب".

المصدر يتابع: "في عام 2005 على سبيل المثال تم إلقاء القبض على مجموعة من المهربين على الحدود العراقية الإيرانية جهة البصرة وكانوا قادمين من مدينة العمارة وهم من الجنسيتين العراقية والإيرانية، ضبطت بحوزتهم مجموعة من الآثار تم طليها للتمويه على أنها سلع سياحية مقلّدة ومصنّعة محلياً".

ويكمل: "تلقينا إشارة من الجهات الأمنية بإرسال خبير لغرض فحصها وتشخيصها، لكننا وبعد دقائق تلقينا أمرا من الجهة الأمنية نفسها تأمرنا بتسجيلها على أنها مقتنيات مزيفة تباع في السوق كهدايا، وتم لهم ذلك دون أن يجرؤ أحد من المفتشية على رفع صوته".

أغلب الآثار المهربة تأتي من الناصرية كما أفاد المصدر، وتمر بطريق البصرة لتعبر الحدود شرقاً وجنوبا إلى دول الخارج. أما مصير الآثار التي يتم ضبطها على الحدود فيقول: "أحيانا تقوم قوى الأمن من الاستخبارات وشرطة الجمارك بإلقاء القبض على المهربين ولكننا نجهل مآل القطع الأثرية بعد مصادرتها ولا تعيدها الجهات الأمنية إلينا".

شعور الإحباط ارتسم كئيباً على وجه المسؤول في مفتشية الآثار في البصرة، قبل أن يخبرني أن الحكومة عينت حارسين اثنين فقط لحماية مواقع الآثار في محافظة البصرة.